الفصل 203
رغم نجاح مشروع الري الذي قاده بوريس بحكمته الريفية البسيطة، ظلت آثار الجفاف الجزئي تلقي بظلالها على أسعار السوق في أوسترين لأسابيع تالية، ارتفاع تدريجي في تكاليف المعيشة لم يمسّ التجار الكبار كفولك كثيرًا، لكنه ضغط بثقل حقيقي على العائلات الصغيرة التي تعيش على هامش الكفاف، ومن بينها، دون أن يدرك إيفان حجم الأمر بوضوح كامل حتى تلك اللحظة، عائلة بوريس نفسه.
لاحظ إيفان أول إشارة إلى المشكلة في صباح عادي، حين وصل بوريس متأخرًا عن موعدهما المعتاد لأول مرة منذ أشهر طويلة، وجهه يحمل إرهاقًا لم يعتد إيفان رؤيته عليه، إرهاقًا مختلفًا عن تعب المعارك أو العمل الشاق في حقول الري.
“تأخرت،” قال إيفان بلطف، لا يحمل عتابًا حقيقيًا، لكنه فضول صادق. “هل كل شيء بخير يا بوريس؟”
“نعم، فقط… ليلة صعبة،” أجاب بوريس بإيجاز غير معتاد منه، محاولاً تجاوز الموضوع بسرعة، لكن إيفان، الذي تعلّم عبر سنوات من الصداقة قراءة تفاصيل صديقه الصغيرة، لاحظ شيئًا أعمق خلف تلك الكلمات المقتضبة.
“بوريس،” قال إيفان بجدية هادئة، متوقفًا عن المشي نحو مكتب فولك ليواجه صديقه مباشرة. “نعرف بعضنا منذ خمس سنوات. لا تحاول إخفاء شيء يثقلك عني. ماذا يحدث فعلاً؟”
تردد بوريس للحظة طويلة، صراع داخلي واضح على ملامحه بين كبريائه المعتاد وحاجته لمشاركة ثقل حقيقي بدأ يتراكم عليه منذ أسابيع. أخيرًا، أطلق زفيرًا طويلاً، وكأنه يتخلى عن مقاومة طال أمدها أكثر مما ينبغي.
“ارتفعت الأسعار كثيرًا يا إيفان، خاصة أسعار القمح والزيت،” اعترف أخيرًا بصدق مؤلم. “أنّا تحاول أن تدبر الأمر بأفضل ما تستطيع، لكن الراتب الذي أحصل عليه من مهامنا المشتركة، رغم سخائه مقارنة بما كنت أكسبه قبل انضمامي إليك، لم يعد كافيًا كما كان قبل أشهر قليلة فقط. ليا بدأت تسأل أسئلة صعبة، لماذا لا نشتري لها فاكهة كالتي كانت تراها في السوق قبل، لماذا يبدو وجه أمها متعبًا هذه الأيام.”
شعر إيفان بثقل الاعتراف يستقر في صدره، إدراك مفاجئ بأنه، رغم كل تركيزه على أزمات أوسترين الكبرى، فاته تمامًا تفصيلًا حيويًا واحدًا: أن أقرب أصدقائه، الرجل الذي وقف بجانبه في كل معركة تقريبًا منذ بداية هذه الحملة، يحمل بصمت ثقلاً عائليًا خاصًا لم يشاركه معه من قبل بهذا الوضوح.
“لماذا لم تخبرني بهذا من قبل يا بوريس؟” سأل إيفان بصدق مثقل بشيء أقرب إلى الأسى. “كنا سنجد حلاً، أي حل، قبل أن يصل الأمر إلى هذه الدرجة.”
هزّ بوريس رأسه ببطء، ابتسامة حزينة تعلو شفتيه. “لأنك مثقل بما يكفي بالفعل يا إيفان، ببيت فولغرين والذئاب السود ومصير أوسترين كاملة. لم أرد أن أضيف ثقلاً شخصيًا صغيرًا فوق كل ذلك. اعتقدت أنني أستطيع التعامل مع الأمر بنفسي، كما فعلت دائمًا.”
“ثقلك ليس “صغيرًا” يا بوريس،” قال إيفان بحزم لطيف. “عائلتك بنفس أهمية أي شيء آخر نحاول حمايته في هذه المدينة، ربما أهم. أريد أن أرى بيتك، أن ألتقي بأنّا وليا. حان الوقت لأتعرف على الجانب الآخر من حياتك الذي أخفيته عني طوال هذه السنوات، ولو جزئيًا.”
في ذلك المساء، وبإصرار صادق من إيفان، توجه الاثنان معًا نحو بيت بوريس الصغير في الطرف الشرقي المتواضع من أوسترين، بيت حجري بسيط بسقف من القرميد المتصدع جزئيًا، لكنه يحمل، حتى من الخارج، دفئًا عائليًا واضحًا: نافذة صغيرة يتسرب منها ضوء دافئ، ودالية عنب بسيطة تتسلق جدار المدخل، زرعتها أنّا بيديها منذ سنوات كما أخبر بوريس صديقه بفخر هادئ.
فتحت أنّا الباب، امرأة في أواخر الثلاثينيات، بملامح لطيفة تحمل تعبًا واضحًا لكنه لا يخفي جمالها الهادئ ولا قوتها الداخلية الظاهرة في وقفتها الثابتة. تفاجأت للحظة برؤية إيفان، الرجل الذي سمعت عنه الكثير من زوجها لكنها لم تلتقه شخصيًا من قبل رغم كل هذه السنوات.
“سيد إيفان،” قالت بابتسامة مهذبة مختلطة بدهشة حقيقية. “لم أكن أتوقع… تفضل، تفضل من فضلك.”
دخل إيفان البيت الصغير، ليجد نفسه في مساحة متواضعة لكنها مرتبة بعناية واضحة: طاولة خشبية بسيطة، موقد صغير يبعث دفئًا مريحًا، ورفوف قليلة تحمل أدوات منزلية أساسية وبعض الكتب البسيطة. لكن ما لفت انتباهه أكثر من أي شيء آخر كان الطفلة الصغيرة، ليا، ذات الخمس سنوات تقريبًا، التي اندفعت نحو والدها بحماس طفولي معتاد بمجرد رؤيته، قبل أن تتوقف فجأة، عيناها الواسعتان تحدقان بدهشة في الرجل الغريب الضخم الذي دخل معه.
“من هذا يا أبي؟” سألت بصوت طفولي فضولي، مختبئة قليلاً خلف ساق والدها.
ركع بوريس ليكون في مستوى نظر ابنته، ابتسامة أبوية دافئة تغمر وجهه بالكامل، تحول واضح عن الرجل الجاد الذي عرفه إيفان في ساحات القتال. “هذا صديقي إيفان يا صغيرتي، الرجل الذي أخبرتك عنه كثيرًا، الذي نساعده في حماية طرق مدينتنا.”
اتسعت عينا ليا بإعجاب فوري. “المحارب القوي؟ الذي يستطيع أن يصبح وحشًا؟”
ضحك إيفان ضحكة خفيفة، متفاجئًا بمعرفة الطفلة الصغيرة بتفاصيل قوته الخاصة، غير متأكد كيف يشعر بالضبط تجاه كونه موضوع حكايات يرويها بوريس لابنته الصغيرة قبل النوم.
“أنا كذلك أحيانًا يا ليا،” قال إيفان بلطف، محاولاً أن يبدو أقل تهديدًا لطفلة صغيرة رغم حجمه الضخم وندوبه الظاهرة. “لكنني الآن مجرد صديق لوالدك، جئت لأتناول العشاء معكم إن سمحتم لي بذلك.”
نظرت ليا إليه بجدية طفولية مضحكة، وكأنها تقيّم صدق كلماته بعناية فائقة، قبل أن تبتسم أخيرًا ابتسامة قبول عفوية. “حسنًا! هل تحب الحساء؟ أمي تصنع أفضل حساء في كل أوسترين!”
“سيسعدني تجربته،” قال إيفان بصدق، مبتسمًا رغمًا عنه أمام حماس الطفلة البريء، شعور دافئ غريب يتسلل إلى صدره، شعور لم يعتد الشعور به كثيرًا وسط حياة مليئة بالمعارك والمسؤوليات الثقيلة.
جلس الجميع حول الطاولة الصغيرة لتناول العشاء، حساء بسيط لكنه لذيذ حقًا كما وعدت ليا بفخر، وخبز طازج خبزته أنّا في وقت سابق من ذلك اليوم رغم كل أعباء يومها. راقب إيفان المشهد أمامه بانتباه صامت: بوريس يساعد ابنته على تناول طعامها بصبر أبوي واضح، أنّا تروي بلطف تفاصيل يوم عادي في حياتها، طفلة صغيرة تضحك بحرية دون أي وعي بثقل العالم الخارجي المحيط بمدينتها الصغيرة.
شعر إيفان، وسط هذا الدفء العائلي البسيط، بشيء يشبه الحسد الصامت، ليس حسدًا خبيثًا بل حزنًا هادئًا على حياة لم يسمح لنفسه يومًا بحلمها، حياة بسيطة مستقرة، بيت صغير ينتظره فيه أشخاص يحبونه لذاته لا لقوته أو مهاراته القتالية فقط، طفلة تركض نحوه بحماس بريء بمجرد عودته من يوم عمل عادي.
“تبدو شارد الذهن يا سيد إيفان،” قالت أنّا بلطف، ملاحظة تحول تعبيره لبرهة.
“آسف،” قال إيفان بابتسامة معتذرة. “فقط… أفكر في مدى جمال ما بنيتموه هنا، أنتما الاثنان. بيت حقيقي، دافئ، مليء بالحب. لم أختبر شيئًا كهذا منذ زمن طويل جدًا.”
تبادل بوريس وأنّا نظرة سريعة، تفاهم صامت بينهما، قبل أن تقول أنّا بصدق لطيف: “أنت مرحب بك دائمًا هنا يا سيد إيفان، متى شئت. أعرف أن بوريس يعتبرك أقرب من أخ له، وأي صديق حقيقي لزوجي هو صديق حقيقي لعائلتنا أيضًا.”
شعر إيفان بامتنان عميق لهذه الكلمات، لكنه شعر أيضًا بثقل السبب الحقيقي وراء زيارته تلك الليلة، ثقل لم ينسه رغم كل الدفء المحيط به. بعد أن أخذت أنّا ليا إلى غرفتها لتحضيرها للنوم، بقي إيفان وبوريس وحدهما عند الطاولة، فرصة أخيرًا لمناقشة الموضوع الأصعب بصراحة أكبر.
“بوريس،” قال إيفان بجدية هادئة. “أريد أن أساعدكم ماليًا. ليس صدقة، بل دعمًا يستحقه رجل ضحّى بوقته وجهده من أجل حملة تخدم مدينة كاملة، بينما تحمل بصمت ثقل إعالة عائلته الخاصة.”
تجمّد بوريس للحظة، ملامحه تتصلب بمزيج من الامتنان والكبرياء المتصارعين بوضوح. “أقدّر عرضك يا إيفان، حقًا، لكنني لا أستطيع قبوله.”
“لماذا؟” سأل إيفان بحيرة صادقة. “أنت صديقي، وتحتاج المساعدة، وأنا أملك الموارد الكافية لتقديمها. لا أرى مشكلة حقيقية في ذلك.”
“المشكلة ليست في قدرتك على المساعدة يا إيفان، بل فيما يعنيه قبولي لها،” شرح بوريس بصدق مؤلم، يبحث عن الكلمات الصحيحة للتعبير عن شيء يشعر به بعمق أكبر مما يستطيع نطقه بسهولة. “طوال حياتي، بنيت كرامتي على قدرتي على إعالة عائلتي بنفسي، بجهدي الخاص، لا بصدقة من أحد، حتى لو كان ذلك الأحد صديقًا حقيقيًا أثق به كما أثق بك. إن قبلت مالك الآن، مهما كانت نيتك الطيبة، سأشعر أنني فشلت في الوفاء بأهم مسؤولية أحملها كزوج وأب.”
فكّر إيفان في كلمات بوريس بجدية عميقة، محاولاً فهم منطق كبريائه دون أن يقلل من احترامه له، رغم إحباطه الصادق من رفض مساعدة بسيطة قد تخفف معاناة عائلة يحبها بصدق.
“أفهم كبرياءك يا بوريس، وأحترمها،” قال أخيرًا بحذر. “لكن ألا يوجد حل وسط؟ شيء لا يشعرك بأنك تتلقى صدقة، بل بأنك تكسب ما تحصل عليه بجهدك الحقيقي؟”
فكّر بوريس في السؤال طويلاً، قبل أن تلمع فكرة في عينيه تدريجيًا. “ربما… ربما يمكنني تولي مسؤوليات إضافية في الحملة، مسؤوليات تستحق أجرًا أعلى من الأجر الأساسي الذي أتقاضاه حاليًا. أنت تعرف مدى خبرتي في أنظمة الري والزراعة الآن بعد مشروع السواقي الأخير، وربما هناك مشاريع مماثلة أخرى تحتاجها أوسترين، مشاريع أستطيع قيادتها بخبرتي الخاصة، لا كصدقة بل كعمل حقيقي يستحق أجرًا حقيقيًا.”
ابتسم إيفان ابتسامة إعجاب حقيقية عند سماع هذا الاقتراح، مقدّرًا حكمة بوريس في إيجاد حل يحفظ كرامته دون رفض المساعدة الحقيقية التي يحتاجها بوضوح.
“هذا حل ممتاز يا بوريس،” قال بصدق. “في الواقع، أعتقد أن فولك سيسعد بفكرة توسيع مسؤولياتك لتشمل مشاريع بنية تحتية أخرى قد تحتاجها المدينة قريبًا، خاصة إن استمرت أزمة المياه أو ظهرت تحديات مشابهة في المستقبل. ستكسب أجرًا يستحقه عملك الحقيقي، لا صدقة من صديق.”
تنفس بوريس بارتياح واضح، ثقل الأسابيع الماضية يخف قليلاً عن كتفيه أخيرًا. “شكرًا لك يا إيفان، على فهمك، وعلى عدم إصرارك على فرض مساعدة كنت سأجدها صعبة القبول رغم حاجتي الحقيقية إليها.”
في اليوم التالي، ناقش إيفان الفكرة مع فولك، الذي رحّب بها فورًا بحماس تجاري صادق، مدركًا القيمة الحقيقية لخبرة بوريس العملية في مشاريع مستقبلية محتملة.
“فكرة ممتازة في الواقع،” قال فولك وهو يفكر بصوت مرتفع، عقله التجاري يعمل بسرعته المعتادة. “بوريس أثبت كفاءة حقيقية في مشروع الري الأخير، ولدي بالفعل أفكار لمشاريع أخرى قد تحتاج قيادة مماثلة: تحسين أنظمة تخزين الحبوب استعدادًا لأي أزمة مستقبلية، وربما حتى استكشاف إمكانية توسيع الأراضي الزراعية المروية إن سمحت الظروف بذلك لاحقًا.”
جلس إيفان يستمع لفولك يخطط بحماس متزايد، لكن سؤالاً أعمق كان يشغل ذهنه، سؤال عن التوازن الصعب بين الطموح الكبير الذي يحمله كل من فولك وإيفان نفسه، وبين قيمة الحياة البسيطة المستقرة التي يمثلها بيت بوريس الصغير الدافئ.
“فولك،” قال إيفان أخيرًا. “هل فكرت يومًا أن كل هذا الطموح، كل هذا السعي لبناء إمبراطورية تجارية، قد لا يستحق العناء مقارنة بشيء بسيط كما رأيته أمس في بيت بوريس؟ عائلة صغيرة سعيدة، مستقرة، بلا كل هذا الثقل من المسؤوليات الكبرى والمخاطر المستمرة؟”
توقف فولك عن حديثه، ونظر إلى إيفان بجدية عميقة غير متوقعة، وكأن السؤال لامس شيئًا فكّر فيه هو نفسه في لحظات هدوئه النادرة.
“سؤال عميق يا إيفان، ولا أملك إجابة بسيطة عليه،” قال فولك بصدق نادر. “لكنني أذكر مقولة سمعتها من أحد معلميّ القدامى في كارنوث، نُسبت إلى الملك أوزيريس الأول نفسه، مؤسس أول مملكة موحدة حقيقية في هذه القارة منذ قرون طويلة.”
نظر إليه إيفان بفضول متزايد. “وماذا قال؟”
تنحنح فولك قليلاً، محاولاً استحضار الكلمات بدقة كما سمعها. “يُروى أن الملك أوزيريس الأول، حين سأله أحد مستشاريه الشباب ذات يوم عن سر عظمة الممالك الحقيقية، أجابه: ‘لن تُقاس عظمة مملكة بامتداد حدودها أو ثقل خزائنها، بل بعدد البيوت الصغيرة الدافئة التي تنام بأمان تحت ظل حمايتها كل ليلة. فالتاج الذي لا يحمي بيتًا واحدًا بسيطًا، مهما لمع ذهبه، ليس سوى عبء ثقيل على رأس من يحمله.'”
صمت إيفان للحظة، يستوعب عمق تلك الكلمات القديمة، حكمة ملك عاش منذ قرون طويلة لكن كلماته لا تزال تحمل صدى حقيقيًا في قلب رجل يحاول اليوم أن يوازن بين طموحه الشخصي ومسؤوليته تجاه من يحبهم.
“حكمة عظيمة حقًا،” قال إيفان أخيرًا بإعجاب صادق. “أوزيريس الأول هذا يبدو أنه فهم شيئًا جوهريًا لم يفهمه كثير من الملوك الذين جاؤوا بعده.”
“هذا بالضبط ما يجعله يُذكر حتى اليوم كواحد من أعظم الحكام الذين عرفتهم هذه القارة،” وافق فولك بجدية. “لم تكن عظمته في اتساع ممتلكاته وحدها، بل في فهمه العميق أن كل تلك الممتلكات، كل ذلك الطموح الكبير، لا قيمة حقيقية له إن لم يخدم في النهاية أبسط الأشياء: بيتًا آمنًا، وعائلة سعيدة، وليلة هانئة بلا خوف.”
فكّر فولك للحظة إضافية، ثم أضاف بصدق شخصي نادر: “أعتقد أن هذا بالضبط ما أحاول تحقيقه أنا نفسي يا إيفان، حتى لو بدا طموحي التجاري أحيانًا بعيدًا عن هذا المبدأ. لا أبني إمبراطوريتي من أجل الذهب وحده، بل من أجل أن تصبح أوسترين نفسها ذلك البيت الآمن الكبير الذي تحدث عنه أوزيريس الأول، مكانًا تنام فيه كل العائلات الصغيرة بأمان حقيقي تحت حمايته.”
جلس إيفان يفكر في كلمات فولك وحكمة الملك القديم معًا، شعور جديد بالوضوح يتشكل تدريجيًا في ذهنه، إدراك أن طموحه الخاص وطموح فولك، رغم اختلاف أشكالهما الظاهرية، ربما يخدمان في النهاية نفس الغاية العميقة التي وصفها أوزيريس الأول بحكمته القديمة: حماية البيوت الصغيرة، لا تراكم القوة أو الثروة لذاتها.
“ربما لا يوجد تناقض حقيقي إذن بين طموحنا الكبير وبين قيمة حياة بوريس البسيطة،” قال إيفان بتأمل هادئ. “ربما كل ما نفعله، تطهير الطرق، مواجهة بيت فولغرين، بناء اقتصاد أوسترين من جديد، ليس سوى محاولة أوسع لحماية بيوت كثيرة مثل بيت بوريس، لضمان أن تبقى ليا قادرة على الركض بحماس نحو والدها كل مساء دون خوف من الجوع أو الخطر.”
ابتسم فولك ابتسامة عميقة عند سماع هذا الاستنتاج. “بالضبط يا إيفان. وهذا بالتحديد ما يجعل كل هذا الثقل الذي نحمله يستحق العناء في النهاية، مهما بدت الطريق صعبة أحيانًا.” .