الفصل 212 - الكارثة
لم يكن هناك إنذار. لا نذير واحد، ولا شعور غامض يسبق الكارثة كما تحكي القصص القديمة عن الكوارث الكبرى. كان الأمر أشبه بيد عملاقة غير مرئية أمسكت بأوسترين بأكملها وهزّتها كطفل يهز صندوقًا خشبيًا بحثًا عن شيء بداخله، بلا رحمة وبلا سابق إنذار.
استيقظت من فراشي وأنا أتطاير في الهواء قبل أن أرتطم بالأرض بقوة أخرجت الهواء من رئتيّ. لم يكن زلزالًا عاديًا، كان شيئًا يشقّ الأرض من أعماقها، صوته أشبه بأنين وحش جريح أضخم من أي شيء رأيته في حياتي، صوت يتردد صداه في عظامي قبل أن يصل إلى أذني حتى. سمعت صراخًا يتصاعد من كل اتجاه في المدينة، أواني تتحطم في المطابخ، جدران قديمة تتشقق بأصوات جافة حادة.
اندفعت نحو الخارج بلا تفكير، أتعثر في أثاث تناثر في كل اتجاه، ووجدت مارتا تحت طاولة قريبة تحتضن نفسها بذعر لم أرَه عليها من قبل قط، حتى في أسوأ الليالي التي مررنا بها معًا. سحبتها إلى صدري، شعرت بجسدها يرتجف بعنف بين ذراعيّ، وبقينا هكذا دقائق طويلة معلّقة كأنها ساعات كاملة، حتى هدأت الاهتزازات أخيرًا، تاركة خلفها صمتًا أثقل بكثير من أي صراخ سبقه، صمتًا يشبه ما يسبق العاصفة أكثر مما يشبه ما بعدها.
حين وصلت إلى مقر فولك، أعبر شوارع مليئة بالحطام والوجوه الشاحبة، كان الجميع قد سبقوني إلى هناك: فولك خلف مكتبه بوجه شاحب لم أعتد رؤيته عليه على الإطلاق، كارلا وأراك وبوريس وجورج وتوماس متجمعين قرب النافذة المهشمة، حتى أليس كانت هناك، جالسة بهدوء غريب يتناقض تمامًا مع الفوضى المشتعلة في كل مكان آخر من المدينة.
“الأضرار المادية طفيفة نسبيًا، حسب التقارير الأولى التي وصلتني،” قال فولك بصوت لا يخفي قلقه هذه المرة، بعكس المرة الأولى التي هزّت فيها الأرض قبل أسابيع قليلة ووصفها بـ”مصدر قلق إضافي لا غير”. “لكن هذا ليس زلزالًا طبيعيًا يا إيفان، أنا واثق من هذا تمامًا. لدينا تقارير متطايرة من الحراس المتمركزين عند الحدود الشمالية للغابة، وكلها تحمل نفس الفزع بالضبط.”
٢
استدعى فولك أحد كشّافة أراك الموثوقين، رجل غطى وجهه غبار الطريق حتى بدا كأنه قناع رمادي، وعيناه لا تزالان تحملان أثر ركض طويل لم يتوقف منذ ساعات. تحدث بصوت متقطع من الإرهاق، يبتلع الكلمات بصعوبة قبل أن ينطقها: “الغابة… الغابة بأكملها تعج بها يا سيدي أراك. لم أرَ شيئًا كهذا في حياتي كلها، ولا حتى في أسوأ كوابيسي. حشود من الوحوش تتجمع في العمق، أعداد لا يمكنني حصرها مهما حاولت، وفوق كل هذا شعرت… شعرت بشيء أعمق من كل ذلك بكثير، شيء لا أملك كلمات كافية لوصفه، كأن الغابة نفسها أصبحت كائنًا حيًّا يتنفس بغضب صامت.”
نظر أراك إلى الكشّاف بجدية باردة لم أرَها عليه من قبل. “هل رأيت شياطين بينهم بوضوح؟”
“عدة أشكال مختلفة، سيدي. بعضها يشبه الشياطين البالغة التي حذّرتنا منها سابقًا في تقاريرك، لكن أغلب ما رأيته كان وحوشًا من المستوى الثاني، بأعداد هائلة تفوق كل توقعاتنا، متجمعة بشكل غريب كأنها تنتظر أمرًا واحدًا محددًا لتتحرك دفعة واحدة.”
ساد صمت ثقيل جدًا في الغرفة، صمت يمكن للمرء أن يلمسه تقريبًا. كنت أعرف، وأظن أن الجميع عرفوا في تلك اللحظة بالضبط، أن الزلزال لم يكن حادثة طبيعية عابرة كما حاولنا أن نقنع أنفسنا سابقًا، بل كان صدى لشيء أكبر بكثير يستيقظ في أعماق تلك الغابة المظلمة.
“لماذا الآن؟” سألت كارلا بصوت يحاول أن يبقى ثابتًا رغم كل شيء، تشبك يديها أمامها بقوة. “لماذا تتجمع بهذا الشكل المفاجئ؟ لم يكن هناك أي مؤشر سابق على هذا كله.”
أجاب أراك بعد صمت طويل ثقيل، عيناه مثبتتان على الخريطة المفتوحة أمامه: “لا يهم السبب كثيرًا في هذه اللحظة يا كارلا، مهما بلغ فضولنا لمعرفته. ما يهم فعلًا هو أننا لسنا مستعدين لهذا على الإطلاق، ولا أظن أن أي مدينة في هذه المنطقة بأكملها كانت لتكون مستعدة لشيء بهذا الحجم.”
لم يمهلنا القدر وقتًا طويلًا للتفكير في الأسباب والاحتمالات. قبل أن تنتصف الشمس في السماء تمامًا، وصل حارس آخر يركض بلا توقف، وجهه أحمر من الإجهاد، يصرخ من بعيد قبل أن يصل حتى إلى الباب: “هجوم! هجوم على الجهة الشمالية الشرقية! إنهم قادمون الآن!”
خرجنا جميعًا نحو الأسوار بأقصى سرعة ممكنة، أدفع طريقي بين الحشود المذعورة التي بدأت تتجمع فضولًا وخوفًا في آن، وما رأيته هناك حفر نفسه في ذاكرتي بشكل لن أنساه أبدًا مهما طال بي العمر. موجة من الوحوش، أعدها بالعشرات في البداية ثم أدركت بسرعة أنها تتجاوز المئة بسهولة تامة، تندفع نحو الأسوار الشمالية الشرقية بضراوة عمياء لا تعرف التردد، غبار كثيف يتصاعد خلفها كسحابة عاصفة زاحفة. وفي مقدمتها، يمشي بخطى ثابتة لا تحمل أي استعجال على الإطلاق، وكأن الوقت نفسه لا يعنيه شيئًا، شكل ضخم بجلد رمادي متشقق يشبه الصخر المتفتت، وعينان تلمعان بلون أحمر خافت ثابت لا يرمش.
لم أحتج لأن يخبرني أحد بما هو ذلك الكائن. شعرت به في عظامي مباشرة، نفس الشعور بالضبط الذي انتابني حين رأيت ذلك الرجل الغريب عند البوابة الشمالية قبل أسابيع قليلة، لكن هذه المرة أشد وطأة بكثير، أشد إلحاحًا بغريزته البدائية التي تصرخ بالهرب: شيطان بالغ، يقود جيشًا صغيرًا من الوحوش نحونا بثبات لا يرحم.
“مائة وحش تقريبًا خلفه حسب تقديري السريع،” قال أراك بصوت هادئ يخفي توترًا عميقًا تحته بالكاد، عيناه لا تفارقان الشكل الرمادي الضخم في المقدمة. “ومعظمها من المستوى الثاني كما أخبرنا الكشّاف بالضبط.”
نظرت إلى فولك، الذي كان يحدق في المشهد بوجه شاحب تمامًا، يداه تمسكان بحافة السور بقوة. “فولك، كم مقاتل حقيقي نملك جاهزين للقتال الآن، في هذه اللحظة بالذات؟”
لم يجب فورًا. مرت ثوانٍ طويلة ثقيلة قبل أن يهزّ رأسه ببطء. كانت إجابته المتأخرة في صمته أثقل بكثير من أي رقم كان يمكن أن يقوله بصوت عالٍ.
وقفت كارلا بجانبي، وجهها متوترًا وهي تراقب الموجة تقترب أكثر فأكثر من الأسوار الخارجية. “لماذا لا يُسرع؟” سألت بصوت منخفض تقريبًا لنفسها أكثر مما هو موجّه لأحد. “لماذا يمشي بهذا البطء وكأنه لا يخشى شيئًا على الإطلاق؟”
“لأنه فعلًا لا يخشى شيئًا هنا،” أجاب أراك بجفاف مرير، عيناه لا تفارقان الشكل الرمادي الضخم. “بالنسبة له، نحن لسنا خطرًا يستحق الاستعجال. نحن مجرد عقبة صغيرة في طريقه، مسألة وقت لا أكثر.”
شعرت بشيء بارد يتسلل إلى معدتي عند سماع تلك الكلمات، ليس لأنها فاجأتني، بل لأنني كنت أعرف في أعماقي أنه محق تمامًا. رأيت الوحوش خلف الشيطان البالغ تتراكض بفوضى شرسة، بعضها يتصادم مع بعضه الآخر في اندفاعه الأعمى نحو الأسوار، بينما هو، في المقدمة، لم يغيّر إيقاع خطواته ولو للحظة واحدة، وكأن الوقت نفسه توقف عن العد بالنسبة له.
“لا وقت لدينا لحشد جيش نظامي كامل، هذا واضح تمامًا الآن،” قال أراك أخيرًا، متخذًا قرارًا بسرعة وحزم لم أعرفهما فيه من قبل بهذا الوضوح. “أولوية واحدة فقط أمامنا الآن: إخلاء الأحياء الشمالية الشرقية بأكملها، تلك التي تقع في مسار الهجوم مباشرة دون أي حماية طبيعية. ننقل السكان جميعًا إلى مستودعات فولك، أكبر مساحة مغلقة يمكن تحصينها بسرعة معقولة في المدينة كلها.”
وافق فولك بإيماءة سريعة حاسمة، ونظر نحوي مباشرة. “إيفان، أحتاج مساعدتك في تنظيم الإخلاء بأسرع وقت ممكن. الفوضى الآن قد تكون أخطر علينا حتى من الوحوش نفسها إن لم نتحكم بها بسرعة.”
اندفعنا نحو الأحياء الشمالية الشرقية معًا، وما وجدته هناك كان مزيجًا موجعًا من الذعر الخام والنظام الهش الذي يحاول الناس التمسك به رغم كل شيء يحدث حولهم. أمهات يحملن أطفالًا يبكون بصوت عالٍ لا يتوقف، رجال مسنّون يُساعَدون على المشي بأيدٍ مرتجفة بينما تُترك ممتلكات العمر بأكملها خلفهم بلا نظرة وداع واحدة، وأطفال صغار يمسكون بأيدي بعضهم البعض بإحكام في طوابير خائفة صامتة يقودها حراس فولك بصوت عالٍ نحو المستودعات الكبرى في الجهة الجنوبية من المدينة.
توقفت للحظة قصيرة عند رؤية أم باروس، تلك المرأة العجوز الطيبة التي كانت توزع خبز الشعير دائمًا عند التمثال الحجري المتداعي، تحاول بصعوبة أن تسحب عربتها الخشبية الصغيرة وسط الزحام الكثيف دون أن يساعدها أحد. أمسكت بالعربة من جهتها الأخرى دون أن أقول كلمة واحدة، ودفعتها معها نحو المستودعات بأسرع ما استطعت.
“شكرًا لك يا بطل المدينة،” قالت بابتسامة مرتجفة رغم كل شيء يحدث من حولها، صوتها يتقطع قليلًا. “يبدو أنك ستحتاج لأكثر بكثير من رغيف خبز واحد هذه المرة يا إيفان.”
لم أجد كلمات كافية لأجيبها بها في تلك اللحظة، فقط ابتسمت لها بدوري بأفضل ما استطعت وواصلنا الطريق معًا وسط الزحام المتزايد.
استغرق الإخلاء ساعات متواصلة شاقة، تسللت خلالها أصوات المعركة البعيدة من حين لآخر كتذكير دائم بضيق الوقت المتبقي لنا، لكن بحلول العصر كان معظم سكان الأحياء المهددة قد استقروا أخيرًا داخل مستودعات فولك الضخمة، محاطين بحراسة مشددة وموارد أساسية من طعام وماء وأغطية جُمعت على عجل من كل مكان ممكن. لم يكن ملجأً مريحًا بأي مقياس، رائحة الخوف لا تزال عالقة في هوائه المحصور، لكنه كان الفارق الحقيقي بين الحياة والموت لعشرات العائلات التي لم تكن تملك أي مكان آخر تلجأ إليه.
عدنا إلى مقر فولك منهكين تمامًا، حيث اجتمع من تبقّى من المقاتلين الحقيقيين الذين يمكن الاعتماد عليهم فعليًا في مواجهة مباشرة: أراك، كارلا، بوريس، جورج، توماس، وأنا. وقف أراك أمام خريطة مرسومة على عجل للمدينة موضوعة على الطاولة الكبيرة، يشير بإصبعه بحزم إلى نقطة الهجوم في الشمال الشرقي.
“دعوني أكون صريحًا تمامًا معكم جميعًا الآن، لا فائدة من التجميل في وقت كهذا،” قال بصوت لا يحاول إخفاء ثقل الحقيقة أو تلطيفها بأي شكل. “نحن ستة مقاتلين حقيقيين فقط يمكن الاعتماد عليهم في مواجهة مباشرة خطيرة كهذه، بالإضافة إلى عدد محدود جدًا من حراس فولك المدربين تدريبًا جيدًا. في الجهة المقابلة لنا، شيطان بالغ واحد على الأقل يقوده ما يقارب المئة وحش من المستوى الثاني تقريبًا، وخلفهم جميعًا، في أعماق تلك الغابة المظلمة، ما هو أكبر من ذلك بكثير جدًا مما لا نملك حتى تصورًا كاملًا واضحًا عنه حتى الآن.”
صمت الجميع لبرهة طويلة ثقيلة. حتى بوريس، الذي عرفته دائمًا بمرحه الدافئ الذي لا يفارقه مهما اشتدت الظروف من حوله، بدا وجهه جادًا تمامًا بشكل غير مألوف على الإطلاق، يداه متشابكتان أمامه بقوة واضحة.
“الأرقام ليست في صالحنا بالمرة، هذا واضح للجميع هنا،” قال جورج أخيرًا بصوته الهادئ المعتاد الذي لا يتغير كثيرًا مهما حدث. “لكنها لم تكن في صالحنا يومًا منذ بدأنا هذا الطريق معًا، أليس كذلك؟ لماذا نتوقع أن يتغير هذا اليوم بالذات؟”
نظرت كارلا نحوي مباشرة، وكأنها تنتظر مني أن أقول شيئًا، أي شيء يمكن أن يمنح هذا الاجتماع الصامت الثقيل بصيص أمل حقيقي يتمسكون به. تذكرت في تلك اللحظة بالضبط ذلك الرجل الغريب الذي رأيناه عند البوابة الشمالية، ذلك الشعور العميق بالرهبة الذي لم أستطع نسيانه منذ ذلك اليوم البعيد نسبيًا الآن، وتساءلت بصمت داخلي إن كان قدره أن يظهر مجددًا في لحظة كهذه بالذات، حين تكون الحاجة إليه في أقصاها.
“لن نقاتل اليوم لننتصر بأعداد لا نملكها أصلًا، فهذا مستحيل ونعرفه جميعًا،” قلت أخيرًا، بصوت فاجأني ثباته الغريب رغم كل الاضطراب الذي كان يعصف بداخلي فعلًا. “سنقاتل لنمنح كل شخص واحد في تلك المستودعات فرصة إضافية حقيقية للعيش يومًا آخر. هذا كل ما نملك أن نقدمه اليوم بصدق، وسيكون كافيًا، لأنه يجب أن يكون كافيًا.”
نظر إليّ أراك للحظة طويلة صامتة، ثم أومأ برأسه ببطء شديد، وكأنه وجد أخيرًا في كلماتي البسيطة شيئًا يستحق أن يُبنى عليه قرار حاسم لا رجعة فيه.
“عند الفجر،” قال، وهو يلف قبضة سيفه بيد ثابتة تمامًا رغم كل شيء يحيط بنا، “نتحرك جميعًا نحو الأسوار الشمالية الشرقية بأقصى استعداد ممكن. لن ننتظر وصولهم إلينا بلا فعل، سنحدد نحن أرض المعركة قدر استطاعتنا.”
تفرّق الجميع بعد ذلك الاجتماع الصامت الثقيل، كل واحد منهم يقضي ساعاته الأخيرة قبل الفجر بطريقته الخاصة. رأيت بوريس جالسًا وحده قرب النافذة، يصقل سيفه بحركات بطيئة متكررة أكثر مما يحتاجه النصل فعلًا، وحين اقتربت منه رفع رأسه بابتسامة متعبة لا تشبه ابتسامته المعتادة كثيرًا.
“ابنتي تسألني كل ليلة إن كنت سأعود بأمان، إيفان،” قال بصوت منخفض لم أسمعه به من قبل قط، صوت أب أكثر منه صوت مقاتل مرح. “لطالما كنت أجيبها بثقة تامة دون أن أفكر فيها كثيرًا. الليلة، لأول مرة، لا أعرف إن كنت سأصدق نفسي وأنا أجيبها.”
لم أجد ما أقوله له في تلك اللحظة، فقط وضعت يدي على كتفه لبرهة صامتة، وتركته وحده مع أفكاره.
مررت بعدها بتوماس، الأصغر بيننا جميعًا، يقف بمفرده في زاوية مظلمة يتدرب على حركة واحدة بسيفه مرارًا وتكرارًا بلا توقف، جبينه مغطى بعرق بارد رغم برودة الليل. لم يوقفني، ولم يتوقف هو عن التدريب، لكنني رأيت في عينيه ذلك الخليط المألوف من الخوف والإصرار الذي عرفته جيدًا في نفسي أول مرة حملت فيها سيفًا حقيقيًا في مواجهة حقيقية.
وجدت جورج أخيرًا يجلس بهدوئه المعتاد الذي لا يتزعزع، ينظف معداته بدقة صامتة كأن الأمر مجرد يوم عمل عادي آخر لا أكثر. حين سألته إن كان قلقًا، ابتسم ابتسامة صغيرة هادئة وقال: “القلق لن يجعل سيفي أحد يا إيفان، ولن يجعل توماس أكثر أمانًا خلفي. أفضّل أن أوفّر طاقتي لما هو أهم من القلق الليلة.”
خرجت تلك الليلة إلى سطح مقر فولك وحدي تمامًا، أنظر بصمت طويل نحو الأفق الشمالي حيث توهجت الغابة بضوء أحمر خافت بعيد لا ينطفئ، كأن شيئًا هائلًا حقًا يتنفس ببطء ثقيل تحت جلد الأرض نفسها في تلك اللحظة بالذات. فكرت في مارتا نائمة الآن في مكان آمن نسبيًا، وفي أم باروس وعربتها الصغيرة، وفي بوريس وابنته التي تنتظره، وفي توماس يتدرب وحده في الظلام، وفي كل الوجوه التي رأيتها اليوم تركض بحثًا عن ملجأ. لم أعرف بعد، في تلك الليلة الهادئة المخادعة، أن ما كان يستيقظ هناك في أعماق الغابة سيغيّر كل شيء أعرفه عن حدودي الشخصية، وعن حدود هذا العالم بأكمله كما عرفته حتى تلك اللحظة بالذات.