الفصل 216 - خمسة ضد إرادة واحدة
وصلنا، سكارليت وأنا، إلى حافة الغابة العميقة في اللحظة التي بدأت فيها الشياطين الخمسة بالتحرك في آن واحد، كأن إشارة صامتة واحدة أطلقت هجومهم المشترك المنسق بدقة مرعبة، وكأنهم تدربوا على هذا التزامن منذ زمن طويل رغم كونهم كائنات مختلفة تمامًا في طبيعتها وشكلها.
توقفنا خلف صف من الأشجار المتفحمة جزئيًا، أنفاسي لا تزال متقطعة من الجرح العميق في جانبي، وشعرت بيد سكارليت تمسك بذراعي بقوة مفاجئة تكاد تؤلمني. “لا تتحرك من هنا مهما حدث،” همست بصوت لا يقبل الجدال، عيناها مثبتتان على المشهد أمامنا بتركيز لم أرَه عليها من قبل. “ما سنراه الآن ليس معركة يمكن لأحدنا أن يتدخل فيها دون أن يصبح عبئًا إضافيًا، بل ربما دون أن يُقتل في الثانية الأولى فقط لوقوفه في المكان الخاطئ.”
لم أعترض. حتى بهيئتي المتوحشة وجراحي التي بالكاد توقف نزيفها، شعرت بيقين عميق أن ما كنت على وشك رؤيته سيغيّر فهمي بالكامل عن معنى القوة الحقيقية، عن كل ما ظننته حدًا أقصى لما يمكن لمقاتل واحد أن يحققه في ساحة معركة.
انقض الشيطان ذو الجناحين الأسودين أولًا، منطلقًا في الهواء بسرعة تركت خلفها أثرًا ناريًا خافتًا يشق الظلام كخط أحمر متوهج، ثم انحدر نحو دارون في غطسة مباشرة تحيط بها كرة من اللهب المتصاعد تلتهم الهواء المحيط بها بصوت هدير خافت. في اللحظة نفسها، ضرب الدب الكريستالي الأرض بمخلبه الأمامي بقوة هائلة هزّت التراب في دائرة واسعة، مطلقًا موجة من الشظايا الكريستالية الحادة تتطاير في كل اتجاه كسهام بيضاء قاتلة تلمع تحت ضوء القمر الخافت. الكائن رباعي الأذرع اندفع من الجانب الأيمن بدوران سريع، مناجله الأربعة ترسم دائرة معدنية متكاملة حول جسده، صوت احتكاكها المعدني يشبه صرخة آلية باردة. الأفعى الرمادية زحفت بصمت من الجهة المعاكسة، تنفث سحابة من الدخان الأرجواني السام تتوسع بسرعة مقلقة، تلتهم كل نبتة خضراء تلمسها. والعنكبوت، من موقعه المرتفع بين الأشجار، أطلق عشرات الخيوط الفولاذية في شبكة محكمة تهدف لتطويق دارون من كل الجهات دفعة واحدة، خيوط تتشابك في الهواء بسرعة تفوق قدرة العين البشرية على تتبعها بوضوح.
خمسة هجمات متزامنة، كل واحد منها كافٍ وحده لقتل مقاتل عادي في لحظة واحدة، خمسة أشكال مختلفة من الموت تتقارب نحو نقطة واحدة في الفضاء بلا أي هامش خطأ متاح لأي منها.
وقف دارون بلا حراك للحظة أخيرة، عيناه الأرجوانيتان تمسحان الشبكة الكاملة لخيوط الإرادة الخمسة المندفعة نحوه في آن واحد. ثم تحرك.
لم تكن حركته مجرد تفادٍ. في الماضي، كانت قدرته “العقل الفعّال” تسمح له فقط برؤية خيوط إرادة خصومه، والرد عليها بضربة معاكسة بنفس القوة والشدة بالضبط، توازن دقيق بين الهجوم والدفاع. لكن ما فعله الآن كان أبعد من ذلك بمراحل: حلل خيط إرادة الشيطان المجنح المندفع نحوه بلهبه، وبدلًا من مجرد مواجهته، عكسه على نفسه. توقف الشيطان في منتصف اندفاعه فجأة، وكأن جسده تلقى أمرًا مضادًا من داخله هو نفسه، حرف مسار كرته النارية عائدة نحوه، تصطدم بجناحه الأيسر وتحرقه جزئيًا وسط صرخة ألم مفاجئة لم يتوقعها.
“مثير للاهتمام،” قال صوت منخفض جاف يخرج من السيف القرمزي نفسه، نبرة تحمل سخرية باردة لا تشبه أي صوت بشري. “في كل مرة أرى تطورك يزداد شغفي بك أكثر فأكثر.”
لم يرد دارون على سيفه، فقط انحنى بسرعة تفادي شظية كريستالية حادة كانت على وشك اختراق كتفه، مستديرًا في نفس الحركة ليصد ضربة أولى من مناجل الكائن رباعي الأذرع بحد سيفه القرمزي.
اندفع الدب الكريستالي نحوه بضخامته الهائلة، وحاول دارون تكرار نفس تقنية عكس الإرادة، لكنه شعر بمقاومة أكبر بكثير هذه المرة، كأن إرادة الدب أثقل وأصلب من إرادة الشيطان المجنح، تشبه في كثافتها الكريستالات الحادة النابتة من ظهره. لم يستطع عكسها بالكامل، لكنه نجح في تشويهها جزئيًا، ما جعل ضربة الدب المقبلة تنحرف عن مسارها الأصلي بضع درجات كافية لتفويت رأسه بمسافة شعرة.
استغل دارون تلك الثانية الضائعة ليلمس قلادته المعدنية المعلّقة حول رقبته، قلادة “أرين”، ورفع يده نحو الدب مباشرة. شعور غريب انتشر في الهواء، ثم تعثرت قدما الدب الهائلتان فجأة، كأن قانونًا خفيًا للتوازن انقلب عليه للحظة واحدة فقط، سقط على ركبتيه الأماميتين بصوت ارتطام هائل هزّ الأرض من حوله.
“عقوبة تعثر،” قال دارون بصوت جاف هادئ، وهو يندفع نحوه مستغلًا سقوطه المفاجئ، غارزًا سيفه في رقبة الدب بضربة واحدة عميقة، شعر بالدماء تتدفق عبر النصل القرمزي، يشرب منها بينما يئن الدب بألم متصاعد.
لكن الكائن رباعي الأذرع لم يمنحه فرصة للاستمرار. اندفع من خلفه بدوران سريع، مناجله الأربعة تصل من أربع زوايا مختلفة في نفس اللحظة بالضبط، هجوم مصمم خصيصًا ليكون مستحيل التفادي بالحركة العادية وحدها.
هنا استخدم دارون خنجره للمرة الأولى في هذه المعركة. سحبه بيده اليسرى بسرعة خاطفة، وضخّ فيه إرادته مباشرة، تلك التقنية التي اكتشفها عبر ثلاث سنوات كاملة من التجربة و الخطأ، بعد أن ظن في البداية أن الخنجر مجرد أداة لشل حركة الخصم لا أكثر، قبل أن يدرك حقيقته الأعمق بكثير: أنه إن ضخّ إرادته الخاصة فيه مباشرة، فإنه يشلّ إرادة خصمه بالكامل، ولو للحظات معدودة فقط إن شل الإرادة لا يختلف عن جعل الخصم جثة لا غير
لمس نصل الخنجر جسد الكائن رباعي الأذرع بلمسة خفيفة تكاد لا تُرى، وفجأة تجمّدت الأذرع الأربعة في الهواء، معلّقة بلا حراك كتماثيل معدنية، الكائن نفسه بقي واقفًا بلا قدرة على تحريك ولو عضلة واحدة، عيناه فقط تحملان ذعرًا صامتًا عاجزًا عن التعبير عن نفسه بأي شكل آخر.
“تبا في كل مرة أرى ترسانتك من الأثار تجعلني أكثر دهشة،” همس السيف بنبرته الساخرة المعتادة. “من في العالم سيكون لديه ترسانة مثلك”
استغل دارون تلك الثواني المشلولة، غرز سيفه في صدر الكائن مباشرة، يشرب دماءه السوداء الكثيفة بينما ينهار جسده الصلب ببطء إلى الأرض، أذرعه الأربعة لا تزال معلقة في وضعيتها الأخيرة حتى بعد سقوطه.
من بعيد، كنت أراقب كل هذا بذهول تام يقارب الشلل، أشعر بيد سكارليت لا تزال تمسك بذراعي بإحكام، وسمعتها تهمس لنفسها أكثر مما تهمس لي: “لم أرَه يقاتل بهذا الشكل من قبل، حتى أنا لا أعرف كل حدود قوته الحقيقية.”
لم يكن هناك وقت لأتأمل في كلماتها. الأفعى الرمادية اقتربت أخيرًا، دخانها الأرجواني السام يحيط بدارون من كل جانب في سحابة كثيفة متصاعدة، سم يخترق حتى الهواء نفسه. سعل دارون مرة واحدة، الأثر الوحيد الذي رأيته يظهر عليه طوال هذه المعركة كلها، قبل أن يستحضر الاندماج الوحشي بشكل أعمق هذه المرة، فرو داكن ينمو جزئيًا على ذراعيه، رئتان تتكيفان بسرعة غير طبيعية مع السموم المحيطة.
اندفعت الأفعى بضربة رأس مباشرة، أنيابها الطويلة تنقض نحو رقبته، لكن دارون أمسك بفكها العلوي بيد واحدة بقوة هائلة، بينما ضخّ خنجره في جسدها بيده الأخرى. تجمّدت إرادتها للحظة معدودة، كافية بالضبط ليغرز جارح الظلال في جمجمتها مباشرة، يمتص سمومها ودماءها معًا في آن واحد، تدفق أسود كثيف يختفي بالكامل داخل النصل القرمزي.
بقي العنكبوت وحده، والشيطان المجنح المصاب بجناح محترق جزئيًا يحاول التعافي على مسافة قريبة. أطلق العنكبوت شبكته الفولاذية الكاملة هذه المرة، خيوط لا تُحصى تنسج نفسها بسرعة حول دارون من كل زاوية ممكنة، محاولة تقييد حركته بالكامل قبل أن يتمكن من استخدام أي من أسلحته.
هنا، وللمرة الأولى في هذه المعركة، استخدم دارون تقنيته المتطورة بكامل قوتها. بدلًا من قطع الخيوط أو تفاديها، أمسك بخيط إرادة العنكبوت نفسه المتحكم بتلك الشبكة، وعكسه بالكامل، ليس مجرد تشويه جزئي هذه المرة، بل انعكاس تام. انقلبت الشبكة الفولاذية فجأة على صانعها، تلتف حول العنكبوت نفسه بدلًا من دارون، تشده وتقيده بقوة الخيوط التي نسجها بيديه هو.
“الآن،” همس السيف بنبرة تحمل إعجابًا نادرًا هذه المرة. “هذا ما كنت أنتظره منذ البداية.”
اندفع دارون نحو العنكبوت المقيد بخيوطه الخاصة، غرز سيفه فيه بضربة واحدة نهائية، يمتص كل ما تبقى من دمائه بينما تتقلص أرجله الثمانية ببطء حتى تتوقف تمامًا عن الحركة.
لم يبقَ سوى الشيطان المجنح، جناحه المحترق لا يزال يعيقه، لكن غضبه تصاعد إلى ذروته وهو يرى رفاقه الأربعة يسقطون واحدًا تلو الآخر أمامه. اندفع نحو دارون بكل ما تبقى له من قوة، لهب هائل يغلف جسده بالكامل هذه المرة، محاولة أخيرة يائسة لإنهاء المعركة بضربة واحدة حاسمة.
رفع دارون سيفه القرمزي بهدوء تام، وللمرة الأخيرة في هذه المعركة، مزج بين تقنياته الثلاث معًا: أمسك بخيط إرادة الشيطان وعكسه جزئيًا ليبطئ اندفاعه، لمس قلادة أرين ليجعله يتعثر للحظة قصيرة كافية، ثم ضخّ الخنجر إرادته في جسده المحترق ليشل حركته تمامًا للحظة أخيرة حاسمة.
في تلك الثانية المتجمدة، تحرك دارون بسرعة تجاوزت كل ما رأيته منه طوال هذه المعركة كلها، غرز جارح الظلال في قلب الشيطان مباشرة، يمتص كل قطرة دم متبقية فيه بينما ينهار جسده الضخم أخيرًا إلى الأرض بصوت ارتطام هائل أنهى المعركة بأكملها.
وقف دارون وحده وسط ساحة مليئة بخمس جثث هائلة، أنفاسه هادئة رغم كل شيء، دماء الشياطين الخمسة تلطخ جارح الظلال بلون قاتم عميق يشع بتوهج شرير خافت. خرجت من مخبأنا ببطء، جراحي لا تزال تؤلمني لكنها لم تعد تهم كثيرًا أمام ما شهدته للتو، بينما سارت سكارليت بجانبي بصمت مطبق، وجهها لأول مرة يحمل شيئًا أشبه بالرهبة الحقيقية.
نظر دارون نحونا أخيرًا، بلا أي مفاجأة تُذكر لرؤيتنا هناك، وكأنه كان يعرف بحضورنا طوال الوقت دون أن يهتم بذكره.