الفصل 214 - العودة
لم تمرّ سوى لحظات معدودة بعد رحيل دارون نحو الشيطان البالغ حتى شعرت بحضور آخر يقترب بسرعة تفوق أي شيء اعتدت عليه من قبل، حضور يحمل نفس ذلك الثقل الغريب في الهواء الذي شعرت به أول مرة عند البوابة الشمالية، لكنه مختلف تمامًا في طبيعته عن ثقل دارون البارد الحاد. كان أشبه بموجة هدوء مضغوطة، قوة لا تصرخ بحضورها بل تفرضه بصمت مطلق يجبر كل من حولها على الانتباه رغمًا عنه.
هبطت سكارليت بيننا وسط الغبار المتصاعد بخفة لا تشبه هبوطًا حقيقيًا بقدر ما تشبه انزلاقًا في الهواء نفسه، شعرها الأشقر يتطاير خلفها كموجة ضوء صامتة تعكس ما تبقى من ضوء الفجر الخافت، وعيناها تمسحان ساحة المعركة بسرعة حاسبة تشبه من اعتاد قراءة ميادين القتال في لمح البصر، قبل أن تستقرّا على الشيطان البالغ الذي كان لا يزال يتحرك نحونا بغضب واضح بعد رحيل دارون المفاجئ. لم تلقِ نحوي أو نحو الأطفال خلفي أكثر من نظرة سريعة تقييمية، لم تكن باردة تمامًا لكنها لم تحمل أي فضول زائد أيضًا، ثم تحركت مباشرة لتقف بيننا وبين الوحش، جسدها النحيل يوحي بخفة لا تناسب على الإطلاق المقاتلين المرعبين الذين شهدتهم طوال حياتي.
بقيت واقفًا خلفها بصعوبة، جرحي لا يزال ينزف، لكنني لم أستطع منع نفسي من مراقبتها بانتباه شديد، أحاول أن أفهم من أين تأتي كل تلك الثقة الهادئة التي تحيط بها كهالة غير مرئية، وكأن الخطر المحيط بنا جميعًا مجرد تفصيل عابر بالنسبة لها.
نظر دارون نحو الغابة البعيدة حيث يتمركز جيش الوحوش الأكبر بكثير، عيناه تحملان تركيزًا هادئًا مخيفًا، وكأنه يقيّم مهمة عادية لا معركة قد تعني موت الآلاف. “سأتولى أمر الغابة،” قال بصوت جاف لا يحمل أي تردد. “لا تتأخري كثيرًا هنا.”
توقفت سكارليت للحظة، نظرت نحوه بحاجب مرفوع قليلًا، وسألته بصوت هادئ يخفي قلقًا حقيقيًا تحته بالكاد، قلق لم أكن أتوقع أن أسمعه من امرأة بدت حتى تلك اللحظة بلا خوف يُذكر: “هل تستطيع الاهتمام بالأمر وحدك؟ ثلاثمئة وحش على الأقل، وشياطين بالغة، وشيء أكبر من كل ذلك في العمق كما أخبرتني قبل وصولنا.”
لم يستدر دارون حتى وهو يجيبها، خطواته نحو الغابة لم تتباطأ ولو للحظة واحدة، وكأن السؤال نفسه لم يستحق حتى التوقف من أجله. “بالطبع.”
كلمتان فقط، بلا أي تفصيل إضافي، بلا أي أثر شك في نبرته الجافة الباردة، بلا حتى نظرة أخيرة نحوها للتأكيد على كلامه. ومع ذلك، شعرت بشيء بارد يزحف في عمودي الفقري وأنا أسمعهما، شعور غريب يشبه الرهبة أكثر مما يشبه الطمأنينة، وكأن ثقته المطلقة تلك كانت أشد إخافة من أي شك كان يمكن أن يبديه رجل عاقل يواجه هذا العدد من الأعداء. نظرت نحو أراك وكارلا، ورأيت في عينيهما نفس ذلك الاضطراب الصامت، وكأن الجميع أدركوا في نفس اللحظة بالضبط أن الرجل الذي توارى للتو بين الأشجار كان يحمل شيئًا يفوق فهمنا جميعًا مجتمعين، شيئًا لا يمكن قياسه بمقاييسنا المعتادة عن القوة والضعف.
حتى المقاتلون العشرون المتبقون خلفنا، الذين كانوا لا يزالون يتصدون لبقايا الوحوش الصغيرة المتناثرة، توقفوا للحظة يراقبون ذلك الظهر المبتعد بصمت مطبق، قبل أن يعودوا إلى معركتهم الخاصة بحذر أشد مما كانوا عليه قبل قليل.
لم تمنح سكارليت نفسها وقتًا للتفكير أكثر، استدارت نحو الشيطان البالغ ورفعت يدها بحركة هادئة تقريبًا، حركة لا تحمل أي أثر مجهود ظاهري، وفجأة امتلأ الهواء من حولنا بذبذبة لا تُسمع بالكامل بالأذن العادية لكنها تُشعَر في العظام نفسها، في الأسنان، في جدار الصدر، ترددات عالية التركيز اندفعت نحو الوحش كسهام غير مرئية تشق الهواء بصمت مطلق. لأول مرة منذ بداية هذه المعركة الطويلة، رأيت ذلك الوهج الأحمر الذي يحمي جسده يهتز بوضوح، يتشقق بخطوط دقيقة كزجاج على وشك الانكسار، خطوط ضوء أحمر تتسرب منها كدم من جرح خفي.
“إنها تخترق دفاعه!” صرخ أراك بدهشة واضحة، وهو يعيد تجميع نفسه بسرعة بعد لحظة ذهول قصيرة لم يخفها جيدًا. “لم أرَ شيئًا كهذا من قبل، كأن تردداتها تجد نقطة ضعف لم نكن نعرف حتى أنها موجودة!”
راقبتها من طرف عيني رغم انشغالي بالقتال، أحاول أن أفهم طبيعة تلك القدرة الغريبة التي لا تشبه أي شيء رأيته من قبل، لا نارًا ولا ظلامًا ولا حتى قوة خام كالتي أملكها أنا، بل شيء أشبه بمفتاح دقيق يبحث عن القفل الصحيح وسط جدار صلب، هادئ في مظهره لكنه أشد فتكًا بكثير مما يوحي به سكونه الظاهري.
اندفعت كارلا بنيرانها مجددًا بلا تردد، وجورج برفع يديه نحو ثقله الجاذبي المعتاد يحاول تثبيت الوحش في مكانه قدر الإمكان، وأنا بهيئتي المتوحشة رغم الجرح العميق الذي لا يزال ينزف في جانبي بلا توقف، وأراك يتحرك بين الظلال كما فعل من قبل بسرعة خاطفة، لكن هذه المرة كانت كل ضربة تصل بشكل أعمق بكثير من محاولاتنا السابقة، وكأن الترددات التي تطلقها سكارليت أضعفت شيئًا جوهريًا في تلك الحماية الحمراء الغامضة، تفتح ثغرات صغيرة تتسع تدريجيًا مع كل موجة صوتية جديدة تنطلق منها بلا توقف تقريبًا.
شعرت بأمل حذر يتسلل إلى صدري للمرة الأولى منذ بدء هذه المواجهة الطويلة، أمل أن هذا الكابوس قد يكون له نهاية بعد كل شيء.
نظرت للحظة نحو المقاتلين العشرين خلفنا، أولئك الذين لم يكونوا يومًا مستعدين لمعركة بهذا الحجم، يتصدون ببسالة لبقايا الوحوش الأصغر التي تناثرت بعيدًا عن مركز الاشتباك الرئيسي، بعضهم يحمل جراحًا واضحة يرفض التوقف من أجلها، وبعضهم يقاتل بجانب رفيق سقط للتو محاولًا سد الفراغ الذي تركه. لم يكونوا أبطالًا بالمعنى الذي اعتدت عليه من قصص الحروب القديمة، لكنهم كانوا يقاتلون بشجاعة لم أتوقعها من رجال حرفتهم الأصلية التجارة لا القتال.
مع ذلك، لم تكن المعركة سهلة على الإطلاق رغم كل هذا التقدم الملحوظ. كلما مزّقت سكارليت جزءًا من دفاعه، ازداد الشيطان جنونًا وضراوة بشكل متصاعد، ضرباته أصبحت أوسع وأسرع، أقل حسابًا وأكثر توحشًا خامًا، وكأن الألم نفسه كان يحرّره من أي بقايا انضباط كان يتحكم به سابقًا، يحوّله من مقاتل حذر إلى وحش جريح لا يفكر إلا في إلحاق أكبر ضرر ممكن قبل سقوطه المحتم.
سقط اثنان من المقاتلين العشرين تحت ضرباته العشوائية المتزايدة، صراخهم يختلط بصوت المعركة المستمر، وشعرت بثقل ذلك الفقد يضغط على صدري حتى وأنا منشغل بمهاجمته من جهتي، لكن لم يكن هناك وقت للحزن في خضم كل هذا، فقط استمرار عنيد للقتال، فقط الأمل الصامت أن يكون هناك من ينجو من هذا كله بحلول نهاية اليوم.
وفي لحظة فوضى شديدة، بعد أن مزّقت موجة صوتية جديدة قسمًا كبيرًا من درعه على جانبه الأيمن كاشفة عن لحم رمادي متقيح تحته، انقلب الشيطان بحركة غير متوقعة تمامًا نحو توماس، الذي كان يقاتل على أطراف الاشتباك يحاول مساعدة المقاتلين العشرين المنهكين المتبقين بأفضل ما يستطيع بمستواه المحدود. اندفع الوحش نحوه بسرعة خاطفة لم نتوقعها من جسد بهذا الحجم، مخالبه ممتدة نحو صدره مباشرة في مسار لا مفر منه على الإطلاق، وتوماس لم يكن حتى قد لاحظ الخطر القادم من خلفه بعد.
صرخت محذّرًا، لكن الصوت لم يصل في الوقت المناسب، والمسافة كانت أكبر بكثير مما يمكن لأي منا تغطيتها في تلك اللحظة الحرجة.
لم أكن الوحيد الذي رأى ذلك. جورج، الذي كان أقرب الجميع إلى توماس بحكم موقعه في المعركة، تحرك بسرعة لم أتخيلها في جسده الذي بدا دائمًا أهدأ وأثقل من أن يتحرك بهذا الشكل المفاجئ الحاسم. رمى بنفسه أمام توماس تمامًا في اللحظة الأخيرة الممكنة، متلقيًا الضربة التي كانت ستمزق صدر الفتى إلى نصفين بلا رحمة، بدلًا من ذلك مزّقت جانب جورج بعمق رهيب، ورمته بعيدًا ليسقط على الأرض بصوت خافت مروّع لن أنساه أبدًا.
ركض توماس نحوه بصراخ لم أسمع مثله من قبل، صوت يخرج من مكان أعمق من الحنجرة نفسها، يحمل رأس جورج بين يديه المرتجفتين وسط بركة دم تتسع بسرعة مرعبة على التراب من حولهما. حاول جورج أن يبتسم رغم كل شيء، ابتسامة متعبة رغم الألم الواضح على ملامحه، دم يخرج من طرف فمه مع كل كلمة يحاول نطقها بصعوبة بالغة، وكأن كل حرف يكلفه جزءًا مما تبقى له من حياة.
“لا تبكِ يا صغيري،” قال بصوت متهالك يكاد لا يُسمع، يداه الباردة تتلمسان يدي توماس بضعف متزايد. “لطالما تساءلت… إن كانت حياتي كرجل عادٍ يخدم الأخرين… تستحق شيئًا حقًا. الآن أعرف… على الأقل حياة هذا العجوز… كان لها قيمة أخيرًا.”
خرجت الكلمات الأخيرة بالكاد أكثر من همسة، قبل أن تفرغ عيناه من كل حياة تبقت فيهما، جسده يرتخي تمامًا بين ذراعي توماس الذي بقي متجمدًا، غير قادر على تصديق ما حدث للتو أمام عينيه مباشرة.
للحظة كاملة، توقف كل شيء بالنسبة لي، حتى وأنا أقاتل في جبهة أخرى غير قريبة، شعرت بذلك الفراغ المفاجئ الذي يتركه موت رفيق حقيقي، ذلك الصمت الثقيل ، صمت يبتلع كل صوت آخر في ساحة المعركة للحظة قصيرة.
ثم رأيت توماس يرتجف، ليس من الحزن وحده، بل من شيء آخر يتصاعد بداخله بعنف لا يمكن كبحه أو احتواؤه. صرخ بصوت لم أعرفه فيه من قبل على الإطلاق، صرخة تحمل غضبًا وحزنًا ممزوجين معًا بقوة هائلة تهزّ الهواء من حوله، وفجأة انفجر حوله إرادته لم يكن أحد يعرفأنه بلغ المستوى الثالث لا بل ربما بلغ هذا المستوى للتو هل يعقل أنه انشئ وعاءه للتو، ضوء ذهبي دافئ غمر جسده بالكامل من رأسه حتى أطراف أصابعه، يعيد تشكيل قوته من جذورها بطريقة لم أشهد مثلها من قبل في أي مقاتل آخر عرفته.
حين استقر الضوء أخيرًا بعد ثوانٍ بدت أطول من أي شيء آخر في تلك المعركة، لم يعد توماس ذلك الفتى المتردد الذي عرفناه طوال هذه الأشهر، بل مقاتل من المستوى الثالث بكل معنى الكلمة، هالة قوته الجديدة واضحة لكل من حوله كتوهج خفي يحيط بجسده بالكامل. ومن حول جسده، تصاعد شعاع رقيق من الضوء الذهبي، يشتد كلما اقترب الخطر منه أكثر، وكأن كل تهديد يواجهه يغذي تلك القوة بدلًا من أن يستنزفها كما يحدث مع بقية المقاتلين عادة.
“شعاع الأمل،” همس أراك بدهشة واضحة وهو يراقب من بعيد بلا أن يتوقف عن قتاله الخاص، “قدرة نادرة حقًا، سمعت عنها من جورج ، تتضاعف قوته كلما ازداد الخطر على صاحبها، عكس كل قدرة أخرى نعرفها تمامًا.”
اندفع توماس نحو الشيطان البالغ بسرعة لم يمتلكها قبل دقائق معدودة فقط، وجهه لا يزال يحمل آثار دموعه لكن عينيه أصبحتا أكثر ثباتًا مما رأيته فيهما يومًا، وبضربة واحدة حاسمة قوية، قطع ذراع الوحش الأيمن بالكامل من الكتف بحركة نظيفة لم تكن لتخطر على بال أحد منا قبل لحظات قليلة فقط، صرخة الألم التي أطلقها الشيطان هزّت الأرض من حولنا جميعًا وأسقطت بعض الحجارة المتبقية من السور القريب.
استغلت كارلا تلك اللحظة فورًا دون أي تردد، أطلقت موجة نارية هائلة أصابت ظهر الشيطان مباشرة، تشتعل النيران في جسده الرمادي المتشقق دون أن يستطيع الدفاع عن نفسه بذراع واحدة فقط متبقية له، صراخه يتصاعد بضراوة ممزوجة بألم لم يعرفه من قبل. تحرك أراك في نفس اللحظة بالضبط، منزلقًا بين الظلال بسرعة خاطفة ، ليصل إلى حنجرته ويمزقها بضربة واحدة دقيقة قاتلة، دم أسود كثيف يتدفق منها بغزارة يلطخ الأرض من حوله بلون قاتم غريب لا يشبه أي دم رأيته .
ترنح الشيطان البالغ بضخامته المتهالكة، ذراعه المقطوعة تنزف، ظهره يحترق، حنجرته ممزقة، لكنه ظل واقفًا بعناد أخير يائس، وكأن غريزة
وفي اللحظة الأخيرة، بينما كان الشيطان البالغ يترنح مثقلًا بجراحه المتراكمة من كل جهة، رفعت سكارليت يدها للمرة الأخيرة، وجهها هادئ تمامًا بلا أي أثر إرهاق يُذكر رغم كل ما فعلته، وأطلقت موجة صوتية مركزة أعمق وأقوى من كل ما سبقها مجتمعًا، ترددات هائلة اخترقت ما تبقى من جسده بلا رحمة، ممزقة إياه من الداخل إلى الخارج في انفجار صامت مروّع أنهى كل شيء دفعة واحدة، تاركًا خلفه فقط أشلاء متناثرة وصمتًا ثقيلًا يلف ساحة المعركة بأكملها.
سقط الشيطان البالغ أخيرًا بصوت ارتطام هائل هزّ الأرض تحت أقدامنا جميعًا للمرة الأخيرة، جثة ضخمة بلا حراك وسط ساحة معركة مغطاة بالدماء والغبار والصمت الثقيل الذي أعقب كل ذلك الصخب المستمر منذ ساعات. توقف المقاتلون العشرون المتبقون عن القتال تدريجيًا، ينظرون بذهول متعب نحو الجثة الهائلة الساقطة، بعضهم يجلس على الأرض مباشرة من شدة الإرهاق، وبعضهم يبكي بصمت بلا سبب واضح سوى النجاة نفسها.
نظرت نحو توماس، لا يزال راكعًا بجانب جسد جورج، يداه ترتجفان حول جسد الرجل الذي أنقذ حياته للتو بحياته هو، والضوء الذهبي حوله يخفت رويدًا رويدًا وكأنه يحمل حزنًا من نوع آخر تمامًا، حزنًا لن تمحوه أي قوة جديدة اكتسبها اليوم مهما بلغت. اقتربت منه بصعوبة رغم جراحي، ووضعت يدي على كتفه بصمت، لم أجد كلمات تكفي لتلك اللحظة، ولم أكن متأكدًا أن أي كلمات كانت لتكفي أصلًا. رفع توماس رأسه نحوي أخيرًا، عيناه محمرتان من البكاء لكن نظرته لم تعد نظرة الفتى المتردد الذي عرفته منذ أشهر، بل نظرة رجل خرج للتو من نار لن ينساها ما حيي.
نظرت من حولي إلى ما تبقى من ساحة المعركة، إلى الجثث المتناثرة، جثث وحوش وجثث مقاتلين خسرناهم اليوم، إلى كارلا التي وقفت تلتقط أنفاسها بيدين ترتجفان قليلًا رغم كل قوتها، وإلى أراك الذي كان ينظف نصل سيفه بحركات آلية صامتة، وإلى سكارليت التي وقفت بعيدًا قليلًا تنظر نحو الغابة حيث اختفى دارون منذ ما بدا وكأنه دهر كامل، وجهها لا يزال هادئًا لكن شيئًا في عينيها يشي بأنها هي الأخرى تحمل قلقًا حقيقيًا لا تريد أن تُظهره لأحد.