الفصل 199
في الصباح التالي لمعركة غابة الظل الرمادي، ورغم أن جسده لا يزال يحمل آثار تعب المعركة وجرحًا سطحيًا على ذراعه، لم ينتظر إيفان طويلاً قبل أن يتوجه إلى مكتب فولك، حاملاً الرسالة الغامضة التي وجدها في معسكر الذئاب السود مطوية بعناية داخل جيب معطفه، كأنها قطعة زجاج هشة قد تتحطم قيمتها إن لم يحافظ عليها بحذر كافٍ.
وجد فولك في مكتبه كعادته، لكن هذه المرة كان يراجع تقارير مختلفة عن المعتاد، أوراقًا تحمل أرقامًا وأسماء تجار غرباء عن أوسترين، وكأنه كان يتحضر لأمر أكبر من مجرد إدارة قوافل يومية.
“سيد إيفان،” رحّب به فولك وهو يرفع رأسه، ثم لاحظ الجدية غير المعتادة على وجه إيفان. “شيء ما حدث في المعركة لم تخبرني به الليلة الماضية؟”
وضع إيفان الرسالة على الطاولة أمام فولك دون كلمات إضافية، ثم جلس منتظرًا، بينما التقط فولك الورقة بحذر مهني، يقلّبها بين أصابعه، عيناه تتفحصان كل تفصيل فيها بتركيز لم يره إيفان من قبل حتى في أدق حساباته التجارية.
“أخبرني قائد العصابة، قبل أن نأسره، أن جهة مجهولة تدفع لهم بانتظام للحفاظ على الطرق مغلقة،” شرح إيفان بإيجاز. “هذه الرسالة كانت في خيمته، تعليمات مقتضبة دون توقيع واضح.”
صمت فولك طويلاً، عيناه لا تزالان على الرسالة، ثم بدأ يتحدث بصوت أشبه بصوت معلّم يشرح درسًا معقدًا لتلميذ نجيب. “انظر إلى نوع الورق أولاً يا سيد إيفان ليس ورقًا عاديًا رخيصًا كالذي يستخدمه تجار أوسترين أو حتى قُطّاع الطرق أنفسهم عادة، بل ورق مصنّع بطريقة خاصة، أملس الملمس، بلون أبيض ناصع لا يشوبه اصفرار الورق الرخيص. هذا النوع يُصنع فقط في ورشة واحدة أعرفها، تقع في حي الحرفيين الراقي في كارنوث، وتبيع منتجاتها حصريًا لعائلات تجارية كبرى تستطيع تحمّل ثمنها الباهظ.”
رفع إيفان حاجبيه باهتمام متزايد. “ورق من كارنوث إذن؟”
“ليس هذا وحده،” تابع فولك، ملتقطًا الرسالة أقرب إلى ضوء النافذة ليفحص الحبر بدقة أكبر. “انظر إلى نوعية الحبر أيضًا، أزرق داكن يميل قليلاً إلى البنفسجي حين يُعرَّض للضوء بزاوية معينة، هذا مزيج نادر يُحضَّر خصيصًا من صبغة تُستورد من الموانئ الجنوبية، غالية الثمن بما يكفي ليستخدمها فقط من يهتم بمظهر مراسلاته أكثر من محتواها العملي البحت.”
“وماذا عن الختم؟” سأل إيفان، ملاحظًا بقايا شمع أحمر باهت في زاوية الورقة، بلا نقش واضح يمكن تمييزه.
“هذا هو الجزء المثير للاهتمام،” قال فولك بابتسامة رجل يستمتع بحل لغز يتقن حله. “الختم أُزيل عمدًا قبل إرسال الرسالة، كشط بسكين حاد، محاولة واضحة لإخفاء هوية المرسل. لكن من يكلّف نفسه عناء إزالة ختم عن رسالة موجهة لعصابة قطاع طرق نائية، بدل أن يستخدم ورقًا عاديًا بلا ختم من البداية؟ هذا يعني أن كاتب الرسالة معتاد على استخدام الأختام الرسمية بشكل روتيني، غالبًا شخص يمثل بيتًا تجاريًا أو عائلة نبيلة، ونسي للحظة، أو تعجّل، فاستخدم ورقته الشخصية المعتادة قبل أن يتذكر ضرورة إخفاء هويته، فاضطر لكشط الختم في اللحظة الأخيرة.”
جلس إيفان صامتًا للحظة، يستوعب حجم الاستنتاج الذي بناه فولك من تفاصيل بدت له في البداية عابرة تمامًا لا تحمل أي دلالة تُذكر.
“إذن أنت تقول إن الرسالة أُرسلت من كارنوث،” قال إيفان أخيرًا، صوته يحمل ثقلاً جديدًا. “من عائلة تجارية كبرى هناك، لا من أي مصدر عشوائي.”
أومأ فولك برأسه ببطء، وضع الرسالة جانبًا أخيرًا، ونظر إلى إيفان بجدية لم يعتد إظهارها بهذا الوضوح. “هذا يغيّر كل شيء يا سيد إيفان. لم نكن نواجه مجرد قُطّاع طرق يائسين يبحثون عن لقمة عيش سهلة، بل أداة في يد قوة اقتصادية حقيقية، قوة تمتلك الموارد والدافع للاستثمار في إبقاء طريق كامل مغلقًا لفترة طويلة، مقابل عائد لا يمكن أن يكون سوى استراتيجي، لا مجرد نهب عشوائي.”
“لكن لماذا؟” سأل إيفان بإحباط واضح. “لماذا قد تهتم عائلة تجارية كبرى في كارنوث بإبقاء مدينة صغيرة فقيرة كأوسترين معزولة؟ ما الذي يستفيدونه من ذلك؟”
فكّر فولك طويلاً، أصابعه تطبّل على الطاولة بإيقاع متأمل. “لا أملك إجابة مؤكدة بعد، لكن لدي بعض الفرضيات. ربما يخشون أن تتعافى أوسترين يومًا وتصبح منافسًا تجاريًا في المستقبل، مهما بدا ذلك بعيد الاحتمال الآن. أو ربما هناك مصلحة أكثر مباشرة، موارد في أراضي أوسترين أو موقعها الجغرافي يريدون السيطرة عليه دون منافسة محلية قوية. سأحتاج وقتًا وتحقيقًا أعمق عبر شبكتي لأعرف بالضبط أي عائلة تحديدًا، ولماذا.”
قبل أن يتمكنا من الاستمرار في النقاش، وصل رسول صغير يلهث من الجري، يحمل خبرًا عاجلاً: فريق كارلا قد عاد للتو من تلال الصخر الأشيب، وينتظر عند بوابة المدينة الجنوبية.
توجه إيفان وفولك فورًا نحو البوابة، حيث وجدا كارلا تقف منتصبة رغم إرهاق واضح على ملامحها، ووراءها بوريس وبقية الفريق، جميعهم يحملون علامات معركة حقيقية لكن دون خسائر تُذكر، ووجوههم تحمل ابتسامات نصر واثقة.
“سيد إيفان،” قالت كارلا وهي تقترب، عيناها تلمعان بفخر مكتوم. “طهّرنا تلال الصخر الأشيب بالكامل. واجهنا مجموعتين صغيرتين منفصلتين من قُطّاع الطرق، لا عصابة منظمة كبيرة كالتي واجهتموها أنتم، لكنهما كانا يعملان بتنسيق كافٍ ليكونا خطرًا حقيقيًا على القوافل الصغيرة. تمكنّا من إلقاء القبض على أغلبهم، والباقون فروا نحو الجنوب، خارج حدود منطقتنا تمامًا.”
“عمل ممتاز يا كارلا،” قال إيفان بامتنان صادق، ونظرة إعجاب واضحة في عينيه لم يحاول إخفاءها هذه المرة. “أخبرتك أن قدراتك ستكون فعّالة في تلك المنطقة المفتوحة.”
ابتسمت كارلا ابتسامة دافئة، لكنها لاحظت فورًا الجدية غير المعتادة التي تلوح خلف عيني إيفان، القلق الذي لم يستطع إخفاءه بالكامل رغم فرحته بنجاحها. “ماذا حدث؟” سألت مباشرة، حساسيتها تجاهه جعلتها تلتقط التفاصيل التي فاتت الآخرين.
شرح لها إيفان بإيجاز اكتشاف الرسالة وتحليل فولك لها، بينما استمعت كارلا بجدية متزايدة، ملامحها تتحول من فرح النصر إلى قلق حقيقي بمجرد إدراكها حجم التهديد الجديد.
“إذن ما واجهناه اليوم،” قالت كارلا ببطء، “كان مجرد جزء صغير من شيء أكبر بكثير مما تخيلنا.”
“يبدو الأمر كذلك،” أجاب إيفان بثقل واضح في صوته.
في تلك اللحظة، وصل رسول آخر، هذه المرة من الطريق الشمالي، لكن وجهه لم يحمل نفس علامات الفرح التي حملها رسول كارلا؛ كان شاحبًا، عيناه تحملان قلقًا واضحًا، وأنفاسه متقطعة أكثر من مجرد إرهاق الجري.
“سيد إيفان،” قال الرسول بصوت مرتجف قليلاً. “فريق جورج… تعرضوا لكمين. أحد المقاتلين الشباب أصيب إصابة بالغة، وهم في طريقهم إلى المدينة الآن، لكن ببطء شديد بسبب حالته.”
شعر إيفان بثقل مفاجئ يستقر في صدره، فرحة نصر كارلا تتبخر بسرعة أمام هذا الخبر الجديد. “ما مدى خطورة إصابته؟” سأل بسرعة، بالفعل يتحرك نحو البوابة الشمالية دون انتظار جواب كامل.
“لا أعرف التفاصيل الدقيقة يا سيدي، لكن جورج نفسه بدا قلقًا جدًا حين أرسلني، طلب مني إحضار أفضل طبيب في المدينة فورًا إلى البوابة الشمالية.”
انطلق إيفان مسرعًا نحو البوابة الشمالية، يتبعه بوريس وكارلا وفولك، بينما أرسل أحد المقاتلين للإسراع بإحضار الطبيب المحلي المذكور. وصلوا إلى البوابة بعد دقائق طويلة من التوتر، ليجدوا فريق جورج يقترب أخيرًا، متحركين ببطء واضح، يحملون بينهم نقالة مؤقتة يرقد عليها شاب لا يتجاوز العشرين من عمره، وجهه شاحب بشكل مقلق، وضمادة مؤقتة ملطخة بالدماء تغطي جانبًا كبيرًا من جذعه.
“جورج!” نادى إيفان وهو يقترب مسرعًا. “ماذا حدث؟”
بدا جورج نفسه مرهقًا بشكل غير معتاد، ظهره منحنٍ أكثر من المعتاد، ووجهه يحمل علامات إرهاق عميق تتجاوز مجرد التعب الجسدي. “كمين محكم يا إيفان، مختلف تمامًا عما واجهناه في الطرق الأخرى. لم يكن مجرد قُطّاع طرق يبحثون عن غنيمة سهلة، بل مجموعة صغيرة لكن مدربة جيدًا، استخدمت تكتيكات دقيقة، كأنهم توقعوا مسارنا بالضبط.”
“توقعوا مسارك؟” سأل إيفان بقلق متزايد. “كيف يمكن ذلك؟”
هزّ جورج رأسه بإحباط واضح. “لا أعرف، لكن الطريقة التي انتظرونا بها في النقطة المحددة تحديدًا، وكأنهم يعرفون خارطة تحركاتنا مسبقًا، تجعلني أشك في وجود تسريب معلومات من مكان ما.”
وصل الطبيب المحلي أخيرًا، مسرعًا نحو الشاب المصاب، وبدأ فحصه بسرعة مهنية بينما كان الجميع يقفون بصمت متوتر، ينتظرون حكمه على حالة الشاب.
بعد فحص دام دقائق طويلة شعر خلالها الجميع أنها ساعات كاملة، رفع الطبيب رأسه أخيرًا، وجهه يحمل جدية حذرة. “الجرح عميق، أصاب جزءًا من أحشائه. سأحتاج لنقله فورًا إلى عيادتي لإجراء عملية دقيقة. حالته خطيرة، لكنها ليست ميؤوسًا منها بعد، إن تصرفنا بسرعة كافية.”
نُقل الشاب، الذي عرف إيفان اسمه لاحقًا بأنه “توماس”، بسرعة نحو عيادة الطبيب، بينما بقي الجميع عند البوابة في صمت ثقيل، القلق يخيّم على المجموعة بأكملها.
جلس جورج على صخرة قريبة، وجهه بين يديه للحظة قبل أن يرفعه أخيرًا، عيناه تحملان ثقلاً عميقًا. “أشعر أنني فشلت يا إيفان. اخترت الطريق الأقل خطورة عمدًا، ظنًا مني أن ظهري المصاب يجعلني عبئًا لو واجهت طريقًا أكثر خطورة، ومع ذلك وقعنا في أخطر كمين واجهه أي فريق منا اليوم.”
“لم تفشل يا جورج،” قال إيفان بحزم، يجلس بجانبه. “لا أحد كان يستطيع توقع كمين مخطط بهذه الدقة. المشكلة ليست في قيادتك، بل في تسريب معلومات لم نكن نعرف بوجوده حتى الآن.”
بعد أن اطمأنوا جزئيًا على وضع توماس المستقر نسبيًا تحت رعاية الطبيب، اجتمع القادة كافة في القاعة الخلفية لحانة النجمة الحمراء مجددًا، هذه المرة بأجواء أثقل بكثير من اجتماع التخطيط الأول قبل أيام قليلة.
“لدينا الآن مشكلتان متشابكتان،” بدأ إيفان الاجتماع بصوت جاد. “الأولى، جهة مجهولة في كارنوث تموّل قُطّاع الطرق لأسباب استراتيجية لا نزال نجهلها. الثانية، وربما الأخطر، تسريب محتمل لمعلومات عن تحركاتنا الداخلية، ما يعني أن أحدًا قريبًا منا، أو قريبًا من دوائرنا على الأقل، قد يكون يمرر معلومات لصالح تلك الجهة.”
ساد صمت ثقيل حول الطاولة، كل واحد من الحاضرين يفكر بصمت في احتمال وجود خائن بينهم أو بين معارفهم المقربين، احتمال لم يخطر على بال أي منهم قبل اليوم.
“من يعرف تفاصيل مسارات فرقنا بدقة كافية لتنظيم كمين كهذا؟” سأل أراك بصوت هادئ لكنه حاد التفكير.
فكّر إيفان طويلاً في السؤال، يستعرض في ذهنه كل من شارك في اجتماع التخطيط الأول: القادة أنفسهم، فولك، وربما بعض المستثمرين الذين شاركهم فولك تفاصيل التمويل واللوجستيات لضمان ثقتهم بالمشروع.
“المستثمرون،” قال إيفان أخيرًا، ناظرًا نحو فولك. “من هم بالضبط، وكم شخصًا يعرف تفاصيل دقيقة عن خططنا؟”
بدا فولك منزعجًا واضحًا من اتجاه السؤال، لكنه أجاب بصراحة رغم ذلك. “ثلاثة تجار من أوسترين أثق بهم شخصيًا منذ سنوات، وتاجر واحد من كارنوث انضم للاستثمار بعد أن سمع عن نجاح المشروع المبدئي.” توقف فجأة، وكأن فكرة مزعجة خطرت له للتو. “التاجر من كارنوث، تحديدًا، طلب تفاصيل دقيقة عن خطة توزيع الفرق قبل أن يوافق على استثماره، بحجة تقييم المخاطر بشكل صحيح.”
نظر إيفان إليه بجدية متزايدة. “هل تثق به؟”
صمت فولك طويلاً، وجهه يحمل صراعًا داخليًا واضحًا بين رغبته في الدفاع عن شريك تجاري وثقة بدأت تهتز فعليًا. “وثقت به لأنه أظهر اهتمامًا حقيقيًا بالمشروع، وقدّم شروطًا استثمارية معقولة لا تحمل أي طمع مفرط ظاهر. لكن بعد ما سمعته اليوم عن الرسالة والكمين، لا أستطيع أن أستبعد احتمال أنه، عن قصد أو بدونه، قد يكون الجسر الذي عبرت منه المعلومات إلى الجهة المعادية.”
“هل يعرف عن غابة الظل الرمادي أيضًا؟” سأل إيفان بجدية متزايدة.
“لا، خطة تلك المهمة تحديدًا نوقشت قبل انضمامه للاستثمار،” أجاب فولك بعد تفكير سريع. “لكنه كان يعرف تفاصيل توزيع الفرق للمرحلة الثانية، بما فيها مسار جورج الشمالي.”
بدأ الجميع يدرك حجم الخيط الذي بدأ يتشكل: تاجر من كارنوث، على صلة محتملة بالجهة الممولة للعصابات، يتسلل إلى دوائر ثقة فولك نفسه عبر استثمار يبدو بريئًا في الظاهر.
“سأحتاج التحقق من هذا الأمر بحذر شديد،” قال فولك بصوت أخفض، ثقل الاكتشاف يبدو واضحًا على ملامحه لأول مرة منذ بداية معرفة إيفان به. “إن كان هذا التاجر متورطًا فعلاً، فإن مواجهته بشكل مباشر ومتسرع قد تحذّر الجهة الأكبر خلفه، وتفقدنا أي فرصة لكشف الشبكة كاملة. أحتاج أن أتحرك بذكاء، لا بانفعال.”
“وماذا عن تدابير الأمان الفورية؟” سأل بوريس بقلق عملي واضح. “إن كان هناك تسريب فعلي، فربما نحتاج لتغيير طريقة تخطيطنا بالكامل، تفاصيل أقل تُشارك مع دوائر أوسع.”
“موافق تمامًا،” قال إيفان بحسم. “من الآن فصاعدًا، سنقسّم المعلومات: كل قائد فريق يعرف فقط تفاصيل مهمته الخاصة، ولا أحد خارج القادة الأساسيين هنا يطّلع على الخطة الكاملة. حتى المستثمرون سيحصلون على تقارير عامة عن التقدم، دون تفاصيل تكتيكية دقيقة.”
بعد أن انتهى الاجتماع الطويل والمرهق، بقي إيفان وفولك وحدهما لبعض الوقت، يراجعان الرسالة الغامضة مرة أخيرة تحت ضوء شمعة خافتة.
“أشعر أننا لمسنا للتو حافة شيء أكبر بكثير مما بدأنا به يا سيد إيفان،” قال فولك بصوت متعب لكنه لا يزال يحمل تصميمًا واضحًا. “بدأنا هذا المشروع بهدف بسيط نسبيًا: تطهير طرق تجارية من قُطّاع طرق يائسين. الآن نكتشف مؤامرة اقتصادية منظمة، وربما خيانة داخلية، وقوة في كارنوث تراقبنا وتخطط ضدنا بجدية تفوق كل توقعاتنا.”
“هل تندم على البدء في هذا؟” سأل إيفان بصدق، محاولًا فهم حالة صديقه الجديد.
فكّر فولك طويلاً قبل أن يجيب، وحين أجاب أخيرًا، كانت نبرته تحمل يقينًا هادئًا رغم كل الثقل الذي يحمله. “لا، على الإطلاق. كل مشروع عظيم يواجه عقبات تكشف حقيقة حجمه الفعلي. لو كانت هذه المهمة سهلة كما بدت في البداية، لما كانت تستحق كل هذا الجهد أصلاً. سنواجه هذا التحدي كما واجهنا غيره، بذكاء وصبر، لا بانفعال متسرع.”
عاد إيفان إلى نُزل الغراب الأسود في وقت متأخر من الليل، ذهنه مثقل بكل ما تكشف خلال هذا اليوم الطويل: خيط غامض يربط أوسترين بمؤامرة في كارنوث، خيانة محتملة داخل دوائر الثقة القريبة، وشاب مصاب يصارع الآن من أجل حياته في عيادة طبيب محلي بسبب كمين محكم لم يكن يجب أن يحدث لولا تسريب ما.
جلس على حافة سريره، يده تلمس القلادة تحت قميصه بحركة أصبحت طقسًا مألوفًا، وفكّر في مدى تعقيد الأمور مقارنة بالبساطة الأولية التي تخيلها حين قرر، على تلك الصخرة المطلة على المدينة، أن يبدأ بتطهير الطرق كخطوة أولى بسيطة نحو إنقاذ أوسترين.
“لا شيء بسيط في هذا العالم،” همس لنفسه بصوت منخفض، متذكرًا كلمات فولك عن أن المشاريع العظيمة تكشف حجمها الحقيقي عبر العقبات التي تواجهها ربما كان هذا صحيحًا، وربما كانت هذه العقبات الجديدة، مهما بلغت تعقيدها، مجرد دليل آخر على أن ما يحاولون بناءه يستحق فعلاً كل هذا الجهد والخطر.
أطفأ الشمعة أخيرًا، وسمح لنفسه بنوم مضطرب بعض الشيء هذه الليلة.