الفصل 211 - قصر العدالة
لم أرى كارنوث من قبل بهذا الشكل. المدينة التي عرفتها دائمًا من بعيد، كسوق ضخم يبتلع تجار المدن الصغيرة واحدًا تلو الآخر، بدت هذه المرة مختلفة تمامًا وأنا أعبر بواباتها الجنوبية برفقة فولك وأليس وأراك. لم نكن قادمين للتجارة هذه المرة، بل لشيء أثقل بكثير: كنا قادمين لنشهد نهاية رجل، ونشهد ولادة أخرى.
قصر العدالة، كما يسمّيه أهل كارنوث، لم يكن مبنى بقدر ما كان إعلانًا صامتًا عن سلطة لا تخص المدينة نفسها. يقف في قلب الحي الإمبراطوري، محاطًا بأعمدة رخامية بيضاء ارتفاعها يفوق أي مبنى رأيته في حياتي، منحوت على واجهته نسر بجناحين ممدودين يظللان بوابة برونزية ثقيلة، المبنى نفسه يقول لكل من يقترب: هنا لا تسري قوانينكم المحلية، هنا قانون واحد فقط.
“لا تنظر إليه بهذا الاستغراب يا إيفان،” قال فولك بصوت خفيض وهو يرتب ياقة معطفه الرسمي. “هذا المكان صُمم عمدًا ليجعل أعظم أسياد المدن يشعرون بصغرهم. حتى أنا، وقد دخلته مرات عديدة، لا أزال أشعر بذلك الثقل في صدري كل مرة.”
“وأنا؟” سألت، أنظر إلى الحراس الواقفين عند المدخل، دروعهم مصقولة بلمعان لا يشبه أي درع رأيته يومًا في أوسترين، ورماحهم منتصبة بثبات عسكري لا مجال فيه للتراخي.
“أنت شاهد، لا أكثر. لكن كن مستعدًا لأن تُستدعى للشهادة إن سألوك. قل الحقيقة، ولا شيء غيرها. هذه المحكمة تكره الكذب أكثر من كرهها للجريمة نفسها.”
بجانبي، كانت أليس صامتة تمامًا، ترتدي ثوبًا رسميًا أسود بسيطًا لا يشبه أثواب النبلاء المترفة التي توقعت أن تراها عليها، وجهها هادئ بشكل يثير القلق أكثر مما يطمئن، كأنها تنظر إلى مشهد تدربت عليه في رأسها آلاف المرات قبل أن يقع فعليًا. أما أراك فكان يمشي خطوة خلفها بالضبط، يدٌ على مقبض سيفه بلا داعٍ واضح، وعيناه تمسحان كل زاوية من المكان بحذر مقاتل لا بفضول زائر.
في الداخل، كانت القاعة الكبرى أشبه بمسرح ضخم بُني حول فكرة واحدة: أن يرى الجميع، وأن يُرى الجميع. مدرجات حجرية دائرية تحيط بمنصة مرتفعة في المنتصف، وفي أعلى نقطة منها جلس ثلاثة قضاة إمبراطوريين، يرتدون عباءات رمادية موشّاة بخيوط فضية، لا يحملون لقبًا واحدًا يمكن لأحد أن يساومه أو يهدده، لأنهم لا يتبعون لأي بيت نبيل أو مدينة، بل للإمبراطورية وحدها.
لاحظت شيئًا غريبًا وأنا أتفحص الحضور: النبلاء والتجار الكبار الذين عرفت بعضهم من سمعتهم فقط، جلسوا في الصفوف الأمامية بهدوء مصطنع، يتبادلون نظرات حسابية باردة أكثر مما يتبادلون كلامًا، وكأن كل واحد منهم يحسب في رأسه من سيربح ومن سيخسر من نتيجة هذه الجلسة، لا من سيُنصف ومن سيُظلم. لم أرَ وجهًا واحدًا يحمل قلقًا إنسانيًا صادقًا، سوى وجه فولك بجانبي، ووجه أليس التي لم تُظهر شيئًا على الإطلاق.
“أعلن افتتاح جلسة محكمة العدالة الإمبراطورية العليا،” أعلن أحد القضاة بصوت لا يرتفع ولا ينخفض، صوت رجل اعتاد أن يُصدر أحكامًا تُغيّر مصائر بلا أن يهتز له جفن. “القضية: اللورد “دورين”، حاكم مدينة أوسترين الاسمي، متّهم بالخيانة، والفساد المالي الموثّق، والتواطؤ في جريمة قتل. والطرف الثاني في هذه الجلسة: بيت “فولغرين” التجاري، متّهم بالإخلال بميثاق التجارة الإمبراطوري عبر تمويل جماعات مسلحة غير شرعية، وابتزاز ديون بشروط تُجرّمها المادة الثالثة والأربعون من قانون التجارة الإمبراطوري.”
جُلب دورين إلى قفص خشبي منخفض في وسط القاعة، ليس سجنًا فعليًا بقدر ما كان رمزًا: رجل يُعرَض أمام الجميع بلا سلطة تحميه بعد اليوم. بدا أصغر بكثير مما تخيلته دائمًا حين كنت أسمع اسمه فقط، رجل نحيل بملامح متعبة، ثوبه الحاكم الفاخر معلّق عليه بلا معنى الآن، كثوب مسروق من رجل آخر مات منذ زمن.
“هذه اتهامات باطلة،” قال بصوت مرتجف حاول أن يجعله حازمًا فخرج مهتزًا أكثر. “أنا حاكم أوسترين الشرعي، ولا يحق لأحد أن…”
“اللورد دورين،” قاطعه القاضي بهدوء لم يحمل أي غضب، وهذا ما جعله أشد وقعًا من أي صراخ. “أمامنا في هذه القاعة سجلات مالية موثّقة تُظهر ثمانية عشر عامًا من القروض السرية من بيت فولغرين، بشروط رهنت خلالها موارد أوسترين العامة، بما فيها حقوق تنقيب لم يكن يحق لك التصرف بها منفردًا. وأمامنا أيضًا شهادة موثّقة، وأدلة مالية تدعمها، على تورطك المباشر في وفاة السيدة “كاثرين”، والدة موكّلتنا الحاضرة هنا اليوم.”
عند ذكر اسم أمها، رأيت أليس تنتصب في جلستها للمرة الأولى منذ دخولنا، لا حركة عاطفية، بل شيء أقرب لانتباه مفترس ينتظر لحظته.
قُدّمت الأدلة واحدة تلو الأخرى، وكانت أليس نفسها من قدّمت معظمها: رسائل مختومة بختم بيت فولغرين تناقش “تسهيل” ديون دورين مقابل امتيازات تجارية حصرية في أوسترين، سجلات دفعات مالية غامضة تتزامن توقيتاتها بدقة مقلقة مع تاريخ وفاة والدتها، وشهادة كاتبة خاصة كانت تعمل في قصر دورين، غادرت الخدمة منذ سنوات لكنها احتفظت بنسخ من مراسلات كان يظن أنها أُتلفت.
جلس النبلاء في الصفوف الأمامية يتحركون بانزعاج خفيف كلما ذُكر اسم بيت فولغرين، بعضهم يتبادل نظرات قلقة، كأن كل واحد منهم يراجع في ذهنه صفقاته الخاصة مع نفس البيت، يتساءل إن كانت أوراقه هو أيضًا ستُفتح يومًا على طاولة كهذه.
“سيادة القضاة،” قال ممثل بيت فولغرين، رجل بدين يرتدي حللًا لا تقلّ فخامة عن حلل النبلاء أنفسهم، صوته لا يزال يحمل ثقة تجارية معتادة على شراء الحلول. “هذه اتهامات مبنية على وثائق يمكن تزويرها بسهولة، ونطلب…”
“الكاتبة موجودة هنا لتشهد بنفسها إن رغبتم في مساءلتها مباشرة،” قاطعه القاضي بنفس البرود، وهو يشير بيده نحو امرأة مسنّة جالسة في صف الشهود، ثم أضاف بجملة لم أنسها منذ سمعتها: “هذه المحكمة لا تتفاوض على الحقيقة يا سيدي، هي فقط تُصدر بشأنها حكمًا.”
انهار دورين تدريجيًا مع كل دليل جديد يُعرض، حتى وصل إلى مرحلة لم أكن أتخيل أن أراها من رجل حَكَم مدينة يومًا. وقف في قفصه، تمسّك بقضبانه الخشبية بيدين ترتجفان، وبدأ يتوسل بصوت متهالك لم يعد فيه أي أثر لكرامة حاكم: “أرجوكم… لم أقصد أذى أحد، كنت مضطرًا، الديون كانت تخنقني، لم يكن لديّ خيار آخر…”
لم يجب أحد من القضاة. الصمت الذي أعقب توسلاته كان أقسى من أي كلمة يمكن أن يقولوها.
٦
بعد مداولة قصيرة لم تتجاوز دقائق معدودة، وقف القاضي الأوسط ليقرأ الحكم بصوت لا يزال هادئًا بنفس القدر الذي بدأ به الجلسة:
“تُدين هذه المحكمة اللورد دورين بجميع التهم الموجّهة إليه: الخيانة، الفساد المالي الموثّق، والتواطؤ في جريمة قتل. الحكم: الإعدام، يُنفَّذ وفق البروتوكول الإمبراطوري المعتاد، خلال سبعة أيام من هذه الجلسة.”
لم يصرخ دورين هذه المرة، بل بدا كأن جسده تجمّد تمامًا، كرجل سمع كلامًا لم يستوعبه عقله بعد.
“وتُدين هذه المحكمة بيت فولغرين بالإخلال بميثاق التجارة الإمبراطوري، وتفرض عليه تعويضات مالية هائلة تُصرف كالتالي: جزء لصالح خزينة أوسترين العامة تعويضًا عن الأضرار الاقتصادية الموثّقة الناتجة عن سياسات إغراق السوق والاستغلال المالي، وجزء آخر يُصرف مباشرة للسيدة أليس، وريثة اللورد دورين الشرعية، تعويضًا عن مقتل والدتها.”
ثم، وقبل أن يهدأ صدى الحكم الأول في القاعة، أضاف القاضي، بنبرة تحوّلت فجأة إلى نبرة إعلان رسمي: “وبما أن اللورد دورين لن يترك وريثًا ذكرًا شرعيًا للحكم، وبما أن ابنته السيدة أليس قدّمت طلبًا موثّقًا مسبقًا لدى هذه المحكمة بشأن انتقال شرعية الحكم، تُقرّ هذه المحكمة الإمبراطورية زواج السيدة أليس من السيد “أراك”، سليل بيت شادو النبيل السابق، وتُعلن السيد أراك حاكمًا شرعيًا جديدًا لمدينة أوسترين، تحت إشراف مباشر من هذه المحكمة لمدة عام كامل، ضمانًا لاستقرار الانتقال.”
نظرت نحو أراك في تلك اللحظة، وكان وجهه خاليًا من أي فرح واضح، بل شيء أقرب للثقل: رجل يستعيد أخيرًا ما سُلب من عائلته قبل ثماني سنوات، لكنه يستعيده على أنقاض رجل آخر، لا بانتصار نظيف يمكن أن يفخر به بلا تحفظ.
نهضت أليس ببطء، انحنت للقضاة بأدب رسمي بارد، ثم مرّت أمام قفص أبيها دون أن تنظر إليه ولو للحظة واحدة، وكأن الرجل الذي أنجبها لم يعد موجودًا في هذه القاعة أصلًا، حتى قبل أن يُنفَّذ فيه الحكم رسميًا.
خرجنا من قصر العدالة والشمس بدأت تميل نحو الغروب فوق كارنوث، تلوّن أعمدته الرخامية البيضاء بلون ذهبي بارد. سار فولك بجانبي صامتًا لبعض الوقت قبل أن يقول أخيرًا: “هذا ما تفعله العدالة الحقيقية يا إيفان، حين تكون بلا وجه تعرفه، وبلا قلب يمكن أن تشتريه. باردة، لكنها صادقة.”
فكرت في وجه دورين وهو يتوسل بيدين مرتجفتين، وفي وجه أليس الخالي من أي أثر انتصار وهي تمر أمامه، وفي أراك الذي حصل أخيرًا على اسمه وبيته من جديد، لكن بثمن لن يستطيع أحد أن يسميه نصرًا كاملًا.
“لست متأكدًا أنها بلا قلب فعلًا،” قلت أخيرًا. “أظنها فقط لا تسمح للقلب أن يتكلم قبل أن يتكلم القانون.”
ضحك فولك ضحكة قصيرة متعبة. “ربما هذا هو التعريف الوحيد الممكن للعدالة في عالم مثل عالمنا، إيفان. ربما هذا كل ما يمكننا أن نطلبه منها.”
بعد سبعة أيام نُفّذ الحكم في الساحة الكبرى بأوسترين نفسها، لا في كارنوث. طلبت أليس ذلك بنفسها، بصوت لا يقبل النقاش: “أهل أوسترين هم من دفعوا ثمن ضعفه سنوات طويلة. من حقهم أن يروا النهاية بأعينهم، لا أن يسمعوا عنها كخبر بعيد.”
جُلب دورين مكبّل اليدين إلى المنصة الخشبية، وقد نُزع عنه كل أثر لثوب الحاكم الذي عرفناه به، لم يبقَ منه سوى رجل نحيل بثياب رثة، وجهه منتفخ من ضربات لم يوفّرها عليه حراس المحكمة خلال أيام السجن السبعة. لم يكن الجلادون يحتاجون إلى قسوة إضافية، لكن يبدو أن أحدًا لم يمنعهم منها أيضًا، وكأن حتى الحراس أنفسهم كانوا يفرغون فيه غضبًا تراكم عبر سنوات من حكمه.
حين رآنا واقفين في الصف الأول، أليس وأراك وفولك وأنا، انهار تمامًا. سقط على ركبتيه رغم قيوده، يصرخ بصوت لا يشبه صوت حاكم على الإطلاق: “أليس… ابنتي… أرجوكِ، أنا أبوك، دمي في دمكِ، لا يمكنكِ أن تسمحي بهذا…”
لم تتحرك أليس. وقفت بلا تعبير، كتمثال منحوت من برود لا ينكسر.
زحف دورين نحوها على ركبتيه، والحراس لم يمنعوه، ربما لأن القاضي المشرف على التنفيذ أشار بيده أن يُترك. وصل حتى قدميها، وانحنى، وقبّل حذاءها المغبّر مرارًا، يبكي بصوت متهالك يتوسل نجاته، يعدها بكل شيء يمكن أن يعد به رجل لم يعد يملك شيئًا: “سأصلح كل شيء، سأتنازل عن كل حق، فقط أبقيني حيًّا… أرجوكِ يا صغيرتي…”
نظرت إليه أليس أخيرًا، نظرة طويلة باردة، ثم قالت بصوت لا يرتفع: “لم تنظر إلي هكذا يومًا وأنا صغيرة. لم تركع أمامي إلا الآن، حين لم يعد أمامك أحد آخر تركع له.”
استدارت وابتعدت خطوة، تاركة إياه منحنيًا عند الفراغ الذي كانت تشغله قدماها للتو.
نُفّذ الحكم بعدها بلا مراسم إضافية، بلا خطاب أخير، بلا حتى نظرة توديع من أحد. مات دورين على تلك المنصة كما وصفه أحد الحراس همسًا وهو يغادر: “مثل كلب قذر انتهى به المطاف في زقاق لا يتذكر اسمه أحد.” لم أشعر بأي رغبة في الاعتراض على تلك الجملة القاسية. كنت أعرف، بيقين لم أحبه، أنها كانت الوصف الأدق لما رأيته للتو.