الفصل 213
جاء الهجوم قبل الفجر بساعة كاملة، قبل أن نكون قد اتخذنا مواقعنا بشكل كامل حتى، وكأن ذلك الشيطان البالغ عرف بالضبط متى سيكون ضعفنا في أوجّه، أو ربما لم يكن يهتم بتوقيتنا أصلًا.
استيقظت المدينة على صوت أبواق الإنذار قبل أن يلمس ضوء الفجر الأفق حتى، صوت حاد متقطع يمزق ما تبقى من هدوء الليل الأخير. اندفعنا جميعًا نحو الأسوار الشمالية الشرقية وسط ظلام لا يزال كثيفًا، تضيئه فقط مشاعل الحراس المتناثرة وتوهج أحمر خافت قادم من عمق الغابة البعيدة، كأن الظلام نفسه يتنفس بنفس ثقيل مشؤوم. عشرون مقاتلًا من المستوى الثاني، أفضل ما استطاع فولك وأراك حشده في هذا الوقت القصير جدًا، اصطفوا خلفنا بوجوه شاحبة يحاولون إخفاء ارتجاف أيديهم بأفضل ما يستطيعون، بعضهم يتمتم بصلوات خافتة، وبعضهم يحدق في الفراغ بصمت مطبق يشبه من فقد كل قدرة على الكلام.
“ابقوا متماسكين مهما حدث،” صرخ أراك بصوت يقطع صخب الاستعدادات المتسارعة، يتحرك بين الصفوف بسرعة يوزع تعليماته الأخيرة. “لا أحد يتقدم بمفرده، لا أحد يتراجع بمفرده. نحن جدار واحد، أو لا شيء على الإطلاق. من يخالف هذا سيدفع ثمن غروره بدمه، وربما بدماء من حوله أيضًا.”
عرفت بعض هؤلاء المقاتلين العشرين من وجوههم فقط، حراس فولك الذين رأيتهم يحرسون بواباته التجارية في أيام أهدأ بكثير، لم يتخيلوا يومًا أنهم سيقفون في مواجهة جيش من الوحوش قبل بزوغ الشمس. رأيت أحدهم، شابًا لا يتجاوز عمره عمر توماس تقريبًا، يمسك برمحه بقوة مفرطة تنم عن خوف يحاول إخفاءه، بينما همس رفيقه بجانبه كلمات تشجيع لم أسمعها بوضوح لكنني رأيت أثرها في اعتدال ظهره قليلًا.
لم يكن هناك وقت لأكثر من ذلك. سمعنا الأرض ترتجف مجددًا، أخف من الزلزال الأول لكنها كانت كافية لتخبرنا أن الجحافل باتت على مقربة شديدة، خطوات لا تُحصى تدك التراب في إيقاع متسارع ينذر بالأسوأ. ثم رأيناهم يخرجون من الظلام كموجة سوداء تلتهم كل ما تراه: وحوش بأحجام مختلفة تندفع بلا نظام واضح، وأنياب وأصوات هدير تمزق سكون ما قبل الفجر، وفي المقدمة، ذلك الشكل الرمادي الضخم يمشي بثبات مرعب لا يتزحزح، وكأن الفوضى المحيطة به مجرد خلفية عابرة لا تستحق حتى نظرة منه.
اصطدمت الموجتان في لحظة واحدة، صوت المعدن يلتقي باللحم والعظم في فوضى لا يمكن وصفها بدقة كافية مهما حاولت. المقاتلون العشرون قاتلوا بشجاعة تفوق تدريبهم المحدود، يشكلون تشكيلات دفاعية تعلموها في وقت قياسي، يسندون ظهورهم لبعضهم البعض بينما تتساقط الوحوش الأصغر أمام رماحهم واحدًا تلو الآخر، وإن كان ثمن ذلك جروحًا عميقة وصرخات ألم لم تتوقف. بينما تفرقنا نحن الستة نحو الجبهات الأشد خطورة، حيث تتركز أضخم الوحوش وأخطرها قربًا من الشيطان البالغ نفسه.
كان أول ما لفت انتباهي حقًا هو الشيطان البالغ نفسه، حين انطلق أراك نحوه في محاولة أولى سريعة، ضربة من الظلال باغتت الجميع بسرعتها الخاطفة، سيفه يخرج من عتمة كانت تبدو فارغة تمامًا قبل لحظة. لكن الشيطان لم يتزحزح، بل انبعث من جسده وهج أحمر خافت غطّى جلده بالكامل كدرع حي ينبض ببطء، امتص الضربة وكأنها لمسة نسيم عابرة لا أكثر، بلا أثر واحد من جرح أو حتى خدش سطحي.
“إنه محصّن!” صرخ أراك وهو يتراجع بسرعة، غضب واضح في صوته يخالطه قلق أعمق. “أيًا كان ما يفعله بهذا الوهج، فهو يبطل معظم الضربات المباشرة تمامًا، كأنه يمتص الأذى نفسه قبل أن يصل إلى جسده!”
فهمت حينها أن هذا الكائن لم يكن مجرد شيطان بالغ عادي كسابقيه، بل واحد يملك قدرة خاصة مميتة تجعله شبه منيع أمام أسلحة تقليدية، خصمًا لا يمكن إسقاطه بضربة سريعة واحدة مهما بلغت قوتها أو دقة توقيتها، وكأن الطبيعة نفسها منحته درعًا لا يمكن كسره إلا بشيء أعنف بكثير مما نملكه، شيء لم أكن أملك بعد أي فكرة واضحة عن ماهيته الحقيقية.
لم يكن هناك خيار آخر أمامي. استحضرت غريزتي القديمة، تلك التي تعلمت التحكم فيها بصعوبة بالغة على مدار أشهر طويلة من المعاناة الصامتة، وسمحت للتوحش أن يتفجر بداخلي بلا كبح هذه المرة. شعرت بجسدي يتمدد ويتشكل من جديد بألم حارق مألوف، عظامي تتقوى وتطول، فروٌ داكن كثيف يغطي جلدي في ثوانٍ معدودة، وأنياب حادة تحل محل أسناني الطبيعية بصوت طقطقة جافة. حين اكتمل التحول، كنت أقف بهيئة مستذئب ضخم يتجاوز طول أي إنسان عادي بأضعاف، عيناي تحرقان بلون أصفر حاد في الظلام المتبقي، وعضلاتي تنبض بقوة خام لم أختبرها بهذا الحجم من قبل قط.
اندفعت نحو الشيطان البالغ بضربة مخلب أولى هزّت الأرض تحت قدمينا، بينما تحركت كارلا خلفي مباشرة، أيديها ترسم دوائر نارية متتالية أطلقتها نحوه بلا توقف، ألسنة اللهب تلتف حول جسده الرمادي في محاولة يائسة لاختراق ذلك الوهج الأحمر الذي يحميه، حتى أن حرارة نيرانها وصلت إلي رغم بعد المسافة، تلفح فروي المبلل بالعرق والدم. من جهة أخرى، رفع جورج يديه نحو السماء بتركيز صامت مطبق، وشعرت بثقل غريب يهبط فجأة حول الشيطان، جاذبية مضاعفة تبطئ حركته قليلًا رغم مقاومته العنيدة لها، تجعل كل خطوة يخطوها أثقل من سابقتها بشكل ملحوظ.
وأراك، الذي لم يستسلم بعد ضربته الفاشلة الأولى، بدأ يتحرك بين الظلال المتناثرة حول ساحة القتال، يظهر ويختفي بسرعة خاطفة تكاد لا تُلتقط بالعين المجردة، يسدد ضربات مفاجئة من زوايا لا يتوقعها أحد، خلف الظهر، من أسفل، من جانب أعمى تمامًا، محاولًا إيجاد ثغرة واحدة صغيرة في ذلك الدرع الأحمر الذي يبدو بلا نهاية أو ضعف واضح.
ورغم كل هذا الهجوم المشترك المتزامن، النار والجاذبية والظلال وقوتي الخام مجتمعة معًا في تناغم لم نتدرب عليه من قبل، ظل الشيطان البالغ صامدًا بعناد مرعب، متحملًا كل ضربة بصبر يشبه صخرة لا تعرف التعب أو الألم، يرد بين الحين والآخر بضربات مخلبية واسعة اجتاحت المساحة من حوله، أجبرتنا جميعًا على التراجع أكثر من مرة لتفادي الموت الفوري، حتى شعرت أن كل ما نفعله مجرد تأخير مؤقت لا أكثر، لا هزيمة حقيقية تلوح في الأفق القريب.
مرت دقائق طويلة ثقيلة بهذا الشكل، هجوم متواصل يقابله صمود لا يلين، حتى بدأت أشعر بأنفاسي تتقطع رغم قوة هيئتي المتوحشة، بعرق يتصبب تحت فروي رغم برودة الفجر، وبإحباط متصاعد يتسلل إلى صدري مع كل ضربة تُمتَص بلا أثر. كنت أسمع صرخات المقاتلين العشرين خلفنا تتصاعد وتنخفض كموجة بحر لا تهدأ، أصوات تحدي مختلطة بصرخات ألم متقطعة، وكنت أدرك في عمق ذهني أن الوقت يعمل ضدنا بلا رحمة، وأن هذا الشيطان البالغ وحده قد يكون كافيًا لاستنزافنا جميعًا قبل شروق الشمس حتى.
في خضم تلك الفوضى الصاخبة، بينما كنت أتلقى نفَسي بصعوبة بعد تفادي ضربة كادت تمزقني نصفين، وقعت عيناي على مشهد جمّد قلبي في مكانه للحظة كاملة: مجموعة صغيرة من الأطفال، لا يتجاوز أكبرهم عشر سنوات على الأرجح، لا بد أنهم تسللوا أو انفصلوا عن طوابير الإخلاء في الفوضى الأولى، محاصرون قرب جدار متهدم لا يحميهم من شيء حقيقي، وأمامهم مباشرة أربعة وحوش من المستوى الثاني تقترب منهم بضراوة بطيئة متعمدة، كأنها تستمتع بالخوف المحفور على وجوههم الصغيرة، بالرعب الذي يجمّد أقدامهم عن الجري حتى.
توقف الزمن بالنسبة لي في تلك اللحظة بالذات، أو هكذا شعرت على الأقل. نظرت إلى الشيطان البالغ أمامي، الخصم الذي بالكاد نستطيع احتواءه بجهدنا المشترك المضني، والذي إن تركته الآن ولو للحظات معدودة، سيتحرر ليواصل مذبحته بلا رادع حقيقي، وربما يقتل أراك أو كارلا أو جورج قبل أن أعود إليهم، ربما يخترق صفوف المقاتلين العشرين ويصل إلى ما هو أبعد بكثير، إلى المدينة نفسها، إلى المستودعات التي تؤوي مارتا وأم باروس وكل من أخليناهم اليوم. ثم نظرت نحو الأطفال، أربعة أجساد صغيرة لا تملك أي وسيلة للدفاع عن نفسها على الإطلاق، ثوانٍ فقط تفصلهم عن مخالب لن ترحمهم مهما بكوا أو استغاثوا.
شعرت بصوتين يتصارعان بعنف داخل رأسي في آن واحد، بشراسة لم أعرفها في أي معركة سابقة خضتها في حياتي كلها. صوت بارد حسابي، صوت المرتزق الذي دربته سنوات من القتال على النجاة أولًا، يهمس أن التضحية الآن غير منطقية إطلاقًا، أن واجبي الحقيقي هنا، في هذه الجبهة بالذات، مع رفاقي الذين يعتمدون علي هذه اللحظة، أن إنقاذ أربعة أطفال مجهولين لا يوازن خطر ترك الشيطان يتحرر ولو لثوانٍ معدودة، أن الحسابات الباردة للحرب لا تسمح بمثل هذه الرفاهية العاطفية. وصوت آخر، أعمق بكثير، لا يحمل أي منطق على الإطلاق، صوت يذكّرني بمارتا تحت الطاولة ترتجف من الهلع بين ذراعي، بأم باروس وعربتها الصغيرة وابتسامتها المرتجفة، بكل وجه رأيته اليوم يركض بحثًا عن أمان لم يجده بعد، بكل رغيف خبز تقاسمته يومًا مع غرباء لا يملكون شيئًا. صوت يقول ببساطة موجعة لا تقبل الجدال: إن تركتهم يموتون الآن أمام عينيك وأنت قادر على فعل شيء، فلن تكون أنت نفسك بعدها أبدًا، مهما نجحت في كل معركة أخرى تخوضها لاحقًا، مهما أقنعت نفسك بأن القرار كان صائبًا استراتيجيًا.
تذكرت في تلك الثانية الخاطفة كلمات فولك يومًا حين قال إن حياتي أعظم ما أملكه كمرتزق، وتساءلت فجأة إن كانت هذه بالضبط اللحظة التي يُختبر فيها معنى تلك الكلمة، لا في ساحات القتال الكبرى ضد أعداء يستحقون اللقب، بل هنا، أمام أربعة أطفال لا يعرفون اسمي حتى ولن يتذكروه غدًا إن نجوا.
لم يكن قرارًا اتخذته بعقلي في تلك اللحظة على الإطلاق. كان شيئًا أعمق من العقل نفسه بكثير، شيئًا يشبه انعكاسًا لا إراديًا لكل ما آمنت به منذ كنت مرتزقًا صغيرًا يحارب من أجل قطعة خبز إضافية في ليالٍ باردة لا يتذكرها أحد سواي. اندفع جسدي قبل أن يكتمل تفكيري حتى، تاركًا الشيطان البالغ خلفي بلا تردد يُذكر، بينما سمعت صرخة كارلا البعيدة تناديني بذعر واضح، تدرك ما أفعله قبل أن أصل حتى، صوتها يتقطع بين الرعب والفهم في آن واحد.
وصلت إلى الأطفال في اللحظة الأخيرة الممكنة تمامًا، رميت جسدي الضخم أمامهم بالضبط حين انقضّ أول وحش بمخالبه نحو أصغرهم، طفلة صغيرة لم تكف عن الصراخ منذ اللحظة التي رأتني فيها بهيئتي المتوحشة، وكأنها لم تعرف بعد إن كنت خطرًا آخر أم أملًا أخيرًا. لم أحاول التهرب من الضربة، بل قابلتها مباشرة بجسدي بلا تردد، أحسست بألم حاد يمزق جانبي الأيسر بعمق مروّع، دم دافئ يتدفق بغزارة يخلط لونه بفروي الداكن، يسيل حتى التراب تحت قدمي.
سقطت على ركبة واحدة، لكنني بقيت أمامهم كجدار لن ينهار مهما حدث، أزيل الوحش الأول بضربة مخلب يائسة أخيرة استنزفت ما تبقى من قوتي قبل أن يقترب الثاني، وسمعت خلفي بكاء الأطفال يختلط بأصوات استغاثة غير مفهومة، كلمات متقطعة تشبه الدعاء أكثر مما تشبه الكلام العادي.
شعرت بجسدي يخذلني رويدًا رويدًا، رؤيتي تضبب على أطرافها كضباب كثيف يزحف من الحواف نحو المركز، لكن الأطفال خلفي كانوا لا يزالون يصرخون، لا يزالون أحياء، وهذا وحده كان كافيًا لأبقى واقفًا لثانية إضافية، وثانية أخرى بعدها، أشد قبضتي على الأرض بمخالب لم تعد تطيعني بالكامل.
اقترب الوحش الثالث والرابع معًا هذه المرة من جانبين متعاكسين، وشعرت بيقين هادئ غريب يتسلل إلى صدري رغم الألم الحارق، يقين أنني لن أستطيع صد هذه الضربة القادمة مهما حاولت، وأن هذه ربما ستكون اللحظة الأخيرة التي أراها في هذا العالم بأكمله. لم أشعر بندم غريب، لم أشعر حتى بخوف حقيقي يستحق الاسم، فقط برغبة أخيرة واحدة صافية تمامًا كماء نبع بارد: أن يبقى هؤلاء الأطفال الأربعة أحياء بعدي، مهما كلّف الأمر، مهما كان الثمن الذي سأدفعه أنا وحدي مقابل ذلك.
وفي اللحظة التي كانت فيها المخالب على وشك أن تصل إلي، انفجر المكان بأكمله بموجة حمراء هائلة، أمواج من الدماء اندفعت من العدم كسوط عملاق غير مرئي، تمزق كل وحش قريب مني إربًا في ثانية واحدة صامتة رهيبة، لحمًا وعظامًا تتناثر في كل اتجاه دون أن يصدر عن ذلك التدمير الهائل أي صوت يُذكر، كأن الموت نفسه مرّ بصمت مطلق لا يحتاج إلى ضجيج ليثبت حضوره. تركت تلك الموجة خلفها فقط صمتًا مطبقًا وجثثًا متناثرة على مساحة واسعة، بينما بقي الشيطان البالغ بعيدًا سليمًا تمامًا، وحيدًا وسط الفراغ المفاجئ الذي خلّفته تلك الموجة الدموية، كأن قوة ما تعمدت استثناءه وحده من ذلك الدمار الشامل.
رفعت رأسي بصعوبة بالغة، والدم لا يزال يتدفق من جرحي بلا توقف يخضّب التراب تحتي، لأرى شكلًا يقف أمامي بظهر مستقيم لا يحمل أي أثر إرهاق، شعره الطويل الفوضوي يتحرك مع نسيم لم أشعر به من قبل في هذا المكان بالذات، وسيف قرمزي معلّق خلف ظهره يشع بتوهج خافت شرير يشبه نبضًا هادئًا لكائن حي أكثر منه معدنًا صامتًا. لم أحتج لأن يقول أحد اسمه لأعرفه. عرفته فورًا من ذلك الشعور القديم بالرهبة الذي انتابني عند البوابة الشمالية قبل أسابيع، ذلك الشعور الذي لم يفارقني منذ ذلك اليوم مهما حاولت إقناع نفسي بنسيانه.
بقي الأطفال خلفي متجمدين تمامًا في مكانهم، لم يجرؤ أحدهم على النطق بكلمة واحدة، وكأن حضور دارون نفسه فرض صمتًا لا يمكن لأحد كسره بسهولة، حتى الوحوش المتبقية بعيدًا بدت وكأنها ترددت للحظة قبل أن تعاود اندفاعها بضراوة أقل ثقة مما كانت عليه قبل قليل.
نظر إليّ دارون بعينين لا تحملان أي تعبير واضح يمكنني قراءته، عينان باردتان كمن رأى مشاهد أقسى بكثير مما أنا فيه الآن مرات لا تُحصى، ثم قال بصوت جاف بارد يقارب الغضب أكثر مما يقارب الفضول: “لماذا تفعل شيئًا غبيًا كهذا؟ كان بإمكانك أن تموت هنا من أجل أربعة أطفال لا تعرفهم أصلًا، بينما تركت خصمًا حقيقيًا يتحرر بلا رادع، خصمًا كان يمكن أن يقتل رفاقك في غيابك.”
حاولت أن أجمع ما تبقى من صوتي المتهالك، أشعر بالدم يملأ فمي مع كل كلمة أحاول قولها بصعوبة متزايدة، لكنني نظرت إليه مباشرة رغم كل شيء، بلا تردد ولا اعتذار في عينيّ، ونطقت الكلمات التي كانت الحقيقة الوحيدة التي أملكها في تلك اللحظة بالذات، الحقيقة الوحيدة التي بقيت واضحة وسط كل ذلك الألم والدم: “لو تركتهم يموتون اليوم… لن أتمكن من النوم بسلام طوال حياتي.”
لم يجب دارون على الفور. وقف صامتًا للحظة طويلة ثقيلة، ينظر إليّ بشيء يشبه الحيرة أكثر من أي شيء آخر، كأنه يحاول أن يفهم نوعًا من المنطق لم يصادفه من قبل في كل رحلاته الطويلة، قبل أن يستدير أخيرًا نحو الشيطان البالغ الذي بدأ يتحرك مجددًا نحونا بغضب واضح يهتز معه الهواء نفسه، تاركًا إياي هناك، على ركبة واحدة، محاطًا بأطفال ما زالوا أحياء بفضل قرار لم أندم عليه ولو للحظة واحدة رغم كل شيء الذي فقدته من أجله.