الفصل 204 - الحاكم الضعيف
وصل الاستدعاء الرسمي في صباح غائم، مختوماً بختم شمعي أخضر باهت يحمل شعار عائلة دورين المتهالك: نسر صغير ممسك بسنبلة قمح، رمز عائلي ورثه اللورد دورين عن أجداد حكموا أوسترين حين كانت لا تزال مدينة ذات شأن، لا الظل الباهت الذي أصبحت عليه اليوم. حمل الاستدعاء توقيع اللورد نفسه، بخط يد مرتعش قليلاً، يطلب فيه حضور “السيد فولك، تاجر أوسترين” و”السيد إيفان، قائد حملة حماية الطرق” إلى قصره في أقرب وقت ممكن، “لمناقشة أمور إدارية عاجلة تخص مصلحة المدينة العليا.”
“لم يستدعِنا اللورد دورين شخصيًا منذ أشهر عديدة،” قال فولك وهو يقلّب الرسالة بين أصابعه، عيناه تحملان قلقًا حذرًا لم يخفِه عن إيفان. “منذ أن وافق بصمت على مشروع تطهير الطرق دون أن يهتم كثيرًا بالتفاصيل، طالما لم يكلفه ذلك شيئًا من خزينته الشخصية.”
“ماذا تغيّر إذن؟” سأل إيفان بفضول حذر، طيّ الرسالة أمامه على الطاولة.
“لا أعرف بالضبط،” اعترف فولك بصدق. “لكن توقيت هذا الاستدعاء مثير للريبة. جاء بعد أسبوع واحد فقط من خطاب المستثمرين الذي ألقيته، وبعد أن بدأت أخبار حملتك تنتشر إلى ما هو أبعد من أوسترين نفسها. ربما بدأ اللورد يشعر أن سمعتك، سمعتنا معًا، بدأت تتجاوز سلطته الرمزية، وهذا نوع من التهديد لا يحتمله أي حاكم، مهما كان ضعيفًا.”
توجّه إيفان وفولك معًا في بعد ظهر ذلك اليوم نحو قصر اللورد دورين، مبنى حجري كبير لكنه يحمل آثار إهمال واضحة: أسوار متشققة لم تُرمَّم منذ سنوات، حديقة أمامية ذبلت أزهارها من قلة العناية، وحراس قليلون يرتدون دروعًا قديمة صدئة تكشف بوضوح حجم الموارد المتضائلة المتاحة لحاكم مدينة نصف ميتة.
استقبلهما اللورد دورين في قاعة استقبال متواضعة نسبيًا مقارنة بما توحي به هيبة اللقب، رجل في الخمسينيات المبكرة، نحيل الجسد، بعينين تحملان قلقًا دائمًا لا يفارقهما، وملابس فاخرة ظاهريًا لكنها بدت، عند التمعن، أقدم مما ينبغي، مرقّعة بعناية في أماكن غير واضحة تمامًا لعين غير متمرسة.
“سيد فولك، سيد إيفان،” قال اللورد دورين بنبرة رسمية متوترة قليلاً، يجلس على مقعد مرتفع قليلاً عن مقعدي ضيفيه، محاولة واضحة، وإن كانت بائسة نوعًا ما، لتأكيد سلطته الرمزية. “شكرًا لتلبيتكما استدعائي بهذه السرعة.”
“دائمًا في خدمة حاكم أوسترين يا مولاي،” قال فولك بأدب دبلوماسي محسوب، نبرة لم يستخدمها إيفان يومًا من قبل يسمعها منه، أقرب بكثير إلى تلك التي استخدمها مع إيزولدا فولغرين. “كيف يمكننا خدمتكم؟”
تنحنح اللورد دورين قليلاً، يبدو عليه التردد قبل أن يبدأ حديثه، وكأنه يقرأ كلمات حفظها مسبقًا لكنه لم يقتنع بها تمامًا بنفسه. “بلغني أن مشروع تطهير الطرق التجارية، رغم نجاحه الملحوظ الذي أثني عليه شخصيًا، بدأ يتوسع نطاقه بشكل يستدعي إعادة نظر في الترتيبات الإدارية والضريبية الحاكمة له.”
نظر إيفان إلى فولك بحيرة صامتة، غير متأكد تمامًا من فهم المصطلحات الرسمية المعقدة التي يستخدمها اللورد، لكنه لاحظ توتر فولك المتزايد وهو يستمع بجدية أكبر.
“ما الترتيبات التي تقصدونها بالتحديد يا مولاي؟” سأل فولك بحذر.
أشار اللورد دورين إلى مستشار يقف بصمت بجانبه، رجل نحيل بملامح باردة لم يُقدَّم بالاسم، يحمل مجموعة من الوثائق الرسمية. تقدم المستشار وقرأ بصوت رتيب:
“اعتبارًا من هذا التاريخ، تُفرض ضريبة إضافية بنسبة اثني عشر بالمئة على كل الأموال المستخدمة في تمويل أنشطة الحماية المسلحة غير التابعة مباشرة لحامية اللورد الرسمية، مع اشتراط الحصول على تصريح إداري متجدد كل ثلاثة أشهر لأي عمليات توظيف أو تدريب لمقاتلين جدد ضمن حملة حماية الطرق، ومراجعة سنوية لكل ترتيبات التمويل الخارجي من مصادر تجارية غير محلية.”
جلس إيفان صامتًا، يستوعب حجم البيروقراطية المفاجئة التي تُفرض عليهم دفعة واحدة، بينما شعر بثقل التوتر يتصاعد في تعبيرات فولك الذي يفهم، بخبرته التجارية، حجم الضرر العملي الحقيقي وراء هذه الكلمات الرسمية الجافة.
“اثنا عشر بالمئة يا مولاي؟” سأل فولك بصوت هادئ لكنه يحمل صدمة مكتومة. “هذا مبلغ كبير جدًا، سيؤثر بشكل مباشر على قدرتنا على الاستمرار في تمويل الحملة بنفس الوتيرة الحالية.”
نظر اللورد دورين بعيدًا للحظة، تجنبًا واضحًا لعيني فولك المباشرتين، قبل أن يجيب بصوت أقل ثقة مما بدأ به الاجتماع. “أفهم قلقك يا سيد فولك، لكن هذه الإجراءات ضرورية لضمان أن أي نشاط مسلح في نطاق سلطتي يخضع للرقابة الإدارية المناسبة. لا يمكنني السماح لقوة مسلحة، مهما كانت نواياها طيبة، بالتوسع دون إشراف رسمي كافٍ.”
“لم تكن هذه الرقابة مصدر قلق لكم طوال الأشهر الماضية يا مولاي،” لاحظ فولك بصراحة محسوبة، محاولاً فهم السبب الحقيقي وراء هذا التحول المفاجئ. “ما الذي تغيّر بالتحديد؟”
توتر اللورد دورين بشكل ملحوظ عند هذا السؤال المباشر، يداه تتشابكان بعصبية فوق الطاولة أمامه. “الأمور… تتطور دائمًا يا سيد فولك. سلطة أي حاكم تحتاج إعادة تأكيد دورية، خاصة حين تبدأ قوى أخرى داخل نطاق سلطته تكتسب نفوذًا يوازي نفوذه أو يتجاوزه.”
كشفت هذه الجملة الأخيرة، ولو بشكل غير مباشر، جوهر ما يقلق اللورد دورين حقًا: ليس المخاوف الإدارية المعلنة، بل خوف شخصي أعمق من فقدان آخر ما تبقى من شرعية سلطته أمام حملة أهلية أصبحت أكثر شهرة وفعالية من حاميته الرسمية الضعيفة.
شعر إيفان بغضب هادئ يتصاعد في صدره، لكنه تمالك نفسه، محاولاً التفكير بمنطق فولك الاستراتيجي بدل اندفاعه المعتاد. “مولاي،” قال بصوت هادئ محسوب. “حملتنا لا تسعى لمنافسة سلطتكم بأي شكل. كل ما نفعله هو حماية طريق تجاري يخدم مصلحة أوسترين كاملة، بما في ذلك خزينتكم الخاصة عبر الضرائب التجارية المتزايدة التي أصبحت ممكنة بفضل عودة التجار الآمنة.”
هزّ اللورد دورين رأسه بتوتر، غير مقتنع تمامًا لكنه أيضًا غير قادر على تفنيد منطق إيفان بسهولة. “أقدّر ذلك يا سيد إيفان، حقًا. لكن الإجراءات التي أعلنتها اليوم ليست قرارًا شخصيًا مني وحدي، بل ضرورة إدارية أوصى بها مستشاروني بعد مراجعة دقيقة للوضع الحالي.”
بعد انتهاء الاجتماع الرسمي المتوتر، غادر إيفان وفولك القصر صامتين لبعض الوقت، يمشيان عبر شوارع أوسترين الضيقة نحو مكتب فولك، كل منهما غارق في أفكاره الخاصة حول ما حدث للتو.
“هذا ليس منطقيًا يا فولك،” قال إيفان أخيرًا، كاسرًا الصمت بإحباط واضح. “اللورد دورين لم يبدُ مقتنعًا بكلماته هو نفسه. بدا وكأنه يقرأ نصًا كتبه له أحد آخر.”
توقف فولك عن المشي للحظة، ينظر إلى إيفان بجدية عميقة. “لاحظت الشيء نفسه بالضبط يا إيفان. طوال الاجتماع، بدا اللورد دورين متوترًا بطريقة لا تشبه رجلاً يتخذ قرارًا نابعًا من قناعة شخصية حقيقية، بل رجلاً يخشى شيئًا آخر تمامًا، شيئًا لم يذكره صراحة.”
“ماذا تقصد؟” سأل إيفان بجدية متزايدة.
فكّر فولك طويلاً قبل أن يجيب، يزن كلماته بحذر شديد، كرجل يقترب من استنتاج خطير لا يريد أن يعلنه قبل أن يكون متأكدًا بما يكفي. “أعتقد، وقد أكون مخطئًا، أن ضعف اللورد دورين المفاجئ في التمسك بموقف يخدم استقلاليته الشخصية ظاهريًا، بينما يضر فعليًا بأفضل مشروع نجح في تحسين اقتصاد مدينته منذ سنوات، لا يحمل رائحة غيرة محلية بريئة كما قد يبدو للوهلة الأولى. يحمل رائحة ضغط خارجي، يا إيفان، ضغط من طرف لا يريد رؤية أوسترين وحملتها تنجحان أكثر من اللازم.”
شعر إيفان بثقل جديد يستقر في صدره عند سماع هذا الاستنتاج، فكرة لم يفكر فيها بوضوح كافٍ من قبل، لكنها بدأت تكتسب منطقًا مقلقًا مع كل تفصيل يتذكره من اجتماعهما المتوتر مع اللورد دورين.
“تقصد بيت فولغرين؟” سأل بصوت منخفض.
“لا أملك دليلاً قاطعًا بعد،” اعترف فولك بحذر. “لكن التوقيت مريب جدًا، والطريقة التي بدا بها اللورد دورين، وكأنه يتلو نصًا مفروضًا عليه لا قرارًا نابعًا من قناعته الخاصة، تثير قلقًا حقيقيًا لدي. سأحتاج وقتًا للتحقق من هذا الاحتمال بشكل أكثر جدية.”
وصلا أخيرًا إلى مكتب فولك، حيث كان بوريس ينتظرهما بفضول قلق، ملاحظًا فورًا ثقل الجو المحيط بصديقيه العائدين من اجتماع رسمي واضح التوتر.
“كيف سار الأمر؟” سأل بوريس.
شرح فولك بإيجاز تفاصيل الضرائب والتصاريح الجديدة المفروضة، بينما استمع بوريس بجدية متزايدة، غضب هادئ يتشكل تدريجيًا على ملامحه المعتادة الهادئة.
“هذا سيضر بمشروعنا بشكل حقيقي،” قال بوريس بقلق صادق. “خاصة إن استمرت هذه الضرائب في الارتفاع مستقبلاً. كيف سنستمر في تمويل التدريب والمعدات والأجور بموارد أقل بشكل ملحوظ؟”
“سنجد طريقة،” قال فولك بثقة حاول أن تبدو أكبر مما يشعر به فعلاً في تلك اللحظة. “لكنني أعترف أن هذا يعقّد الأمور بشكل كبير في وقت حساس بالفعل.”
جلس إيفان صامتًا لبعض الوقت، يفكر في كل ما سمعه ذلك اليوم، غضب هادئ يتصاعد تدريجيًا في صدره تجاه نظام كامل من الضعف والتلاعب يبدو أنه يتشكل حول مدينته الصغيرة من كل جانب.
“يجب أن نواجه اللورد دورين مباشرة،” قال أخيرًا، بحسم غير معتاد منه في الشؤون السياسية، هو الذي اعتاد ترك مثل هذه القرارات الدقيقة لفولك عادة. “ليس بعدائية، بل بصراحة. نسأله مباشرة إن كان هناك ضغط خارجي حقيقي وراء هذا القرار، ونعرض عليه دعمنا إن كان يواجه تهديدًا فعليًا لا يستطيع مواجهته وحده.”
نظر فولك إلى إيفان بمزيج من الإعجاب والقلق. “فكرة شجاعة يا إيفان، لكنها محفوفة بمخاطر حقيقية. إن كان اللورد دورين فعلاً تحت ضغط من طرف خارجي قوي، فمواجهته المباشرة قد تدفعه إلى موقف دفاعي أكثر عدائية، أو قد تكشف لذلك الطرف الخارجي أننا بدأنا نشك في تدخلهم، ما قد يسرّع من تصعيدهم ضدنا بدل أن يردعهم.”
“إذن ماذا تقترح؟” سأل إيفان بإحباط واضح، شعور متزايد بالعجز أمام تعقيدات سياسية لا يجيد التعامل معها بنفس الكفاءة التي يجيد بها التعامل مع تهديد مباشر بالسيف.
فكّر فولك بجدية عميقة قبل أن يجيب. “أقترح صبرًا حذرًا يا إيفان، مؤقتًا على الأقل. سندفع الضرائب الجديدة، بمرارة لكن دون اعتراض علني يثير شكوكًا غير ضرورية، بينما أستخدم شبكة معارفي للتحقيق بهدوء في السبب الحقيقي وراء تحول موقف اللورد دورين المفاجئ. إن أكّدت تحرياتي شكوكي عن تدخل خارجي، سنحتاج استراتيجية مختلفة تمامًا لمواجهته، ليست مواجهة مباشرة تكشف أوراقنا مبكرًا، بل خطة أكثر تعقيدًا تحمي مصالحنا دون استفزاز غير محسوب.”
وافق إيفان على مضض، مدركًا حكمة نهج فولك رغم إحباطه الشخصي من ضرورة الصبر أمام ظلم واضح لا يستطيع مواجهته مباشرة بالطريقة التي اعتاد التعامل بها مع التهديدات الأخرى.
في تلك الليلة، عاد إيفان إلى نُزل الغراب الأسود مثقلاً بأفكار جديدة، لم تكن مارتا قد نامت بعد حين وصل، لاحظت فورًا الثقل غير المعتاد على وجهه.
“اجتماع صعب؟” سألت بلطف معتاد.
“أكثر تعقيدًا مما توقعت،” اعترف إيفان بصدق، متذكرًا وعده القديم لها بألا يخفي عنها خطورة ما يواجهه. “بدأت أدرك يا مارتا أن بعض المعارك لا تُخاض بالسيف على الإطلاق، بل بأوراق وتوقيعات وضرائب وقوانين معقدة لا أفهمها بنفس الوضوح الذي أفهم به معركة مباشرة.”
ابتسمت مارتا ابتسامة حزينة قليلاً وهي تستمع إليه، مدركة عمق إحباطه الجديد. “ربما لهذا السبب بالذات تحتاج فولك بجانبك يا إيفان، فهو يجيد تلك المعارك الخفية التي لا يجيدها سيفك.”
“أعرف ذلك،” قال إيفان بصدق مثقل. “لكنني بدأت أشعر، ولأول مرة منذ بداية هذه الحملة كلها، أننا نواجه شيئًا أكبر بكثير مما توقعته حين قررت تطهير طريق تجاري بسيط قبل أشهر. شيئًا لا أملك أدوات كافية لمواجهته بمفردي، مهما بلغت قوتي الشخصية.”
جلست مارتا بجانبه بصمت مؤانس، لا تملك حلولاً حقيقية لمشاكل سياسية معقدة تتجاوز خبرتها، لكنها تملك شيئًا آخر ربما يحتاجه إيفان أكثر في تلك اللحظة: حضورًا صادقًا يمنحه مساحة ليعبّر عن ثقل مخاوفه دون أن يشعر بضرورة التظاهر بالقوة المطلقة أمامها.
“لن تواجه أي شيء بمفردك يا إيفان،” قالت أخيرًا بثقة هادئة. “لديك فولك بذكائه، وبوريس بولائه، وكارلا بمهارتها، وأنا… حتى لو لم أستطع تقديم حلول سياسية معقدة، أستطيع أن أمنحك مكانًا تعود إليه دائمًا، مهما بلغ ثقل ما تواجهه في الخارج.”
شعر إيفان بامتنان عميق لهذه الكلمات، حتى وهو يدرك أن التحدي الحقيقي أمامه، هذا النظام المتشابك من الضعف السياسي والتلاعب الخارجي المحتمل، لن يُحل بأمسية دافئة واحدة أو حتى بعزيمة شخصية قوية وحدها. شعر، لأول مرة بوضوح حقيقي منذ بداية هذه الحملة، أن العدو الذي يواجهه ليس مجرد قُطّاع طرق يمكن مطاردتهم في غابة ثم الاحتفال بالنصر، بل شبكة معقدة من الفساد والضعف المتراكم عبر سنوات طويلة، شبكة لا يكفي لهزيمتها معركة واحدة، مهما بلغت شراسته فيها أو قوة وحشه الكامنة بداخله.