الفصل 219 - كارثة طاغية
مقارنة بحجم ذلك العملاق الصخري، بدوت كحشرة في طريقه. أي إنسان كان سيشعر بالرهبة أمام وحش بهذا الحجم؛ كل خطوة منه كانت تهزّ الغابة معلنة وجوده فوق كل شيء آخر فيها.
الوحوش التي بلغت المستوى الرابع تُسمّى “كارثة”، بينما يُسمّى البشر الذين بلغوا نفس المستوى “متجلّين”. كلاهما ينقسم إلى رتبتين: عند البشر، متجلٍّ مبتدئ ومتجلٍّ كامل. وعند الوحوش، كارثة وليدة وكارثة طاغية.
واجهت خلال السنوات الثلاث الماضية تسعة وحوش كارثة، جميعها كانت من الرتبة الوليدة. من المفارقات السخيفة أن الكارثة العاشرة التي تقف أمامي الآن هي كارثة طاغية. تمكنت من هزيمة تلك الكوارث التسع بالقوة والذكاء والتخطيط، وحتى بالحيل والمكائد ودعم الآثار التي أملكها. لكن هذه المرة لن ينجح شيء من ذلك. والسبب بسيط: لا يوجد أحمق واحد يمكنه مواجهة هذا الوحش بهذه الطريقة.
يمكن تعريف قوة “المتحكم الأولي” بأنها عشرة أضعاف من بلغ الفهم فقط، و”المتحكم المتقدم” خمسة عشر ضعفًا، و”المتحكم الشامل” عشرين ضعفًا. أما “المتجلي المبتدئ” فخمسون ضعفًا، أي ضعفين ونصف متحكم شامل، و”المتجلي الكامل” لا يقل عن مئة ضعف، أي خمسة أضعاف متحكم شامل. فارق لا يمكن سدّه بأي طريقة ممكنة.
منطقيًا، من المستحيل لمتحكم شامل أن يهزم كارثة وليدة. لكنني حالة خاصة، والسبب هو أوريل. تعزيزها يضاعف قدراتي الجسدية: الاندماج الوحشي الجزئي يمنحني ضعفين، والاندماج الكلي يمنحني أربعة أضعاف. إن أردنا قياس قوتي الحقيقية، فهي ثمانون ضعفًا، أي أقوى من الكارثة الوليدة بنحو ستين بالمئة. لكن الواقع مختلف، بل مختلف تمامًا، لأنني لن أتمكن من هزيمة كارثة وليدة بالقوة الخام وحدها. والسبب الأهم في ذلك هو الإرادة.
من بلغوا المستوى الرابع يُسمّون بالمتجلّين لسبب واحد: هم من بلغوا القدرة على منح إرادتهم واقعًا ملموسًا. لنضرب مثالًا يوضح الفكرة أكثر: مقاتلان سدّدا ضربة بنفس القوة، نفس الدفع، نفس الشدة. الأول متحكم، والثاني متجلٍّ. النتيجة المتوقعة واحدة، لنقل حفرة في الجدار قطرها عشرة سنتيمترات، وهذا فعلًا ما حدث مع المتحكم. أما المتجلي، فكان الوضع مختلفًا: قطر حفرته عشرون سنتيمترًا، وعمقها ضعف عمق حفرة المتحكم. نفس الظروف، نفس الأسباب، نفس القوة، ونتيجة مختلفة تمامًا. السبب بسيط: المتجلي سدّد الضربة بإرادته أيضًا، إرادة تحطيم الجدار تجلّت في قوة إضافية حقيقية. المتحكم كانت لديه نفس الإرادة تمامًا، لكنها لم تتجلَّ في هجمته.
Sou: لقد تعبت من الشرح، لا أقبل اعتراضات.
لم يستغرق غورلاك وقتًا طويلًا للوصول، أقل من دقيقة. رفعت جارح الظلال واندفعت بكامل قوتي، ركّزت الدماء على حافة سيفي وضغطتها بقوة حتى وصلت إلى ساقه. بحركة واحدة، تمزقت المنطقة بأكملها في دائرة نصف قطرها عشرة أمتار، غرقت في موجات دماء ارتدادية قادرة على تمزيق الحديد. ومع ذلك، بقيت ساق غورلاك جديدة تمامًا. لم أترك عليها خدشًا واحدًا.
هجوم بهذا الحجم من المستحيل التغاضي عنه. أول ما استقبلني عند رفع رأسي كان نظرتا غورلاك المجوّفتان تسقطان علي مباشرة، تلاهما ضربة هائلة من ذراعه، كجبل يسقط على نملة. تمكنت من تفاديها بسهولة، ثم فعّلت الاندماج الوحشي الكامل، قفزت فوق ذراعه، وشققت طريقي صعودًا نحو رأسه، وسددت ضربة كافية لتحطيم أقوى الدروع بسهولة. للأسف، لم تترك أثرًا يُذكر، سوى خدش بحجم عشرة سنتيمترات، إن أردنا التماس عزاء ما.
فعّلت قلادة أرين وقلت: “اسقط.”
شعرت بارتدادات عنيفة، لكنها نجحت جزئيًا؛ سقط غورلاك على ركبة واحدة. عندها اشتعل سيفي بلهب أزرق عظيم التهم العملاق كله، أحرق متانته. لم أصمد سوى ثوانٍ قبل أن أتراجع، وأنا أسمع لعنات جارح الظلال: “تبًا لهذا الوغد، فوق طاقتي. استهلكت أطنانًا من الدماء لأنقص متانته بخمسة عشر بالمئة فقط.”
أجبته بهدوء: “هذا أفضل. هذا يعني أنه أكثر هشاشة من قبل، وهذا يكفيني.”
شكّلت عجلات دوارة من الدماء تدور بسرعة جنونية، وأرسلت ثلاثة منها في الهواء، تمزّق كل ما يقف أمامها. بمجرد وصولها إلى غورلاك، انفجرت مشوّهة الغابة بلون أحمر داكن، وتركت ثلاث إصابات حقيقية على ذلك الجسد العملاق.
قلت بابتسامة ماكرة: “يبدو أنك لم تعد صلبًا كما كنت.”
لم يستغرق الأمر طويلًا حتى ارتجف جسدي كله رعبًا، لأن ما رأيته يتخطى ما يمكن لأي شخص رؤيته: شبكة إرادة الكارثة، التي كانت صلبة ومرعبة أصلًا، ازدادت سوءًا، إذ توسعت في غمضة عين لتشمل الغابة بأكملها. يبدو أن هذا الوغد اعتبرني أخيرًا خصمًا يستحق الحذر.
لم يدم الأمر طويلًا حتى اشتعل جسده العملاق بنور أحمر قاتم، يزداد توهجه كل ثانية، ترتفع معه حرارة الجو حتى بالكاد كنت قادرًا على رد الفعل. فجأة، التفت حولي طبقات من الدماء لحمايتي، وغرق كل شيء في نور شديد، من ذلك النوع الذي لا يترك أي ظل خلفه. تبخّرت الأشجار، تمزّقت الحجارة وذابت، واهتزت الأرض حتى شعرت بها كارنوث نفسها، رغم أن الشمس كانت مشرقة فوق أوسترين، إلا أن نورًا أشد منها برز من الغابة في تلك اللحظة.
تلاشى الضوء ببطء، وانخفضت درجة الحرارة بسرعة جنونية حتى وصلت إلى حدود معقولة، وإن ظلت حارة جدًا بمقاييس طبيعية. هناك، في بحر النيران، برز رجل واحد جاثٍ على ركبتيه، يسعل بقوة، جسده مشوه من الاحتراق لدرجة يستحيل معها تمييز ملامحه. برزت عدة فتحات في جسده تكشف عن عظام مهشمة وأعضاء داخلية. بين يديه، سيف قرمزي.
اشتعل السيف بلهب مختلف هذه المرة، لهب أزرق سماوي، والتهم جثتي. أعاد العظام إلى طبيعتها، أعاد العضلات والأوتار كما كانت، استعاد الأعضاء الداخلية، وأعاد تشكيل الجلد ليعود كما كان. عندها برز صوت مقرف من السيف: “تبًا لذلك المخلوق القذر، استهلكت الكثير من الدماء للنجاة منه. تبًا له.”
فتحت عيني وقلت بهدوء، رغم أن الألم لم يفارقني حتى بعد شفائي: “توقف عن التذمر. أنت لم تستخدم حتى واحدًا بالمئة مما لديك من دماء مخزّنة. يمكنك شرب دمائه، وسيكون أفضل بألف مرة مما ستخسره، بل عشرة آلاف مرة.”
ضحك السيف بسخرية: “هيا، أنت تعلم أنني أمزح. أردت تلطيف الأجواء فقط.”
نظرت نحو غورلاك بغضب مكتوم وقلت: “سأقتل هذا الوغد حتمًا. لذلك، ثبّته.”
ضحك السيف بهستيريا: “لك ذلك يا فتى. أنت تعجبني حقًا.”
سحبت الخنجر وأرسلته بقوة دفع لا يمكن تصورها، مصحوبة بإرادتي كاملة. بمجرد أن لمسه وترك عليه خدشًا واحدًا فقط، اختلت شبكة إرادة الوحش بأكملها وشُلّت. حينها، ارتفعت من الأرض أطنان من الدماء والتفت حول غورلاك، قيّدته بقوة لا مثيل لها.
أمسكت جارح الظلال بكلتا يدي، وركّزت إرادتي على حافة السيف، في نقطة واحدة صغيرة، واستمررت في تركيزها حتى أصبحت بسمك عشرة ميليمترات فقط. اندفعت بكامل قوتي، شققت الدخان المرتفع من الغابة باندفاعي، وصولًا إلى مركز جسم العملاق. لوّحت بسيفي بضربة مستقيمة واحدة.
“التكثيف المفرد.”
اهتزت الأرض، بل انتفضت. أوسترين، التي شاهدت سلسلة زلازل في الفترة الأخيرة، شهدت هذه المرة أشدها وأقواها وأكثرها رعبًا. تشققت أرضيتها، وتساقطت بيوت كثيرة، القديمة منها أولًا، وتشكلت شقوق حتى في البيوت الجيدة. اهتزت كارنوث نفسها للمرة الأولى، ناشرة الهلع والخوف في شوارعها. أما الغابة، فتمزقت بصريح العبارة، انشقت الأرض وارتفعت فوق بعضها، وسقط العملاق على عدة أجزاء مكسورة. حتى الجبال القريبة، الأكثر ثباتًا بين كل شيء، اهتزت.
وقفت فوق جثة العملاق، سائل أصفر يسيل منها يمتصه جارح الظلال. دماء غورلاك. لقد كان فوزًا عظيمًا، سيخلد في تاريخي وسيرتي الذاتية.