الفصل 198
الفصل السابع: صيد في الظل الرمادي
قبل الفجر بساعة، حين كانت أوسترين لا تزال غارقة في ظلام كثيف تقطعه فقط أضواء قناديل قليلة متناثرة عند البوابات، تجمّع فريق إيفان عند البوابة الشرقية استعدادًا للانطلاق: إيفان نفسه، أراك بملابسه الداكنة التي بدت وكأنها تبتلع ضوء القناديل من حولها، وخمسة من مقاتلي المستوى الثاني الذين اختارهم إيفان بعناية للمهمة الأولى والأخطر.
كانت مارتا قد أصرّت على النزول رغم الساعة المبكرة، تحمل سلة صغيرة من الخبز الطازج والجبن، توزعها على المقاتلين بصمت أمومي لم يحتج لكلمات كثيرة. اقتربت من إيفان أخيرًا، ووضعت يدها على ذراعه بثبات.
“عد سالمًا،” قالت ببساطة، الكلمات نفسها التي قالتها قبل رحلته إلى كارنوث، لكن نبرتها هذه المرة حملت ثقلاً أعمق، إدراكًا أن هذه المهمة تحديدًا صُممت لتكون مواجهة مباشرة، لا مجرد حراسة عابرة.
“سأحاول،” أجاب إيفان بابتسامة خفيفة، ويده ترتفع بلا وعي لتلمس القلادة تحت قميصه، حركة أصبحت طقسًا صغيرًا تكرر عشرات المرات خلال الأيام الماضية.
من بعيد، لاحظ إيفان كارلا واقفة عند مدخل حانتها المغلقة في هذه الساعة، ذراعاها مطويتان وهي تراقب الاستعدادات بصمت. لم تقترب لتودّعه مباشرة، لكن حين التقت عيناهما للحظة عبر الشارع المظلم، أومأت برأسها بثقة هادئة، إيماءة حملت أكثر مما تستطيع الكلمات نقله في تلك اللحظة المزدحمة بالاستعدادات الأخيرة.
انطلق الفريق أخيرًا مع أولى خيوط الفجر، متجهين نحو غابة الظل الرمادي بخطى ثابتة ومحسوبة، صامتين في معظم الطريق، كل واحد منهم غارق في أفكاره الخاصة قبل مواجهة قد تحمل الموت لأي منهم.
وصل الفريق إلى أطراف الغابة بعد الظهيرة، وتوقف إيفان عند حافة الأشجار الكثيفة، عيناه تتفحصان الظلال الممتدة أمامهم بحذر المقاتل الذي واجه هذا المكان من قبل ويعرف ثمن الاستهتار به.
“سنتحرك ببطء من هنا،” أعلن إيفان لفريقه. “أراك، أريدك أن تستطلع المنطقة قبلنا، ابحث عن أي علامات لمعسكر أو نقاط مراقبة للذئاب السود. لا تشتبك، فقط راقب وعد.”
أومأ أراك برأسه بصمت، ثم، أمام أعين الفريق المندهشة – باستثناء إيفان الذي رأى قدرات تحكم غريبة من قبل – بدأ جسده يتماوج مع الظل القريب منه، يفقد حدته تدريجيًا حتى بدا وكأنه يذوب في الظلام المحيط، تاركًا خلفه فقط إحساسًا غامضًا بوجوده لا صورة واضحة.
“مخيف بعض الشيء في المرة الأولى،” همس أحد المقاتلين، رجل يُدعى “دوروس”، متخصص في القتال بالفأس، وهو يحدّق في المكان الذي اختفى فيه أراك للتو.
“ستعتاد عليه،” قال إيفان بابتسامة خفيفة، وهو يجلس على جذع شجرة ساقطة، يشير للفريق بأخذ قسط من الراحة أثناء انتظار عودة أراك.
عاد أراك بعد نحو ساعة، ظاهرًا فجأة من ظل شجرة قريبة بنفس السلاسة التي اختفى بها، دون أن يصدر أي صوت ينذر بعودته حتى انتبه له إيفان مباشرة، وكأن حواسه المدربة وحدها كانت قادرة على استشعار حركته الخفية.
“وجدت معسكرهم الرئيسي،” قال أراك بصوت منخفض، جالسًا بجانب إيفان. “على بعد نحو ميلين شمالاً، في منطقة صخرية محاطة بأشجار كثيفة، موقع ذكي للاختباء، صعب الوصول إليه من أكثر من اتجاه واحد. عددت حوالي خمسة عشر رجلاً مسلحًا داخل المعسكر، بالإضافة إلى ما بدا وكأنه قائدهم، رجل ضخم يحمل فأسًا مزدوجة، جالس في خيمة أكبر من البقية في وسط المعسكر.”
“خمسة عشر رجلاً،” كرر إيفان بصوت متأمل، يحسب الاحتمالات بسرعة في ذهنه. “أكثر مما واجهناه في الكمين الأول، لكن أقل بكثير مما كنت أخشاه. هل لاحظت نقاط ضعف في دفاعاتهم؟”
“مدخل واحد رئيسي محروس بحراسة مضاعفة، لكن هناك ممر ضيق خلفي يبدو أنهم يستخدمونه للتخلص من النفايات أو جلب الماء من نهر قريب، حراسته أخف بكثير، ربما رجل أو اثنان فقط.”
فكّر إيفان طويلاً في الخيارات المتاحة، ثم جمع الفريق كاملاً ليشرح خطته. “سنستغل الممر الخلفي للتسلل، أراك وأنا وثلاثة مقاتلين سندخل من هناك بهدوء قدر الإمكان، بينما يبقى دوروس ورفيقه عند المدخل الرئيسي مستعدين للتحرك إن سمعوا صوت اشتباك، ليشتتوا انتباه الحراسة الرئيسية ويمنعوا أي محاولة هروب من الأمام.”
“وإن اكتشفوا وجودنا قبل أن نصل إلى موقع جيد؟” سأل دوروس بقلق مشروع.
“عندها سنتصرف حسب الموقف،” أجاب إيفان بهدوء ثابت. “لهذا السبب اخترت كل واحد منكم لهذه المهمة تحديدًا، لأنني أثق بقدرتكم على التكيف السريع. لكن الهدف الأساسي واضح: تحييد أكبر عدد ممكن من المقاتلين بأقل قدر من الضجيج، والوصول إلى قائدهم قبل أن يتمكن من تنظيم دفاع فعّال أو استخدام أي رهائن محتملين كدروع بشرية.”
تحرك الفريق بحذر شديد نحو الممر الخلفي الذي وصفه أراك، متبعين مسارًا وعرًا بين الصخور والأشجار الكثيفة، حتى بدأت أصوات المعسكر تصل إليهم تدريجيًا: أحاديث خشنة، ضحكات متفرقة، صوت نار تتطاير شراراتها بين الحطب.
عند الممر الخلفي، وجدوا بالفعل حارسًا واحدًا فقط كما توقع أراك، رجلاً يجلس على صخرة يشرب من قربة ماء بلا مبالاة، غير مدرك على الإطلاق للخطر المقترب منه بصمت مطلق عبر الظلال.
تحرك أراك أولاً، منزلقًا عبر الظل الممتد من صخرة قريبة، وقبل أن يستطيع الحارس حتى إصدار صوت تحذير، وجد يدًا قوية تُغلق على فمه من الخلف، بينما غرزت في رقبته شفرة رفيعة بحركة سريعة دقيقة، أنهت حياته دون أن يصدر أي صوت يُذكر.
تقدم إيفان وباقي الفريق بحذر عبر الممر الضيق، حتى وصلوا إلى نقطة تسمح لهم برؤية جزء واسع من المعسكر: خيام متفرقة، نار مركزية، ورجال مسلحون يتحركون بينها بلا حذر واضح، غير مدركين للتهديد المقترب.
“سنبدأ من هنا،” همس إيفان، وهو يشير إلى مجموعة من ثلاثة رجال يجلسون قريبًا من موقعهم، بعيدًا نسبيًا عن بقية المعسكر. “بسرعة وصمت، ثم نتقدم تدريجيًا نحو الخيمة الرئيسية.”
انطلق الاشتباك الأول بسرعة وكفاءة تفوق ما توقعه حتى إيفان نفسه؛ تحرك أراك مجددًا عبر الظلال، ينقض على أحد الرجال الثلاثة من زاوية غير متوقعة، بينما هاجم إيفان الثاني بضربة سيف حاسمة، وتولى أحد المقاتلين الثالث بطعنة سريعة في ظهره.
لكن الضجيج، مهما حاولوا التحكم به، وصل في النهاية إلى آذان بقية المعسكر؛ صرخة قصيرة من أحد الرجال قبل أن يسقط كانت كافية لإثارة انتباه مجموعة أخرى قريبة، وسرعان ما بدأ الإنذار ينتشر عبر المعسكر بأكمله.
“كُشف أمرنا!” صرخ أحد المقاتلين وهو يستدير لمواجهة أربعة رجال مسلحين يندفعون نحوهم من اتجاه الخيمة الرئيسية.
“لا وقت للحذر إذن!” صرخ إيفان بالمقابل، وجرّد سيفه بحركة سريعة، مندفعًا نحو المهاجمين الجدد بضربات دقيقة محسوبة، بينما كان أراك يتحرك بينهم كشبح حقيقي، يظهر ويختفي بسرعة تجعل من الصعب على أي عدو أن يحدد موقعه بدقة كافية لتوجيه ضربة فعّالة نحوه.
من بعيد، سُمع صوت بوق صيد يخترق الهواء، إشارة دوروس ورفيقه عند المدخل الرئيسي، مؤكدًا أن الاشتباك قد بدأ فعليًا وأن الوقت حان لتحريك الخطة الكاملة.
اشتد القتال تدريجيًا، وبدأ عدد المهاجمين من الذئاب السود يتضاعف مع اندفاع المزيد من رجال العصابة من كل اتجاه، مدركين أخيرًا حجم التهديد الحقيقي الذي يواجهونه. قاتل إيفان بضراوة محسوبة، سيفه يتراقص بين الدفاع والهجوم بخفة تناقض حجمه، لكنه شعر، للمرة الأولى منذ بداية الاشتباك، بثقل العدد المتزايد يبدأ بالضغط على فريقه الصغير.
سقط أحد مقاتليه، رجل شاب يُدعى “بيتر”، مصابًا بجرح عميق في فخذه من ضربة سيف موجهة بدقة، صرخة ألمه تخترق ضجيج المعركة. اندفع إيفان نحوه فورًا، متصديًا لضربة كانت ستنهي حياة الشاب المصاب، لكن هذا التحرك ترك ظهره مكشوفًا للحظة خطرة أمام رجلين آخرين يندفعان نحوه من زاوية مختلفة.
في تلك اللحظة بالذات، شعر إيفان بأن الوقت قد حان لاستخدام قدرته، لا بشكل كامل هذه المرة، بل بشكل جزئي، اختبارًا لقوة طوق الرباط الجديد الذي يحمله. أغمض عينيه للحظة واحدة سريعة، مستدعيًا جزءًا فقط من قوة التوحش، شعر بأنيابه تطول قليلاً، بمخالب حادة تنمو على أطراف أصابعه دون أن يفقد شكله البشري بالكامل، حالة وسطى لم يكن قد جرّبها من قبل بهذا الوضوح والتحكم.
انقلب إيفان بسرعة مفاجئة، مخالبه الجديدة تصد ضربتي السيفين المتزامنتين بقوة كافية لكسر أحدهما، بينما استغل الآخر توازنه المختل للحظة ليطعنه في صدره بضربة قاتلة. شعر بقوة إضافية تسري في عضلاته، أسرع وأقوى من حالته الطبيعية، لكن دون ذلك الفقدان الكامل للسيطرة الذي اعتاد الشعور به في التحولات السابقة.
“عقلي واضح،” فكّر بدهشة صامتة وهو يواصل القتال، “ما زلت أنا، حتى مع هذه القوة الإضافية.”
كان طوق الرباط يعمل بالضبط كما وصفه فولك، يمنحه فوائد التحول الجزئي دون أن يسحبه بالكامل نحو تلك الحالة المتوحشة التي كان يخشى منها دائمًا. استغل هذه الحالة الجديدة بذكاء، متحركًا عبر ساحة المعركة بسرعة وقوة متزايدتين، يحمي رفاقه المصابين ويقاتل بكفاءة لم يشعر بها من قبل بهذا التوازن بين القوة والوعي الكامل.
بحلول اللحظة التي وصل فيها دوروس ورفيقه من المدخل الأمامي بعد أن تخلصا من الحراسة هناك، كان معظم رجال العصابة القريبين من موقع إيفان قد سقطوا، إما قتلى أو مصابين إصابات بالغة تمنعهم من الاستمرار في القتال.
بقي فقط قائد العصابة، الرجل الضخم الذي وصفه أراك سابقًا، واقفًا عند مدخل خيمته الكبيرة، فأسه المزدوجة في يديه، عيناه تتحركان بذعر متزايد بين رجاله المتساقطين وفريق إيفان المتقدم نحوه بثبات.
“من أنتم ماذا بحقك؟!” صرخ بصوت أجش، متراجعًا خطوة نحو الخيمة كأنه يفكر في الفرار.
“رجال جاءوا لينهوا سيطرتكم على هذه الطرق،” أجاب إيفان بصوت هادئ لكنه حازم، متقدمًا نحوه ببطء محسوب، مخالبه الجزئية لا تزال ظاهرة، مانحة إياه هيئة مخيفة بما يكفي لتعزيز رسالته دون الحاجة لكلمات إضافية.
اندفع القائد فجأة بضربة فأس يائسة، محاولة أخيرة لتغيير مجرى المواجهة، لكن إيفان تفاداها بخفة نسبية، ثم رد بضربة سيف دقيقة أصابت ذراع الرجل، مسقطة الفأس من قبضته المرتخية فجأة.
سقط القائد على ركبتيه، ذراعه تنزف بغزارة، ونظر إلى إيفان بخليط من الرعب والاستسلام. “لا تقتلني… أرجوك… أستطيع أن أخبرك بكل شيء، عن من يمولنا، عن كل شيء.”
توقف إيفان فجأة، سيفه مرفوع لكنه لم يهبط، والكلمة الأخيرة التي نطق بها الرجل الراكع أمامه تتردد في ذهنه بثقل غير متوقع. “من يمولكم؟” كرر إيفان بصوت حاد فجأة، مدركًا أن هذا التفصيل قد يحمل أهمية تتجاوز مجرد هزيمة عصابة واحدة.
“نحن… نحن لسنا مجرد قُطّاع طرق عاديين،” تلعثم القائد، صوته يرتجف من الألم والخوف معًا. “شخص ما يدفع لنا، بانتظام، مقابل إبقاء الطرق المحيطة بأوسترين خطرة، إبقاء التجار بعيدين. لا أعرف اسمه الحقيقي، نتلقى الأوامر والمال عبر وسيط يظهر كل شهر تقريبًا.”
شعر إيفان بثقل مفاجئ يستقر في صدره، إدراك جديد بأن معركة اليوم لم تكن مجرد صدفة أو نتيجة فقر عابر دفع رجالاً يائسين لقطع الطرق، بل جزءًا من مخطط أكبر، مقصود، يهدف تحديدًا إلى إبقاء أوسترين معزولة وضعيفة.
“من يستفيد من إبقاء مدينة صغيرة كأوسترين معزولة؟” سأل إيفان بصوت منخفض، أكثر لنفسه من الرجل الراكع أمامه.
لم يملك القائد إجابة أوضح من ذلك، مؤكدًا مرارًا أنه وسيط صغير في مخطط أكبر منه بكثير، لا يعرف من الجهة الحقيقية خلف التمويل. أمر إيفان بربط الرجل وأخذه أسيرًا، بدلًا من قتله، مدركًا أن معلومات إضافية قد تكون ذات قيمة أكبر بكثير من انتقام سريع.
جمع الفريق أنفاسهم بعد المعركة، يتفقدون جراحهم ويعتنون بالمصابين. كان بيتر، الشاب المصاب في فخذه، بحالة مستقرة نسبيًا بعد أن ضمّد أحد رفاقه جرحه بسرعة، لكن الجرح كان عميقًا بما يكفي ليحتاج رعاية طبية حقيقية بمجرد عودتهم إلى المدينة.
“معركة جيدة،” قال أراك، مقتربًا من إيفان بينما كان الأخير يفحص جرحًا سطحيًا صغيرًا على ذراعه. “لاحظت شيئًا مختلفًا فيك أثناء القتال، تحول جزئي؟”
أومأ إيفان برأسه، مدركًا أنه لا داعي لإخفاء الأمر عن أراك الذي رأى بالفعل جزءًا من الحقيقة بأم عينيه. “الأثر الذي منحني إياه فولك يسمح لي بدرجة تحكم أفضل بكثير، حتى في حالات التحول الجزئي. لم أشعر من قبل بهذا التوازن بين القوة والوضوح الذهني.”
“استثمار جيد من فولك إذن،” علّق أراك بابتسامة ضيقة. “الرجل يعرف كيف يضع موارده في الأماكن الصحيحة، كما فعل معي أنا أيضًا.”
قبل مغادرة الموقع، فتّش الفريق المعسكر بحثًا عن أي أدلة إضافية، فوجدوا في خيمة القائد صندوقًا خشبيًا صغيرًا يحوي كمية معقولة من العملات الذهبية، بالإضافة إلى رسالة مكتوبة بخط مجهول، موجزة وغامضة، لا تحمل توقيعًا واضحًا، فقط تعليمات مختصرة بالاستمرار في “إبقاء الطريق مغلقًا حتى إشعار آخر” مقابل دفعة مالية محددة.
احتفظ إيفان بالرسالة بعناية، مدركًا أنها قد تكون خيطًا مهمًا يستحق التحقيق لاحقًا، ربما بمساعدة فولك نفسه الذي يمتلك شبكة معلومات واسعة قد تساعد في تتبع مصدر هذه الرسالة الغامضة.
أطلق دوروس بوق الصيد مجددًا، هذه المرة بنمط مختلف متفق عليه مسبقًا، إشارة النصر التي يُفترض أن تصل إلى أي فريق آخر قريب بما يكفي لسماعها، رغم أن إيفان كان يعرف أن فرق كارلا وجورج على الأرجح بعيدة جدًا في هذه المرحلة المبكرة لسماع الإشارة بوضوح.
بدأ الفريق رحلة العودة نحو أوسترين، يحملون قائد العصابة الأسير مقيدًا على حصان إضافي أحضروه لهذا الغرض تحديدًا، وبيتر المصاب محمولاً بحذر على نقالة مؤقتة صنعوها من أغصان الأشجار وقماش الخيام.
خلال رحلة العودة، سار إيفان بجانب أراك في صمت مريح لبعض الوقت، قبل أن يقول أراك فجأة: “أول معركة حقيقية أخوضها منذ سنوات كانت من أجل مدينة لم أكن متأكدًا حتى أمس أنني أهتم بمصيرها فعليًا.”
“وكيف تشعر الآن؟” سأل إيفان بفضول حقيقي.
فكّر أراك طويلاً قبل أن يجيب. “أشعر… بشيء لم أتوقعه، رضا حقيقيًا، ليس فقط لأننا انتصرنا، بل لأن ما فعلناه اليوم سيجعل طريقًا حقيقيًا أكثر أمانًا لأناس حقيقيين. ربما أفهم الآن جزءًا مما يدفعك أنت شخصيًا في هذا كله، رغم أنك بالكاد تتحدث عن مشاعرك بصراحة.”
ابتسم إيفان ابتسامة خفيفة، معترفًا بدقة ملاحظة أراك. “لست معتادًا على الحديث عن هذه الأمور بصراحة، هذا صحيح. لكن ربما، مع مرور الوقت، سأتعلم أن أفعل ذلك أكثر، مع الأشخاص الذين يستحقون تلك الصراحة.”
نظر أراك إليه نظرة تقدير هادئة، ولم يضف شيئًا آخر، مكتفيًا بمرافقته بصمت رفيق حتى بدأت أسوار أوسترين المتهالكة تلوح أخيرًا في الأفق البعيد، مع اقتراب المساء وتراجع ضوء النهار تدريجيًا خلف التلال المحيطة بالمدينة.
عند وصولهم إلى بوابة أوسترين الشرقية، وجدوا استقبالاً غير متوقع؛ عدد من أهل المدينة تجمعوا عند البوابة، بعد أن انتشر خبر انطلاق الحملة وعودتها المرتقبة عبر شبكة الشائعات السريعة التي تميز المدن الصغيرة. من بين الحشد، خرجت مارتا مسرعة نحو إيفان، وعيناها تفحصانه بقلق سريع قبل أن يستقر ارتياح واضح على ملامحها حين تأكدت أنه سالم رغم الجروح الطفيفة.
“انتصرتم!” صاحت بفرح واضح، والأخبار بدأت تنتشر بسرعة بين الحشد المتجمع، همسات متحمسة تتناقل تفاصيل مبالغ فيها أحيانًا عن معركة ضخمة انتهت بنصر ساحق.
اقتربت كارلا أيضًا من طرف الحشد، وقد وصلها الخبر في وقت سابق من أحد المراسلين، عيناها تفحصان إيفان بقلق خفي حاولت إخفاءه خلف ابتسامة ترحيب هادئة. “أخبار جيدة إذن؟”
“طريق واحد أصبح أكثر أمانًا،” أجاب إيفان بتواضع واضح، رغم أنه شعر بثقل الإنجاز الحقيقي يستقر في صدره لأول مرة منذ بداية هذا المشروع الطموح. “لا يزال أمامنا طريقان آخران، وأسئلة جديدة تحتاج إجابات.” أضاف بصوت أخفض، يده تمس جيبه حيث احتفظ بالرسالة الغامضة التي وجدوها.
في تلك الليلة، بعد أن سلّم قائد العصابة الأسير إلى حراسة أوسترين المحدودة، وبعد أن اطمأن على وضع بيتر المصاب في يد طبيب محلي، جلس إيفان وحيدًا في غرفته، يتأمل الرسالة الغامضة التي وجدها في المعسكر تحت ضوء شمعة خافتة.
كانت الكلمات المقتضبة تحمل ثقلاً يفوق حجمها البسيط: شخص ما، في مكان ما، كان يدفع عن قصد للحفاظ على أوسترين معزولة وضعيفة، لأسباب لا يزال إيفان يجهلها تمامًا. لم يكن الأمر مجرد سوء حظ أو إهمال إداري كما ظن الجميع، بل خطة متعمدة، مما يعني أن معركة اليوم، رغم انتصارها، كانت مجرد بداية لصراع أعمق بكثير مما تخيله عند بدء هذا المشروع.
فكّر في مشاركة هذا الاكتشاف مع فولك في الصباح التالي، مدركًا أن شبكة معلومات التاجر الذكي قد تكون المفتاح لكشف هوية من يقف خلف هذا التآمر الصامت. لكنه سمح لنفسه، قبل ذلك، أن يجلس للحظات في صمت الليل، يده على القلادة تحت قميصه، شاعرًا بامتنان عميق تجاه هذا اليوم الذي أثبت فيه لنفسه، ولو جزئيًا، أنه يستطيع أن يحمل قوته ووعيه معًا دون أن يفقد أحدهما لصالح الآخر.