الفصل 205 - الفرسان المقدسون
لم تشهد أوسترين، منذ عقود طويلة كما يقول أقدم سكانها، مشهدًا كالذي دخل بواباتها في ذلك الصباح الغائم من أواخر الخريف: عشرة فرسان يمتطون خيولاً بيضاء نقية، دروعهم فضية مصقولة تحمل شعار شمس مشعة مزدوجة الأطراف منقوشة على الصدر، شارة “الفرسان المقدسين”، الذراع العسكرية شبه المستقلة التابعة اسميًا للإمبراطورية لكنها تعمل، عمليًا، بسلطة تفوق سلطة أي دوق أو لورد إقليمي حين يتعلق الأمر بشؤونها الخاصة. خلفهم، على حصان أضخم من البقية، امتطى رجل ضخم البنية، درعه أكثر زخرفة من دروع مرافقيه العشرة، يحمل في هالته شيئًا لم يشعر به إيفان من قبل تجاه أي إنسان آخر، ثقلاً في الهواء نفسه حول تحركاته، وكأن الواقع ذاته يتصرف بحذر أكبر في حضوره.
توقفت الحياة اليومية في أوسترين بأكملها تقريبًا لحظة دخول الموكب، الباعة يتوقفون عن المساومة، الأطفال يتجمدون في مكانهم بفضول ممزوج بخوف غريزي، حتى حراس البوابة أنفسهم، الذين اعتادوا التعامل مع أخطر المسافرين وأكثرهم غرابة، وقفوا في مكانهم بصمت مطبق، غير متأكدين تمامًا من البروتوكول الصحيح لاستقبال ضيوف بهذا الثقل.
كان إيفان يتفقد إحدى فرق الحراسة قرب السوق حين وصلته الأخبار، ركض نحوه أحد المقاتلين الشباب بلا أنفاس تقريبًا. “سيد إيفان! فرسان! فرسان مقدسون عند البوابة الشمالية، عشرة منهم، وقائدهم…” توقف الشاب، يبحث عن كلمات كافية لوصف ما رآه. “لم أشعر بشيء كهذا من قبل، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل حوله.”
شعر إيفان بقشعريرة غريبة تسري في جسده، ليست خوفًا بالضبط، بل شيئًا أقرب إلى إدراك غريزي بأن شيئًا تجاوز كل ما واجهه حتى الآن قد دخل للتو نطاق مدينته الصغيرة.
توجّه إيفان مسرعًا نحو مكتب فولك، ليجده يستقبل بالفعل رسولاً من قصر اللورد دورين، رسالة عاجلة تطلب حضور “قادة حملة حماية طرق أوسترين” إلى القصر فورًا، لعقد اجتماع طارئ مع “ممثلي الفرسان المقدسين الموقرين.”
“لماذا يريد الفرسان المقدسون التحدث معنا نحن تحديدًا؟” سأل إيفان بقلق متزايد وهما يسرعان نحو القصر برفقة بوريس.
“لا أعرف بشكل مؤكد،” قال فولك، توتر واضح في صوته رغم محاولته الحفاظ على هدوئه المعتاد. “لكن الفرسان المقدسين لا يزورون مدنًا صغيرة كأوسترين لأسباب عابرة يا إيفان. حضورهم هنا وحده حدث تاريخي بمقاييس مدينتنا، ووجود قائد فارس من هذا الحجم بينهم يعني أن الأمر يتعلق بشيء ذي أهمية قصوى، لا مجرد تفتيش روتيني.”
دخل الثلاثة قاعة استقبال اللورد دورين، ليجدوها مزدحمة بشكل غير معتاد: اللورد دورين نفسه يجلس متوترًا أكثر من أي وقت مضى، أمامه وقف قائد الفرسان الضخم، وخلفه اثنان من فرسانه العشرة، بينما انتظر الباقون في ساحة القصر الخارجية.
“سيد إيفان، سيد فولك،” قال اللورد دورين بصوت يحمل ارتياحًا مضطربًا لوصولهما، وكأنه سعيد بتقاسم ثقل هذا اللقاء مع أحد آخر. “اسمحوا لي أن أقدم لكم القائد “ألدريك فارّون”، قائد الفرقة الثانية من الفرسان المقدسين.”
نظر إيفان إلى القائد فارّون عن قرب لأول مرة، رجلاً في الخمسينيات المتأخرة، شعره الرمادي القصير يوحي بعقود من الانضباط الصارم، وعينان رماديتان باردتان تحملان ثقل رجل شهد أهوالاً لا يستطيع معظم البشر تخيلها. حين تحدث، حمل صوته سلطة طبيعية لا تحتاج رفعًا أو تأكيدًا.
“سيد إيفان،” قال القائد فارّون، عينان تفحصانه بتقييم سريع دقيق. “سمعت اسمك مذكورًا في تقارير وصلتنا من كارنوث. قائد حملة صغيرة نجحت في تطهير طريق تجاري كامل من عصابة منظمة. إنجاز يستحق الملاحظة لرجل من مستواك.”
شعر إيفان بثقل نظرة القائد التقييمية، لكنه حافظ على هدوئه الظاهري. “شرف لي أن يصل ذكر عملنا المتواضع إلى الفرسان المقدسين يا سيدي. لكن أعترف أنني لا أفهم سبب اهتمامكم بمدينة صغيرة كأوسترين.”
ابتسم القائد فارّون ابتسامة باهتة لا تحمل دفئًا حقيقيًا، بل تقديرًا مهنيًا محسوبًا. “دعني أكون صريحًا معك يا سيد إيفان، فأنت رجل يبدو أنه يقدّر الصراحة أكثر من الألاعيب الدبلوماسية.” أشار بيده نحو مقعد فارغ، مدعوًا الجميع للجلوس قبل أن يتابع. “منذ ثلاث سنوات، وقعت كارثة هزّت أركان هذه القارة كلها، وإن كانت أخبارها لم تصل إلى مكان نائي كأوسترين بكامل تفاصيلها المرعبة.”
جلس الجميع بصمت متوتر، ينتظرون تفاصيل ما يبدو أنه سيكون حكاية ثقيلة.
“في يوم واحد فقط،” بدأ القائد فارّون سرده، صوته يحمل ثقل رجل روى هذه القصة مرات عديدة من قبل لكنها لم تفقد شيئًا من ثقلها عليه، “دُمّرت أربع مدن كاملة في الإقليم الشرقي من الإمبراطورية، محيت عن الوجود تقريبًا، مع كل من كان يسكنها. لم تكن كارثة طبيعية، ولا غزوًا من جيش معادٍ، بل نتيجة مواجهة بين قوى تفوق فهم معظم البشر.”
توقف للحظة، عيناه تحملان ثقل ذكرى شخصية واضحة، قبل أن يتابع. “كانت عائلة سيرال، إحدى أعرق وأقوى العائلات في تلك المنطقة، تضم بين أفرادها ثلاثة خبراء بلغوا المستوى الرابع الكامل، إنجاز نادر جدًا حتى بمقاييس أعظم العائلات النبيلة، ورب الأسرة نفسه، الذي كان يقترب من عتبة المستوى الخامس، مستوى لا يبلغه سوى قلة نادرة جدًا عبر تاريخ هذه القارة كله.”
شعر إيفان بثقل هذه الأرقام يستقر في ذهنه، محاولاً استيعاب حجم قوة يتجاوز كل شيء رآه أو تخيله حتى الآن، حتى مقارنة بأراك نفسه، أقوى مقاتل عرفه شخصيًا.
“في ذلك اليوم بالذات،” تابع القائد فارّون بصوت أكثر ثقلاً، “ظهر شخصان غامضان، لا يعرف أحد أصلهما الحقيقي أو دوافعهما الكاملة حتى اليوم. أُطلق على أحدهما اسم “الطاعون”، لما تركه من دمار يشبه وباءً يجتاح كل من يقف في طريقه دون تمييز. أما الآخر، فعُرف باسم “سيد الرماد”، لسبب يتضح جليًا لكل من رأى آثار مروره: كل ما يلمسه قتاله ينتهي إلى رماد، لا شيء أكثر.”
جلس الجميع بصمت مطبق، حتى اللورد دورين نفسه، الذي سمع هذه القصة من قبل بلا شك، بدا مأخوذًا بثقل السرد المباشر من شاهد يحمل معرفة أعمق بكثير من مجرد الشائعات المتناقلة.
“خاض الطاعون معركة ضد عائلة سيرال بأكملها،” تابع القائد فارّون، “ودمر المدن الأربع في سياق تلك المواجهة، إما عمدًا وإما كأثر جانبي لقوة تفوق كل تصور. لكن قبل أن يكمل مهمته، أيًا كانت، ظهر سيد الرماد فجأة، وواجه الطاعون مباشرة.”
“ماذا حدث؟” سأل إيفان بصوت منخفض، مأخوذًا تمامًا بثقل الحكاية رغم كل خبرته الشخصية في القتال.
“قتل سيد الرماد الطاعون،” أجاب القائد فارّون ببساطة مرعبة. “ثم واجه رب أسرة سيرال نفسه، الذي كان يقاتل بالفعل بكل ما يملك من قوة متبقية بعد خسارة ثلث عائلته وثلاثة من أقوى خبرائها في المعركة ضد الطاعون. انتهت تلك المواجهة أيضًا لصالح سيد الرماد، الذي هزم رجلاً كان على أعتاب المستوى الخامس، إنجاز لم يسبق أن سُجّل بهذا الوضوح في تاريخنا الحديث كله.”
“يُقدَّر أنه، بعد تلك المواجهة المزدوجة، ارتقى سيد الرماد نفسه إلى المستوى الخامس،” أضاف القائد فارّون بثقل أكبر، “أول شخص يبلغ ذلك المستوى الأسطوري منذ أجيال طويلة، حسب كل التقديرات المتاحة لدينا. ثم اختفى تمامًا، دون أن يترك أثرًا واحدًا يقودنا إليه، منذ تلك اللحظة وحتى اليوم.”
جلس الجميع صامتين لبعض الوقت، يستوعبون ثقل هذه القصة المروعة، قبل أن يسأل فولك، بحذر تجاري محسوب حتى في مواجهة قصة بهذا الرعب: “وما علاقة كل هذا بزيارتكم لأوسترين تحديدًا يا سيدي القائد؟”
نظر القائد فارّون إليه بتقدير هادئ لمباشرة السؤال. “منذ تلك الكارثة، كُلّفت فرق الفرسان المقدسين بمهمة مستمرة: تمشيط كل مستوطنة في الإمبراطورية، مهما صغرت أو نأت، بحثًا عن أي أثر لسيد الرماد، أو عن أي فرد يظهر قوة استثنائية قد تشير إلى ارتباط محتمل به، أو حتى إلى احتمال ظهور تهديد مماثل في مكان آخر. رجل بقوة مستوى خامس، مهما كانت نواياه، يمثل خطرًا وجوديًا لا يمكن تجاهله، سواء أراد إيذاء أحد أم لا. القوة وحدها، بهذا الحجم، تكفي لتشكل تهديدًا لا يمكن السماح بتركه بلا رقابة.”
شعر إيفان بثقل جديد يستقر في صدره، إدراك مقلق أن حملته الصغيرة، وكل التعقيدات السياسية والاقتصادية التي واجهها حتى الآن، ليست سوى قطرة صغيرة في محيط أوسع بكثير من المخاطر التي تهدد هذه القارة كلها.
“ولماذا أوسترين تحديدًا؟” سأل اللورد دورين بقلق واضح، صوته يحمل توترًا لم يخفِه جيدًا. “مدينة صغيرة كهذه بالكاد تستحق اهتمامكم الموقر.”
“بالضبط لهذا السبب يا مولاي،” أجاب القائد فارّون بصراحة باردة. “المستوطنات الصغيرة والنائية هي بالتحديد أفضل مكان يختبئ فيه شخص يريد تجنب الأنظار، أو حتى يعيد بناء قوته بعيدًا عن العواصم المزدحمة بالمراقبة. لهذا نراجع كل مستوطنة دون استثناء، مهما بدت غير مهمة ظاهريًا.”
توقف للحظة، ثم أضاف بنظرة تحولت تدريجيًا نحو إيفان وفولك وبوريس. “وقد وصلتنا تقارير مثيرة للاهتمام عن أوسترين تحديدًا: مدينة فقيرة صغيرة، لكنها تضم بشكل غير معتاد عددًا من الأفراد الذين بلغوا مستوى التحكم، بينهم من وصل إلى درجة متقدمة منه. تركيز كهذا من القوة في مكان بهذا الصغر أمر نادر جدًا، ويستحق تحقيقًا مباشرًا.”
شعر إيفان بتوتر يتصاعد بسرعة في صدره، مدركًا أن الفرسان يقصدون فريقه بالتحديد: هو نفسه، وكارلا، وجورج، وأراك، الذي، بمستواه المتقدم من التحكم، قد يجذب اهتمامًا خاصًا لا يريده أي منهم.
“فريقنا يتكون من مقاتلين محليين اجتمعوا لحماية مصالح مدينتهم يا سيدي القائد،” قال إيفان بحذر محسوب، محاولاً أن يبدو صوته طبيعيًا قدر الإمكان. “لا شيء أكثر من ذلك.”
نظر القائد فارّون إليه نظرة طويلة تقييمية، وكأنه يزن صدق كلماته بدقة رجل تعلّم قراءة الكذب والصدق عبر عقود من الخبرة. “لا أشك في نواياكم يا سيد إيفان، على الأقل ليس بناءً على ما رأيته حتى الآن. لكن البروتوكول يقتضي أن يخضع كل فرد بلغ مستوى التحكم في هذه المدينة لتقييم مباشر من أحد فرساني، إجراء روتيني بحت، لا اتهامًا بأي شكل.”
استمر التقييم طوال بقية ذلك اليوم، حيث خضع إيفان وكارلا وجورج، كل على حدة، لجلسات قصيرة مع أحد فرسان القائد فارّون، أسئلة عن تاريخهم الشخصي، كيف بلغوا مستواهم الحالي من القوة، وأي معلومات قد يملكونها عن أفراد غامضين مرّوا بالمنطقة مؤخرًا.
راقب إيفان بقلق متزايد حين حان دور أراك، الذي بدا، للمرة الأولى منذ عرفه إيفان، متوترًا بشكل واضح لا يخفى، توترًا يتجاوز بكثير ما أظهره أي من زملائه أثناء تقييماتهم الخاصة.
“مستوى تحكم متقدم،” لاحظ الفارس الذي يقيّم أراك بفضول متزايد، مراجعًا ملاحظاته بعناية. “نادر جدًا لرجل يعيش متخفيًا في مدينة صغيرة كهذه منذ سنوات، حسب ما ذكرته لنا. كيف بلغت هذا المستوى بالتحديد؟”
تردد أراك للحظة أطول من المعتاد قبل أن يجيب، إجابة مقتضبة عن تدريب شخصي مكثف بعد فقدانه عائلته في حرب قديمة، إجابة صحيحة جزئيًا لكنها، لاحظ إيفان بقلق، تفتقر إلى بعض التفاصيل التي عادة ما يشاركها أراك بصراحة أكبر في أحاديثهما الخاصة السابقة.
انتهت جلسة تقييم أراك أخيرًا، دون أي إشارة واضحة إلى شك حقيقي من جانب الفارس القائم بالتقييم، لكن أراك خرج من الجلسة بوجه شاحب غير معتاد، وابتعد بسرعة نحو حافة القصر دون أن ينتظر بقية الفريق.
لحق به إيفان بقلق صادق. “أراك؟ هل كل شيء بخير؟”
نظر أراك إليه للحظة، عينان تحملان شيئًا لم يره إيفان فيهما من قبل، خوفًا حقيقيًا غير مألوف على رجل بقوته وهدوئه المعتاد. “أنا بخير يا إيفان. فقط… لم أتوقع أن أواجه أسئلة كهذه اليوم. ذكريات قديمة، لا أكثر.”
لم يقتنع إيفان تمامًا بهذا التفسير المقتضب، لكنه احترم رغبة صديقه الواضحة في عدم مناقشة الأمر أكثر في تلك اللحظة، وسط كل التوتر المحيط بهم من زيارة الفرسان المقدسين.
بحلول المساء، أنهى القائد فارّون تقييماته لجميع الأفراد المعنيين في أوسترين، وأعلن، بلا مفاجأة كبيرة، أن المدينة “خالية من أي مؤشرات مقلقة تستدعي تحقيقًا إضافيًا في الوقت الحالي”، وإن كان سيترك ملاحظة رسمية بأن أوسترين “تستحق متابعة دورية نظرًا لتركيز القوة غير المعتاد فيها لمدينة بحجمها.”
غادر الفرسان المقدسون في صباح اليوم التالي بنفس الهيبة الصامتة التي دخلوا بها، تاركين خلفهم مدينة أصبحت فجأة أكثر وعيًا بحجمها الحقيقي الصغير مقارنة بمخاطر أكبر بكثير تتحرك في هذا العالم، مخاطر لم يكن أي منهم يدرك عمقها الحقيقي حتى ذلك اليوم.
في تلك الليلة نفسها، بعد رحيل الفرسان، اجتمع إيفان وفولك وبوريس في مكتب فولك، يناقشون بثقل ما حدث ذلك اليوم.
“مستوى خامس،” قال بوريس بصوت يحمل رهبة صادقة. “لم أتخيل يومًا أن قوة بهذا الحجم موجودة أصلاً، ناهيك عن أن أحدًا بلغها فعلاً.”
“وهذا بالتحديد ما يقلقني،” قال فولك بجدية عميقة. “إن كان هناك من يملك قوة كهذه يتجول في هذا العالم، حتى لو كان مختفيًا الآن، فهذا يعني أن كل ما نواجهه هنا في أوسترين، بيت فولغرين، الذئاب السود، حتى ضعف اللورد دورين نفسه، ليس سوى جزء صغير جدًا من صراعات أكبر بكثير تتحرك في الظل بعيدًا عن إدراكنا.”
جلس إيفان صامتًا، يفكر في ثقل اليوم كله، في قصة سيد الرماد وقوته التي تتجاوز كل تصور، وفي توتر أراك الغريب أثناء تقييمه، وفي شعور متنامٍ بأن مدينته الصغيرة، رغم كل جهودها للنهوض من جديد، لا تزال مجرد نقطة صغيرة هشة في عالم أكبر وأخطر بكثير مما تخيله يومًا حين بدأ حملته البسيطة لتطهير طريق تجاري واحد.
في صباح اليوم التالي، حين توجّه إيفان لتفقد أراك بعد قلقه المستمر من توتره الواضح في اليوم السابق، وجد غرفته في نُزل صغير قرب أطراف المدينة فارغة تمامًا، أغراضه القليلة اختفت بالكامل، ولم يترك خلفه سوى رسالة مقتضبة على الطاولة، بخط يد سريع مضطرب لا يشبه هدوء أراك المعتاد في كل شيء آخر:
“إيفان، اضطررت للرحيل فجأة. أسئلة الفرسان أعادت إلى ذهني شيئًا ظننت أنني دفنته إلى الأبد، شيئًا يتعلق بحياتي قبل أن أفقد عائلتي، ارتباطًا لم أكن أعرف حجمه الحقيقي حتى سمعت قصة سيد الرماد والطاعون بالتفصيل. أحتاج أن أتحقق من شيء بنفسي قبل أن أستطيع العودة، أو حتى أن أشرح لك ما يدور في ذهني الآن. أثق أنك ستفهم حاجتي لهذا، كما فهمت دائمًا أشياء كثيرة أخرى. سأعود حين أجد إجابات، أو حين أتأكد أنني لا أستطيع إيجادها أبدًا. اعتنِ بالفريق، وثق أن غيابي ليس هروبًا من مسؤوليتي تجاهكم، بل ضرورة لا أستطيع تجاهلها. — أراك.”
وقف إيفان طويلاً يحمل الرسالة بيد مرتجفة قليلاً، ثقل يوم كامل من الرعب الوجودي والكشف عن حجم مخاطر تتجاوز كل تصوره يستقر على كتفيه من جديد، مع إضافة جديدة مقلقة الآن: أن أحد أقرب أصدقائه وأقواهم قد اختفى فجأة، مسحوبًا نحو ماضٍ غامض يتقاطع، بطريقة لم يفهمها إيفان بعد بوضوح كامل، مع أخطر حكاية سمعها في حياته كلها.