الفصل 200 - عرض من كارنوث
وصلت الرسالة في صباح بارد من أواخر الخريف، محمولة على يد فارس وحيد يرتدي زيًا رسميًا لم يعتد أهل أوسترين رؤية مثله كثيرًا: قماش أزرق داكن مطرز بخيوط فضية على شكل ميزان تجاري متوازن، شعار عُرف في أوساط التجار الكبار عبر المقاطعة كله باسم “بيت فولغرين”، أحد أعرق البيوت التجارية في كارنوث وأكثرها نفوذًا في دوائر المال والسياسة معًا.
وقف الفارس عند باب مستودعات فولك، غير نازل عن حصانه، وسلّم الرسالة لأحد العمال بنبرة رسمية باردة لا تخلو من استعلاء خفي: “لسيد فولك، تاجر أوسترين. رد مطلوب خلال ثلاثة أيام.”
حين وصلت الرسالة أخيرًا إلى فولك، الذي كان يتفقد شحنة قماش جديدة وصلت للتو من الشمال، توقف عن عمله فورًا حين رأى الختم الشمعي الأزرق على الظرف، ختمًا يعرفه كل تاجر جاد في المقاطعة بمجرد النظر إليه.
“بيت فولغرين،” همس لنفسه بدهشة حقيقية، يقلّب الظرف بين أصابعه قبل أن يفتحه بحذر يشبه حذر رجل يفتح صندوقًا قد يحوي كنزًا أو فخًا في آن واحد.
قرأ فولك الرسالة مرتين كاملتين قبل أن يرفع رأسه، نظرة معقدة تمتزج فيها الحماسة المهنية بحذر عميق تشكّل عبر سنوات من التعامل مع تجار أكبر منه بكثير.
أرسل فولك في طلب إيفان وبوريس على الفور، وحين وصلا إلى مكتبه الصغير فوق المستودع الرئيسي، وجداه يقف عند نافذته ينظر إلى الشارع أدناه بتعبير لم يعتادا رؤيته على وجهه، مزيج من الترقب والقلق الحذر.
“ماذا حدث؟” سأل إيفان مباشرة، ملاحظًا التوتر الواضح في وقفة فولك.
مدّ فولك الرسالة نحوهما دون كلام إضافي. قرأها بوريس بصوت مرتفع ببطء، فمعرفته بالقراءة لا تزال محدودة مقارنة بإيفان وفولك، لكنه أصرّ دائمًا على المحاولة بنفسه أولاً:
“إلى السيد فولك، تاجر أوسترين الموقر. يسر بيت فولغرين التجاري أن يعرض عليكم شراكة استثمارية استراتيجية، تشمل رأس مال أولي سخي، وإمكانية الوصول الحصري إلى أسواق كارنوث بأسعار تفضيلية، ودعمًا لوجستيًا كاملاً لإعادة إعمار طرق التجارة بين مدينتينا. نرى في مشروعكم الطموح لإحياء أوسترين فرصة استثمارية واعدة تستحق الدعم من بيت عريق كبيتنا. نطلب لقاءً رسميًا خلال الأسبوع القادم لمناقشة التفاصيل.”
توقف بوريس عن القراءة، ونظر إلى فولك بحيرة واضحة. “هذا يبدو… جيدًا جدًا؟ أليس هذا ما كنت تحتاجه بالضبط؟ رأس مال، ووصول لأسواق كارنوث؟”
ابتسم فولك ابتسامة متعبة، ابتسامة رجل تعلّم من سنوات طويلة في عالم التجارة ألا يثق أبدًا بعرض يبدو مثاليًا جدًا دون تفحص دقيق.
“يبدو جيدًا جدًا يا بوريس، وهذا بالضبط ما يقلقني،” قال فولك وهو يجلس أخيرًا على مقعده، يفرك جبهته بتعب مفاجئ. “بيت فولغرين ليس بيتًا صغيرًا يبحث عن فرص استثمارية عشوائية. إنهم من أكبر خمسة بيوت تجارية في كارنوث كلها، لهم علاقات مباشرة مع الدوق فيلمونت نفسه، وتاريخ طويل من ابتلاع شركاء أصغر منهم بدل بناء شراكات حقيقية متوازنة.”
“إذن لماذا يهتمون بمدينة صغيرة فقيرة كأوسترين؟” سأل إيفان بجدية، عيناه ثابتتان على فولك.
“هذا بالضبط السؤال الذي يجب أن نجيب عليه قبل أن نوقّع على أي شيء،” قال فولك. “لا أحد بحجم بيت فولغرين يستثمر في مدينة نصف ميتة من دون سبب أعمق بكثير من “الإيمان بمشروعنا الطموح” كما تقول رسالتهم الرقيقة. هناك شيء آخر يريدونه، وعلينا أن نكتشفه قبل أن نجلس معهم على طاولة التفاوض، وإلا سنكون كرجل يتفاوض في الظلام بينما الطرف الآخر يرى كل شيء بوضوح.”
قضى فولك اليومين التاليين في عمل محموم، مستخدمًا كل خيط من شبكة معارفه ومراسليه المنتشرين بين كارنوث وأوسترين، يجمع كل معلومة متاحة عن بيت فولغرين وتحركاته الأخيرة، بينما تابع إيفان وبوريس مهامهما المعتادة في تنظيم دوريات حماية الطريق، لكن كلاهما شعر بثقل السؤال المعلّق يرافقه في كل مهمة.
في مساء اليوم الثاني، استدعى فولك إيفان وبوريس مجددًا، هذه المرة بابتسامة رجل وجد أخيرًا الخيط الذي كان يبحث عنه، ابتسامة انتصار حذر أكثر منها فرح كامل.
“وجدت شيئًا،” قال فولك وهو يبسط أمامهما مجموعة من الأوراق والملاحظات جمعها بخط يده الدقيق. “بيت فولغرين حصل مؤخرًا، منذ أشهر قليلة فقط، على معلومات جيولوجية أولية تشير إلى احتمال وجود رواسب معدنية ذات قيمة في السلسلة الجبلية المحيطة بغابة الظل الرمادي، تحديدًا في الأراضي المتاخمة لأوسترين من الشمال.”
“معادن؟” سأل بوريس بدهشة. “في تلك الجبال المهجورة؟”
“هذا ما تشير إليه المعلومات، وإن كانت غير مؤكدة تمامًا بعد،” أوضح فولك. “لكن الأهم من التأكد الكامل هو أن بيت فولغرين، بمجرد سماعه بهذا الاحتمال، بدأ يبحث عن طريقة لتأمين حقوق التنقيب في تلك المنطقة قبل أن يكتشفها أي منافس آخر. المشكلة الوحيدة أمامهم هي أن تلك الأراضي، رسميًا، تقع ضمن نفوذ اللورد دورين، حاكم أوسترين، وأي اتفاق مباشر معه سيثير تساؤلات وسيكلفهم تفاوضًا سياسيًا معقدًا ومكلفًا.”
أدرك إيفان الصورة تتكشف أمامه بوضوح متزايد. “لذا يريدون الدخول من باب أسهل: شراكة معنا، تحت غطاء “دعم إعادة إعمار أوسترين”، تمنحهم لاحقًا موطئ قدم شرعيًا للتفاوض على حقوق تلك الأراضي بشروطهم الخاصة، دون أن يبدو الأمر استيلاءً مباشرًا.”
“بالضبط،” قال فولك بجدية. “قرأت الرسالة مجددًا بهذا الفهم الجديد، وانتبهت إلى تفصيل صغير تجاوزته في القراءة الأولى: عبارة غامضة عن “حق الأولوية الدائمة في أي مورد جديد تكتشفه أوسترين مستقبلاً”. عبارة تبدو بريئة تمامًا في سياق عرض استثماري عام، لكنها في الحقيقة تمنحهم، إن وقعنا عليها، حقًا قانونيًا شبه مطلق على أي ثروة معدنية تُكتشف في تلك الجبال، بأسعار وشروط سيحددونها هم لاحقًا وليس نحن.”
جلس إيفان صامتًا للحظة، يستوعب حجم الخديعة المحتملة المغلفة بلغة تجارية أنيقة. “إذن هذا العرض بأكمله ليس عن مساعدة أوسترين، بل عن استخدامنا كباب خلفي للوصول إلى ثروة محتملة يريدون احتكارها.”
“جزئيًا فقط،” قال فولك بصدق، حريصًا كعادته على عدم المبالغة في تفسير نوايا الآخرين. “لا أستبعد أنهم يرون أيضًا فرصة استثمارية حقيقية في أوسترين نفسها، فالمدينة بدأت تتعافى فعلاً بفضل جهودنا، ورأس مال بيت فولغرين قد يسرّع هذا التعافي فعلاً. لكن الشرط الخفي حول حقوق الموارد يكشف أن مصلحتهم الأساسية، الحقيقية، ليست تعافي أوسترين لذاته، بل ما يمكن أن يجنوه من ذلك التعافي لاحقًا، حتى لو كان الثمن حرمان أوسترين نفسها من أي فرصة مستقبلية لاستثمار ثرواتها الخاصة بشروطها الخاصة.”
“ماذا سنفعل إذن؟” سأل بوريس. “نرفض العرض بالكامل؟”
فكّر فولك طويلاً قبل أن يجيب، ينظر إلى الأوراق أمامه بتركيز عميق. “لا. الرفض الكامل قد يبدو خطوة آمنة، لكنه في الحقيقة قد يكون الخطأ الأكبر. بيت فولغرين قوي جدًا، وله علاقات تمتد حتى إلى الدوق فيلمونت نفسه. رفض عرضهم بشكل مباشر وقاطع قد يحوّلهم من مستثمرين طامعين إلى أعداء نشطين يبحثون عن طرق أخرى، أكثر عدوانية، للحصول على ما يريدون.”
“إذن ماذا تقترح؟” سأل إيفان بفضول حقيقي، يعرف من تجربته السابقة مع فولك أن ذكاءه التجاري نادرًا ما يقدم حلولاً بسيطة ثنائية.
“أقترح أن أذهب إلى ذلك اللقاء، وأتفاوض،” قال فولك بثقة هادئة بدأت تتشكل في صوته. “لكن ليس لأوافق على شروطهم كما هي، بل لأعيد صياغة الاتفاق بطريقة تحفظ استقلالية أوسترين الحقيقية، مع منحهم شيئًا يستحق رحلتهم إلى هنا، لكن دون التوقيع على عبودية اقتصادية مقنّعة بلغة استثمارية أنيقة.”
بعد ثلاثة أيام من التحضير الدقيق، وصل ممثل بيت فولغرين إلى أوسترين شخصيًا، ليست مندوبًا عاديًا كما توقع فولك، بل عضوة من العائلة نفسها: “السيدة إيزولدا فولغرين”، امرأة في أواخر الثلاثينيات، ترتدي ثيابًا فاخرة بأناقة محسوبة بدقة، بشعر أشقر مصفف بإتقان وعينين زرقاوين باردتين تحملان ذكاءً حادًا لا يخطئه من يواجهها مباشرة.
استقبلها فولك في مكتبه بأدب رسمي متوازن، برفقة إيفان الذي أصرّ على الحضور كشاهد صامت، ليس لخبرته التجارية بل لحضوره الجسدي المهيب الذي يذكّر الطرف الآخر، بصمت لا يحتاج كلمات، أن أوسترين ليست مدينة عزلاء تمامًا.
“سيد فولك،” قالت إيزولدا بابتسامة مصقولة بعناية، جلست دون انتظار دعوة رسمية، بثقة امرأة اعتادت أن تكون أهم شخص في أي غرفة تدخلها. “سررت أخيرًا بلقائك شخصيًا. سمعت الكثير عن ذكائك التجاري من مصادر متعددة في كارنوث.”
“والسمعة نفسها سبقتك إلى هنا يا سيدتي،” ردّ فولك بابتسامة مماثلة في التصنّع المهذب. “بيت فولغرين اسم يُذكر بإجلال حقيقي في كل دائرة تجارية أعرفها.”
بدأت المفاوضات بلطف ظاهري، إيزولدا تستعرض تفاصيل العرض بلغة أنيقة مصقولة، تتحدث عن “رؤية مشتركة” و”شراكة تاريخية بين مدينتين” و”استثمار في مستقبل واعد”، بينما استمع فولك بصبر محسوب، يومئ برأسه في اللحظات المناسبة، لكن عينيه لم تفارقا يقظتهما التحليلية طوال الوقت.
حين انتهت إيزولدا من عرضها، ابتسم فولك ابتسامة هادئة قبل أن يقول: “عرض سخي حقًا يا سيدة إيزولدا، ولا أشك في صدق اهتمام بيتكم العريق بمستقبل أوسترين.” توقف للحظة محسوبة بدقة قبل أن يتابع: “لكنني لاحظت بندًا صغيرًا في الرسالة الأصلية أثار فضولي: ‘حق الأولوية الدائمة في أي مورد جديد تكتشفه أوسترين مستقبلاً’. بند عام جدًا في صياغته، أليس كذلك؟ يجعلني أتساءل عن أي نوع من الموارد تتحدثين بالتحديد.”
تجمّدت ابتسامة إيزولدا للحظة قصيرة جدًا، بالكاد يمكن ملاحظتها لغير عين متمرسة كعين فولك، قبل أن تستعيد رباطة جأشها بسرعة احترافية.
“بند احترازي عام يا سيد فولك، لا أكثر،” قالت إيزولدا بسلاسة مدروسة. “أي اتفاق استثماري جاد يتضمن بنودًا مماثلة لحماية مصالح الطرفين على المدى الطويل، سواء تعلق الأمر بموارد زراعية أو معدنية أو حتى فرص تجارية جديدة قد تظهر.”
“فهمت تمامًا،” قال فولك بنبرة ودودة لا تكشف شيئًا من الورقة الرابحة التي يخفيها. “لكنني، بصفتي رجل أعمال حريص على الشفافية الكاملة مع شركائي المحتملين، أشعر أنني يجب أن أشارككِ معلومة وصلتني مؤخرًا، ربما تكونين على علم بها أصلاً، لكنني أفضّل التأكد.”
نظرت إليه إيزولدا بحذر متزايد، حذر خبيرة تشعر أن أرضية المحادثة بدأت تتحول تحت قدميها دون أن تفهم بعد كيف.
“سمعت أن بيت فولغرين حصل مؤخرًا على تقييم جيولوجي أولي يشير إلى احتمال وجود رواسب معدنية في السلسلة الجبلية شمال أوسترين،” قال فولك ببساطة مباشرة، مراقبًا كل تغير دقيق في تعابير وجهها. “معلومة مثيرة للاهتمام، خاصة أنها تفسّر تمامًا سبب اهتمام بيت بحجمكم بمدينة صغيرة كأوسترين لم تكن على راداركم قبل أشهر قليلة فقط.”
صمتت إيزولدا لثوانٍ طويلة، حساب سريع يجري خلف عينيها الزرقاوين الباردتين، قبل أن تقرر أخيرًا تغيير استراتيجيتها من الإنكار الكامل إلى اعتراف جزئي محسوب.
“لديك مصادر معلومات جيدة يا سيد فولك، أعترف بذلك،” قالت بابتسامة أقل دفئًا هذه المرة، أقرب إلى تقدير محارب لمحارب آخر أثبت جدارته. “نعم، لدينا اهتمام محتمل بتلك الموارد، إن وُجدت فعلاً بالكميات التي تشير إليها التقارير الأولية. لكن هذا لا يغيّر جوهر عرضنا: استثمار حقيقي وسخي في أوسترين، بغض النظر عن أي فوائد جانبية محتملة قد نجنيها لاحقًا من تعاون طويل الأمد.”
“لا أشك في سخاء رأس المال المعروض يا سيدتي،” قال فولك بصراحة محسوبة. “لكن السخاء الظاهر في البداية لا يعني عدالة الشروط على المدى الطويل. بند “الأولوية الدائمة” كما صيغ حاليًا يمنح بيتكم حقًا شبه مطلق على أي ثروة مستقبلية تكتشفها أوسترين، بأسعار وشروط تحددونها أنتم فعليًا، لا نحن. هذا ليس استثمارًا متوازنًا، سيدتي، بل عبودية اقتصادية طويلة الأمد مغلفة بلغة أنيقة.”
احمرّ وجه إيزولدا قليلاً عند سماع كلمة “عبودية”، لكنها تمالكت نفسها بسرعة، امرأة تعلّمت عبر سنوات التفاوض ألا تسمح لغضبها بالسيطرة على قراراتها. “كلمات قاسية يا سيد فولك، لمشروع نعتقد صادقين أنه يخدم مصلحة الطرفين.”
“لست هنا لأهينك يا سيدة إيزولدا، بل لأتفاوض بصراحة تامة،” قال فولك بهدوء لم يفقده رغم توتر اللحظة. “لدي عرض مضاد أعتقد أنه أكثر توازنًا، ويحقق لكم فائدة حقيقية دون أن يجعل أوسترين رهينة اقتصادية دائمة.”
استمعت إيزولدا بصمت متيقظ، بينما أخرج فولك ورقة أعدها مسبقًا بعناية فائقة خلال اليومين الماضيين.
“بدل حق الأولوية الدائمة والمطلق،” شرح فولك، “أقترح اتفاقًا محددًا بخمس سنوات، يمنحكم خلاله حق التفاوض الأول، لا الحصري، على أي اكتشاف معدني جديد، بأسعار سوقية عادلة تُحدَّد عبر تقييم مستقل متفق عليه من الطرفين، لا بأسعار تفرضونها أنتم من طرف واحد. في المقابل، سنرحب برأس مالكم الاستثماري، وبفتح أسواق كارنوث أمام منتجات أوسترين، بشروط تجارية عادلة متبادلة، لا شروط تفضيلية غامضة تخدمكم أنتم وحدكم.”
نظرت إيزولدا إلى الورقة أمامها بتمعن طويل، تحسب في ذهنها الأرباح المحتملة مقابل الخسائر النسبية لهذا العرض المعدّل مقارنة بعرضها الأصلي الطموح.
“خمس سنوات فقط، وليست دائمة؟” سألت أخيرًا، محاولة أخيرة لانتزاع تنازل إضافي.
“خمس سنوات قابلة للتجديد بشروط متفق عليها حين ينتهي الأجل الأصلي، إن أثبتت الشراكة جدواها الحقيقية للطرفين معًا،” أجاب فولك بحزم لطيف لكنه لا يقبل التراجع. “هذا عرض عادل يا سيدتي، لا مزيد ولا أقل. أوسترين تستحق فرصة حقيقية لتقرير مصيرها الاقتصادي، لا أن تصبح مجرد ملحق تابع لثروة بيت فولغرين.”
طال صمت إيزولدا هذه المرة، صمت حقيقي يحمل حسابات معقدة تدور خلف عينيها الباردتين. أخيرًا، نهضت من مقعدها ببطء محسوب، وابتسمت ابتسامة لا تحمل دفئًا حقيقيًا، بل احترامًا حذرًا مختلطًا بشيء أقرب إلى التهديد المهذب.
“عرضك المعدّل ليس ما جئت من أجله يا سيد فولك،” قالت بصراحة باردة. “سأنقل تفاصيله إلى مجلس عائلتنا، لكنني لا أستطيع أن أعدك بقبولهم شروطًا أقل سخاءً بكثير مما نعرضه عادة لشركاء أصغر منا.”
“أفهم ذلك تمامًا يا سيدتي،” قال فولك بأدب لا يخفي حزمه الأساسي. “وأنا بدوري لا أستطيع أن أعد بتوقيع اتفاق يهدد استقلالية مشروع عملت بجد شديد لبنائه من الصفر. إن قررتم أن عرضي المعدل غير مقبول، فسأحترم قراركم، ونمضي كل في طريقه، دون ضغائن من جانبنا على الأقل.”
نظرت إيزولدا إلى إيفان الصامت طوال اللقاء تقريبًا، ثم عادت نظرها إلى فولك، وقالت بنبرة حملت تحذيرًا مبطنًا رقيقًا: “آمل، من أجل مصلحة أوسترين نفسها يا سيد فولك، ألا يكون رفضك هذا خطأً ستندم عليه لاحقًا. المدن الصغيرة التي ترفض المساعدة السخية أحيانًا تجد نفسها بلا أي مساعدة على الإطلاق حين تحتاجها أكثر ما تحتاج.”
غادرت إيزولدا المكتب بخطى واثقة، تاركة خلفها صمتًا مثقلاً بتوتر لم ينفجر بشكل مباشر لكنه ترك أثره الواضح في الغرفة. انتظر إيفان حتى سمع صوت عربتها تبتعد في الشارع قبل أن يتكلم أخيرًا.
“هل كان ذلك تهديدًا؟” سأل بجدية.
“تهديد مهذب جدًا، لكنه تهديد على أي حال،” أجاب فولك وهو يجلس أخيرًا، تعب واضح يتسلل إلى ملامحه بعد ساعة كاملة من التوتر المكتوم. “بيوت تجارية بحجم فولغرين لا تحب أن تُرفض، حتى برفض مهذب ومعدّل كهذا. لن يتركوا الأمر هكذا ببساطة، أنا متأكد من ذلك.”
“إذن ماذا نتوقع الآن؟” سأل بوريس بقلق حقيقي.
“لا أعرف بالضبط،” اعترف فولك بصدق نادر يظهر ثقل اللحظة عليه. “قد يعودون بعرض معدّل أفضل، مقتنعين أن استثمارًا محدودًا خير من لا شيء. أو قد يبحثون عن طريق آخر، أقل رسمية وأكثر خطورة، للحصول على ما يريدون. رأيت هذا النوع من التصرف من قبل في بيوت تجارية كبرى تشعر أنها تعرضت للإهانة، حتى لو كانت إهانة مصقولة بلغة تجارية أنيقة.”
جلس الثلاثة صامتين للحظة، يفكر كل منهم في تبعات ما حدث للتو. كسر إيفان الصمت أخيرًا، بسؤال ظل يشغل ذهنه طوال اللقاء.
“لماذا رفضت العرض بالكامل بدل قبوله بشروطه الأصلية يا فولك؟ حتى بشروطهم غير العادلة، ألم يكن ذلك سيمنحنا رأس مال تحتاجه أوسترين بشدة الآن؟”
فكّر فولك في السؤال بجدية قبل أن يجيب. “لأن هناك فرقًا جوهريًا يا إيفان بين مساعدة تُبنى عليها استقلالية حقيقية، ومساعدة تخلق تبعية دائمة. لو وقّعت على شروطهم الأصلية، كنا سنحصل على انتعاش اقتصادي سريع، نعم، لكن على حساب مستقبل أوسترين كاملاً، محكومة إلى الأبد بقرارات بيت تجاري بعيد لا يهتم فعلاً بمصلحة أهلها، بل فقط بالربح الذي يمكن استخراجه منها.”
توقف قليلاً، ثم أضاف بصدق عميق: “أتذكر ما قلته لك في تلك الليلة التي أخبرتك فيها بطموحي الحقيقي، عن رغبتي في بناء إمبراطوريتي التجارية الخاصة بدءًا من أوسترين. لن أبني تلك الإمبراطورية على أنقاض استقلالية المدينة نفسها. إن كنت سأنجح، أريد أن أنجح لأنني بنيت شيئًا حقيقيًا يخدم أهلها أيضًا، لا لأنني ساعدت في تحويلها إلى مجرد مستعمرة اقتصادية لبيت تجاري أكبر مني.”
نظر إيفان إلى فولك نظرة إعجاب عميق، مقدّرًا حجم الحكمة والشجاعة في قراره، خاصة مع معرفته بحجم المخاطرة التي ينطوي عليها استعداء بيت تجاري بقوة فولغرين.
“إن كانوا سيبحثون عن طريقة أخرى للوصول لما يريدون، أخرى أقل رسمية كما قلت،” قال إيفان بجدية متزايدة، “فهذا يعني أننا بحاجة لأن نكون أكثر يقظة تجاه أي تحرك مشبوه حول تلك الجبال، أي فريق تنقيب غير مصرح به، أي محاولة للضغط على اللورد دورين مباشرة.”
“بالضبط ما كنت أفكر فيه،” وافق فولك. “سأطلب من شبكة مراسليّ مراقبة أي تحرك لبيت فولغرين في المنطقة عن كثب أكبر من المعتاد. لا أريد أن نُفاجأ بشيء لم نستعد له.”
هزّ بوريس رأسه بجدية، لكن سؤالاً آخر كان يشغله. “هل تعتقد أن لهذا علاقة بالرسالة الغامضة التي وصلتنا من معسكر الذئاب السود؟ تلك التي تتبعتها إلى داخل كارنوث نفسها؟”
توقف فولك عن الحركة للحظة، فكرة لم يربطها بوضوح كافٍ حتى تلك اللحظة بدأت تتشكل في ذهنه.
“لم أفكر في ذلك بشكل مباشر حتى الآن،” قال ببطء، يزن الاحتمال بجدية متزايدة، “لكن السؤال منطقي جدًا يا بوريس. إن كان بيت فولغرين مهتمًا بإبقاء أوسترين ضعيفة وغير مستقرة، ريثما يحصلون على ما يريدون من حقوق الموارد بشروط تخدمهم، فربما كان تمويل قُطّاع الطرق، إبقاء الطرق التجارية خطرة وغير آمنة، جزءًا من استراتيجية أوسع لإضعاف المدينة، أو على الأقل إبقائها ضعيفة بما يكفي لتقبل شروطًا استثمارية مجحفة حين تُعرض عليها أخيرًا.”
شعر إيفان بثقل جديد يستقر في صدره، إدراك متصاعد أن معركته الصغيرة لتطهير الطرق ربما كانت دائمًا جزءًا من صراع أكبر بكثير مما تخيله في البداية، صراع بين مدينة صغيرة تحاول النهوض بكرامتها، وقوة اقتصادية ضخمة لا تمانع في إبقائها راكعة إن كان ذلك يخدم مصالحها.
“إذن نحن لا نقاتل قُطّاع طرق عاديين فحسب،” قال إيفان بصوت هادئ لكنه حمل تصميمًا جديدًا. “نحن نقاتل، ربما دون أن ندرك ذلك بالكامل حتى الآن، ضد بيت تجاري كامل يريد أن تبقى أوسترين ضعيفة إلى الأبد.”
في تلك الليلة، بعد أن غادر إيفان وبوريس مكتب فولك، جلس فولك وحيدًا لبعض الوقت، ينظر إلى نسخة من عرضه المعدّل الذي قدّمه لإيزولدا، يعيد التفكير في كل تفصيل من اللقاء الذي جرى، محاولاً استباق الخطوة التالية المحتملة لبيت فولغرين.
كان يعرف، بحدسه التجاري المصقول عبر سنوات، أن هذا لن يكون آخر تحرك من جانبهم. بيوت تجارية بحجمهم لا تستسلم بسهولة أمام رفض واحد، مهما كان مهذبًا ومحسوبًا. سيعودون، بطريقة أو بأخرى، وربما لن تكون طريقتهم القادمة بنفس القدر من الرسمية أو اللطف الظاهري الذي أظهرته إيزولدا اليوم.
فكّر أيضًا في المسؤولية المتزايدة التي بدأ يشعر بثقلها أكثر فأكثر: لم يعد الأمر مجرد بناء مشروعه التجاري الشخصي، بل أصبح، شاء أم أبى، مسؤولاً جزئيًا عن حماية استقلالية مدينة كاملة من طمع قوة اقتصادية أكبر بكثير منه ومن كل ما يملكه من موارد. سؤال ثقيل بدأ يتشكل في ذهنه: هل يملك فعلاً القوة الكافية، وحده أو حتى بمساعدة إيفان وبوريس، لمواجهة تهديد بهذا الحجم إن قرر بيت فولغرين التصعيد؟
في اليوم التالي، اجتمع إيفان وفولك وبوريس مرة أخرى، هذه المرة بحضور كارلا التي أصرت على المشاركة بعد سماعها تفاصيل اللقاء من إيفان، مدركة أن تهديدًا بهذا الحجم يستحق انتباه كل من يهتم فعلاً بمستقبل أوسترين.
“يجب أن نستعد لاحتمالين رئيسيين،” قال فولك وهو يستعرض خطته أمام الجميع. “الأول أن يعودوا بعرض معدّل أقرب لشروطي، مقتنعين أن استثمارًا محدودًا خير من لا شيء على الإطلاق. الثاني، وهو الأخطر، أن يقرروا تجاوزنا تمامًا، والبحث عن طريقة أخرى للتأثير على اللورد دورين مباشرة، أو حتى تمويل قوى معادية أخرى غير قُطّاع الطرق الحاليين لزعزعة استقرار المدينة أكثر.”
“سنحتاج عيونًا أكثر في كل مكان إذن،” قالت كارلا بجدية، ذكاؤها التكتيكي واضحًا في تحليلها السريع للموقف. “ليس فقط على الطرق التجارية، بل داخل المدينة نفسها، حول قصر اللورد دورين، وحول أي تحرك غريب قد يشير إلى تدخل خارجي جديد.”
وافق إيفان برأسه، شعور بثقل مسؤولية متصاعدة يستقر على كتفيه أكثر فأكثر مع كل اجتماع كهذا، لكنه شعر أيضًا، للمرة الأولى منذ سماعه بعرض بيت فولغرين، بشيء أقرب إلى الوضوح: عدو حقيقي بدأ يتشكل أخيرًا من الظلال الغامضة التي طاردتهم منذ بداية هذه الحملة، عدو له اسم ووجه الآن، حتى لو ظل معظم تحركاته لا تزال مخفية.
بعد انتهاء الاجتماع، بقي إيفان قليلاً وحيدًا مع فولك، سؤال شخصي كان يشغل ذهنه منذ اللقاء مع إيزولدا.
“هل تخشى أن يكون قرارك اليوم خطأً يا فولك؟” سأل بصدق. “رفضت فرصة استثمارية ضخمة من أجل مبدأ، من أجل استقلالية مدينة قد لا تنجو أصلاً إن قرر بيت بهذه القوة أن يحاربنا بجدية.”
فكّر فولك في السؤال طويلاً قبل أن يجيب، صدق نادر يظهر في نبرته. “لا أعرف بشكل كامل يا إيفان، بصراحة تامة. هناك جزء مني يتساءل إن كنت قد ضحيت بفرصة حقيقية من أجل مثالية قد لا نستطيع تحمّل ثمنها لاحقًا. لكن هناك جزء آخر، أكبر بكثير، يعرف أنني ما كنت لأستطيع النظر في المرآة لو وقّعت على اتفاق يحوّل أوسترين إلى مجرد أداة لثراء بيت آخر، حتى لو كان ذلك يعني نموًا اقتصاديًا أسرع على المدى القصير.”
نظر إلى إيفان بجدية عميقة. “تذكّر ما قلته لك ذات مرة عن الفرق بين الذهب السريع والذهب الدائم. هذا القرار كان اختيار الذهب الدائم، حتى لو كان الطريق إليه أصعب وأخطر بكثير مما توقعت.”
في تلك الليلة، عاد إيفان إلى نُزل الغراب الأسود متأخرًا، ذهنه مثقل بكل ما سمعه وناقشه ذلك اليوم. وجد مارتا لا تزال مستيقظة، تنتظره كعادتها الجديدة منذ ليلة اعترافها الكبير قبل أسابيع قليلة، دفء بيتها الصغير يستقبله كملاذ حقيقي وسط كل التعقيدات المتصاعدة في حياته.
“تبدو مثقلاً الليلة،” قالت مارتا وهي تلاحظ التعب الواضح على وجهه.
“أزمة جديدة تتشكل يا مارتا،” اعترف إيفان بصدق، متذكرًا وعده لها بألا يخفي عنها خطورة ما يواجهه. “بيت تجاري كبير من كارنوث بدأ يظهر اهتمامًا بأوسترين، اهتمامًا قد لا يكون في مصلحتنا الحقيقية على المدى الطويل.”
استمعت مارتا بجدية، وهي تحضر له طبقًا بسيطًا من الطعام رغم الساعة المتأخرة. “هل هذا خطر حقيقي، أم مجرد قلق مبكر؟”
“لست متأكدًا بعد،” أجاب إيفان بصدق. “لكنني أشعر أننا دخلنا للتو مرحلة جديدة من هذه المعركة، مرحلة لن تُحسم بالسيف وحده، بل بالذكاء والصبر والتحالفات الصحيحة.”
ابتسمت مارتا ابتسامة حزينة قليلاً، لكنها حملت أيضًا ثقة هادئة. “تذكّر وعدك لي يا إيفان: أن تحاول دائمًا العودة، بكل ما تملك من قوة وإرادة. لا يهمني إن كانت المعركة بالسيف أو بالكلمات أو بأي شيء آخر، طالما أنك تعود في النهاية.”
“سأحاول،” قال إيفان بصدق، يمسك يدها للحظة بامتنان صامت. ” سأحاول دائما.”
جلسا معًا لبعض الوقت في صمت مريح، النار في الموقد تتراقص بهدوء كعادتها، بينما فكّر إيفان في كل التعقيدات المتصاعدة حوله: عدو اقتصادي جديد ذو نفوذ يفوق أي شيء واجهه من قبل، سؤال معلق عن ارتباط محتمل بين بيت فولغرين وتمويل الذئاب السود، ومسؤولية متزايدة تجاه مدينة كاملة بدأت تعتمد عليه وعلى فريقه أكثر فأكثر مع مرور كل أسبوع.
Sou: وصلنا المئوية الثانية من روايتي أشكر كل من بلغ هذا الحد معي أعلم انني ارتكبت الكثير من الاخطاء و سوء السرد أيضا ربما كان هناك فصول لا قيمة لها لم تعجب الجميع ربما شهر بعضكم بالملل و أعلم أن روايتي لم تترك فيكم أثرا كبيرا و على الأرجح لن تترك و مع ذلك سأحاول تقديم أفضل ما لدي و كما قلتها في البداية سبب كتابتي لرواية كان رغبة قد يصفها البعض بالطفولية رغبة بأن أشارك بعض من خيالاتي مع مختلف القراءة و وجهات النظر و بلوغك هذا الفصل دليل على اهتمامك و لو كان بسيطا و هذا جعلني أسعد لوجود أشخاص مثلك شكرا لك.