الفصل 201 - كارلا
بعد أسبوعين متواصلين من التوتر المتصاعد حول عرض بيت فولغرين وتحركاته الغامضة، منحت الطريق التجاري نفسه، وكأنه يشعر بحاجة الجميع لالتقاط أنفاسهم، فترة هدوء نسبي غير متوقعة. لم تُسجَّل أي هجمات جديدة من قُطّاع الطرق المتبقين لأكثر من عشرة أيام متتالية، ولم يصل أي خبر جديد من كارنوث يستدعي اجتماعًا طارئًا آخر. استغل إيفان هذا الهدوء النادر، مدركًا أنه لن يدوم طويلاً، ليقضي وقتًا أطول مما اعتاد في حلبة تدريب كارلا الصغيرة، بحجة صقل مهاراته القتالية استعدادًا للمواجهة القادمة، لكن الحقيقة، التي لم يعترف بها لنفسه بوضوح كامل بعد، كانت أعمق قليلاً من مجرد التدريب.
“مرة أخرى،” قالت كارلا وهي تستدير بخفة، سيفها الخشبي التدريبي يلمع تحت ضوء الشمس المتسلل من النافذة العلوية للحلبة الصغيرة. “هذه المرة حاول ألا تكشف كتفك الأيسر كلما هممت بالهجوم. لاحظت هذا الخلل ثلاث مرات اليوم وحده.”
اندفع إيفان نحوها بضربة مدروسة، لكنها تفادتها بمرونة استثنائية، مستدرة حول جسده بخطوة واحدة سريعة قبل أن توجه ضربة خفيفة إلى ظهره أنهت الجولة بحسم.
“مرة أخرى إذن،” قال إيفان بابتسامة نصف محبطة نصف معجبة، يمسح العرق عن جبينه بكم قميصه. “بدأت أظن أنك تستمتعين بإذلالي أكثر من اللازم.”
ضحكت كارلا ضحكة حقيقية مفتوحة، ضحكة نادرًا ما سمح إيفان لنفسه بملاحظة جمالها الحقيقي من قبل، مشغولاً دائمًا بتفاصيل المعركة أكثر من تفاصيل الشخص الذي يتدرب معه. “لا أذلّك يا إيفان، أعلّمك. هناك فرق كبير، رغم أن النتيجة قد تبدو متشابهة أحيانًا من منظورك أنت.”
استمر التدريب لساعة إضافية، حتى بدأت الشمس تميل نحو الغروب، مرسلة أشعة ذهبية عبر النوافذ العلوية للحلبة، تلوّن الغبار المتطاير في الهواء بلمسة سحرية خفيفة. توقف كلاهما أخيرًا، منهكين لكن راضيين بذلك الرضا الخاص الذي يعقب مجهودًا بدنيًا صادقًا.
“أنت تتحسن حقًا يا إيفان،” قالت كارلا وهي تشرب من قربة ماء معلقة قرب الجدار. “لم أعد أهزمك في كل جولة كما كنت أفعل حين بدأنا هذه التدريبات قبل أسابيع.”
“ربما لأن لدي معلمة استثنائية،” قال إيفان بصدق، جالسًا على مقعد خشبي بسيط قرب حافة الحلبة، ينظر إليها وهي تتحرك بخفة رشيقة معتادة، حركة لم تفارقها حتى بعد ساعة كاملة من التدريب المكثف.
ابتسمت كارلا ابتسامة خفيفة عند سماع المجاملة، جلست بجانبه على المقعد نفسه، مسافة قريبة كافية ليشعر كلاهما بحضور الآخر بوضوح، لكنها لا تزال محتشمة بما يكفي ليبدو الأمر طبيعيًا لا مقصودًا.
“هل تريد أن تمشي قليلاً قبل أن تعود إلى النُزل؟” سألت كارلا فجأة، بنبرة حاولت أن تبدو عابرة رغم أن قلبها كان يخفق بسرعة غير معتادة وهي تنطق السؤال. “الطقس جميل هذا المساء، وأحتاج بعض الهواء بعد كل هذا التدريب.”
وافق إيفان دون تردد، وخرجا معًا من الحلبة نحو أطراف المدينة الشرقية، حيث تنتهي بيوت أوسترين تدريجيًا لتفسح المجال لتلال منخفضة تطل على مشهد الغروب دون أي عائق، مكانًا هادئًا نادرًا ما يقصده أحد في هذا الوقت من اليوم، معظم أهل المدينة منشغلون بتحضير عشائهم أو إغلاق متاجرهم قبل حلول الظلام.
مشيا جنبًا إلى جنب بصمت مريح لبعض الوقت، صمت لم يكن غريبًا بينهما، فقد اعتادا خلال أسابيع التدريب المشترك على نوع من الألفة الصامتة التي لا تحتاج كلامًا دائمًا لملئها.
“تحب هذا المكان، أليس كذلك؟” سأل إيفان أخيرًا، ملاحظًا كيف تغيّرت ملامح كارلا بمجرد وصولهما إلى قمة التل الصغير، شيء أشبه بالسكينة يحل محل حدة تركيزها المعتادة في الحلبة.
“أكثر من أي مكان آخر في أوسترين،” اعترفت كارلا وهي تجلس على صخرة مسطحة كبيرة، تنظر نحو الأفق حيث بدأت الشمس تلمس خط الجبال البعيدة بألوان برتقالية دافئة. “آتي إلى هنا كلما احتجت أن أفكر بوضوح، بعيدًا عن ضجيج المدينة وضجيج أفكاري الخاصة أيضًا أحيانًا.”
جلس إيفان بجانبها على الصخرة نفسها، مسافة محترمة لكنها ليست بعيدة، ونظر معها نحو الغروب لبعض الوقت في صمت مشترك، قبل أن يسألها بفضول حقيقي: “ماذا تفكرين فيه عادة حين تأتين إلى هنا؟”
ترددت كارلا للحظة قبل أن تجيب، كأنها تزن كم من الصدق تريد أن تشاركه في هذه اللحظة بالذات. “أفكار كثيرة يا إيفان. أحيانًا في ماضٍ لم أعد أريد التفكير فيه كثيرًا. وأحيانًا أخرى في مستقبل لست متأكدة تمامًا كيف سيبدو، خاصة الآن، مع كل هذه التعقيدات المتصاعدة حول أوسترين.”
“وماذا عن الحاضر؟” سأل إيفان بلطف، دون أن يدرك تمامًا ثقل السؤال الذي طرحه للتو.
نظرت كارلا إليه للحظة، عيناها العسليتان تحملان شيئًا لم يستطع إيفان قراءته بوضوح كامل، مزيجًا من الدفء والتردد والشجاعة المتنامية ببطء. “الحاضر… الحاضر مختلف قليلاً هذه الأيام يا إيفان. أجد نفسي أفكر فيه أكثر من المعتاد.”
شعرت كارلا بقلبها يخفق بقوة وهي تنطق تلك الكلمات، محاولة أن تفتح بابًا ظلت تتردد في فتحه لأشهر طويلة منذ انضمامها لحملة إيفان، منذ تلك الليلة الأولى التي شعرت فيها بذلك الانجذاب الغريب نحو رجل يطلب منها المساعدة بصدق مباشر لا يحمل أي محاولة للتلاعب أو الإغراء، رجل بدا، رغم كل قوته الظاهرة، محتاجًا لشيء لم يعرف كيف يطلبه بوضوح.
“الحاضر يحمل تحديات كثيرة، هذا صحيح،” قال إيفان، غير ملتقط بعد التحول الدقيق في نبرة كارلا، عقله لا يزال يفكر بمنطق المهمة والحملة أكثر من منطق اللحظة الشخصية التي تحاول كارلا خلقها بحذر. “بيت فولغرين، والذئاب السود، وسؤال من يمول من في الحقيقة. أحيانًا أشعر أن الأمر أكبر بكثير مما بدأت به هذه الحملة.”
ابتسمت كارلا ابتسامة خفيفة، مزيجًا من التفهم والإحباط اللطيف، مدركة أن إيفان، بطبعه المباشر العملي، غالبًا ما يفوته الاستماع إلى ما بين الكلمات، خاصة حين يتعلق الأمر بمشاعر شخصية معقدة كهذه. لكنها لم تستسلم بعد، قررت أن تحاول مرة أخرى، بوضوح أكبر قليلاً هذه المرة.
“لم أقصد تحديات الحملة تمامًا يا إيفان،” قالت كارلا بحذر، نظرة مباشرة نحوه هذه المرة، محاولة أن توصل ما تريد قوله دون أن تضطر لنطقه بشكل مباشر تمامًا، خوفًا خفيًا من أن يكون الرفض أسهل احتمالًا لو بقيت كلماتها غامضة بما يكفي.
توقف إيفان للحظة، نظر إليها بجدية أكبر هذه المرة، محاولاً فهم ما تحاول قوله بالضبط. “ماذا تقصدين إذن؟”
أخذت كارلا نفسًا عميقًا، شجاعة تتجمع في صدرها ببطء. “أقصد… أن هناك أشياء أخرى في حياتي بدأت تشغل تفكيري مؤخرًا، أشياء لا علاقة لها بالمعارك أو الخطط الاستراتيجية. أشياء تتعلق بأشخاص محددين، بدأت أشعر تجاههم بشيء لم أشعر به منذ زمن طويل جدًا.”
نظر إيفان إليها بانتباه متزايد، بداية إدراك بطيء تتشكل في ذهنه أخيرًا، لكنه لم يكن متأكدًا بعد تمامًا من صحة استنتاجه، خشية أن يفترض شيئًا غير موجود فعلاً ويحرج كلاهما بذلك.
“كارلا،” قال بحذر، صوته أهدأ الآن، محاولًا أن يترك لها مساحة لتكمل ما بدأت به دون أن يفرض تفسيره الخاص عليها. “هل هناك شيء محدد تريدين قوله لي؟”
للحظة، بدا أن كارلا ستقولها أخيرًا، الاعتراف الذي حملته بصمت لأشهر طويلة، الكلمات كانت على وشك الخروج من شفتيها، شجاعة نادرة تجمعت أخيرًا بما يكفي لتتجاوز خوفها المعتاد من الرفض أو التعقيد الذي قد يخلقه اعتراف كهذا في علاقة عملهما المشتركة.
لكن في تلك اللحظة بالذات، وقبل أن تستطيع نطق كلمة واحدة، تحدث إيفان مجددًا، بلا وعي منه بالتوقيت الكارثي لكلماته القادمة، عقله لا يزال يعمل بمنطق مختلف تمامًا عن اللحظة الحساسة التي كانت كارلا تحاول خلقها.
“أعرف شعورك تقريبًا،” قال إيفان بصدق غير مدرك، نظره يبتعد قليلاً نحو الأفق البعيد وكأن ذكرى قديمة استحضرته فجأة. “أحيانًا أشعر أن قلبي مشغول بوعد لم يتحقق بعد، وعد قطعته لصديق قديم منذ سنوات طويلة، قبل أن تفترق طرقنا في ظروف لا أزال أحمل ثقلها حتى اليوم. أشعر أحيانًا أنني لا أستطيع التفكير بجدية في أي شيء آخر حتى أفي بذلك الوعد أخيرًا.”
تجمّدت كارلا للحظة، الكلمات التي كانت على وشك الخروج من شفتيها تراجعت فجأة، ابتلعتها بصمت مؤلم بينما كانت تستوعب ما قاله إيفان للتو، ليس رفضًا مباشرًا لشيء لم تصرح به أصلاً بعد، لكنه كشف، بلا قصد منه، عن حقيقة أعمق: قلب إيفان، رغم كل الدفء الذي شعرت به في تفاعلاتهما، لا يزال مثقلاً بولاء قديم، بوعد لم يتحقق، بمساحة داخلية لا تبدو جاهزة بعد لاستقبال شيء جديد، مهما كان صادقًا أو عميقًا.
“وعد لألريك؟” سألت كارلا بهدوء محسوب، محاولة أن تخفي الثقل المفاجئ في صدرها خلف نبرة فضول عادية، فقد سمعت اسمه من قبل في أحاديث عابرة بين إيفان وبوريس، دون أن تعرف التفاصيل الكاملة.
أومأ إيفان برأسه، غير ملاحظ التغير الطفيف في نبرة كارلا، لا يزال غارقًا في أفكاره الخاصة عن ألريك ووعده القديم. “نعم. وعدته يومًا أن أصبح شيئًا أكبر مما كنت عليه، أن أحقق شيئًا يستحق الذكر. لم أفِ بذلك الوعد بعد بالكامل، وأشعر أحيانًا أن كل شيء آخر في حياتي، حتى الأشياء الجيدة كتطهير هذا الطريق أو بناء صداقات حقيقية هنا في أوسترين، لا يزال معلقًا في انتظار تلك اللحظة التي أفي فيها أخيرًا بذلك الوعد.”
جلست كارلا صامتة لبعض الوقت، تستوعب ثقل ما سمعته للتو، إدراك متصاعد بأن اللحظة التي كانت تنتظرها منذ أشهر، اللحظة التي حلمت فيها بمشاركة مشاعرها أخيرًا مع رجل بدأت تحبه بصدق عميق، ربما لم تكن اللحظة المناسبة بعد، ربما لن تكون كذلك لفترة طويلة قادمة، ريثما يجد إيفان طريقه أخيرًا نحو إغلاق ذلك الفصل القديم من حياته.
“يبدو وعدًا ثقيلاً تحمله يا إيفان،” قالت أخيرًا، بصوت هادئ حاولت أن يبدو محايدًا قدر الإمكان، رغم الثقل الحقيقي الذي شعرت به خلف كلماتها. “آمل أن تجد طريقك للوفاء به قريبًا، مهما كان ذلك يعني بالضبط.”
“شكرًا لك،” قال إيفان بصدق، غير مدرك تمامًا حجم التضحية الصامتة التي قدمتها كارلا للتو، تراجعها الهادئ عن اعتراف كانت على وشك مشاركته، اختيارها أن تحمي مشاعرها الخاصة بدل أن تضغط على رجل واضح أن قلبه لا يزال مشغولاً بشيء آخر.
جلسا معًا بصمت لبعض الوقت الإضافي، يراقبان الشمس وهي تختفي تمامًا خلف خط الجبال، تاركة السماء بتدرجات أرجوانية وبرتقالية هادئة قبل أن يحل الظلام تدريجيًا. لم يكن صمتهما غريبًا أو متوترًا بشكل ظاهري، لكنه حمل، من جانب كارلا على الأقل، ثقلاً خفيًا لم يشعر به إيفان بوضوح كامل.
في طريق عودتهما نحو المدينة، حاول إيفان، بحس غريزي لم يفهمه تمامًا، أن يخفف من أي ثقل قد يكون خلقه بكلماته الأخيرة، رغم أنه لم يكن متأكدًا بالضبط من طبيعة ذلك الثقل.
“أنت صديقة حقيقية يا كارلا،” قال بصدق وهما يمشيان جنبًا إلى جنب في الظلام المتزايد. “لا أعرف كيف كنت سأتعامل مع كل هذه التعقيدات الأخيرة دون حضورك ودعمك المستمر. أنت من أكثر الأشخاص الذين أثق بهم في هذه المدينة كلها.”
ابتسمت كارلا ابتسامة حزينة قليلاً في الظلام، ابتسامة لم يستطع إيفان رؤيتها بوضوح كافٍ ليدرك حجم الألم الخفي خلفها. “صداقة” كلمة صادقة بلا شك، لكنها بعيدة تمامًا عما كانت تأمل أن تسمعه من إيفان في تلك اللحظة عند الغروب، بعيدة عن الاعتراف الذي كادت أن تنطقه بنفسها قبل أن تتراجع عنه بصمت.
“وأنت أيضًا صديق حقيقي يا إيفان،” قالت أخيرًا، بصدق لا يخلو من ثقل خفي، محاولة أن تجد سلامًا مؤقتًا في هذا التوصيف، حتى لو لم يكن كافيًا تمامًا لما تشعر به فعلاً في أعماقها.
افترقا عند تقاطع الشوارع القريب من نُزل الغراب الأسود، إيفان يتجه نحو بيته المؤقت الدافئ، وكارلا تتجه نحو حلبتها الصغيرة، حيث تعيش وحيدة في غرفة بسيطة ملحقة بمبنى التدريب. مشت وحدها في شوارع أوسترين الهادئة، الظلام قد حلّ تمامًا الآن، وأضواء المصابيح القليلة المتناثرة تلقي ظلالاً طويلة على الحجارة القديمة تحت قدميها.
حين وصلت أخيرًا إلى غرفتها، أشعلت نارًا صغيرة في الموقد البسيط، وجلست أمامها وحيدة، تراقب اللهب المتراقص بتركيز صامت، تفكر في كل ما حدث ذلك المساء، في اللحظة التي كادت أن تنطق فيها اعترافها أخيرًا، وفي الطريقة التي أعادها بها إيفان، دون قصد منه، إلى صمتها المعتاد.
لم تشعر بغضب حقيقي تجاهه، فقد عرفت منذ البداية تقريبًا، بحدسها الأنثوي الحاد، أن قلب إيفان محمّل بأثقال قديمة لم يتخلص منها بعد، أثقال أعمق بكثير من مجرد وعد قديم لصديق، ثقل فقدان أمه، ثقل سنوات من العزلة الاختيارية، ثقل رجل تعلّم أن يحمي الآخرين قبل أن يسمح لنفسه بأي شكل من أشكال الضعف العاطفي الحقيقي.
فكّرت كارلا، وهي تراقب النار تتراقص أمامها، في ماضيها الخاص، في الأسباب التي دفعتها هي أيضًً لتفهم صمت إيفان بهذا العمق، رغم أنها لم تشارك تفاصيل ذلك الماضي مع أحد بعد، حتى مع إيفان نفسه. كانت هي أيضًا تحمل جروحًا قديمة، هروبًا من حياة سابقة رفضتها بشدة، عائلة اعتبرت قدرتها الفطرية على التحكم بالنار لعنة أكثر منها موهبة، ورغبة عارمة في أن تجد مكانًا تنتمي إليه حقًا، لا كأداة نافعة أو موهبة نادرة تُستغل، بل كإنسانة كاملة تُحب لذاتها.
ربما، فكّرت كارلا بحكمة متأنية بدأت تتشكل في ذهنها تلك الليلة، هذا هو بالضبط ما جذبها نحو إيفان منذ البداية، ليس فقط قوته أو حضوره المهيب، بل ذلك الجرح المشترك الذي شعرت به بينهما، ذلك الفراغ الذي يحمله كلاهما بصمت، محاولين ملأه بطرق مختلفة: هو بحمل مسؤولية حماية الآخرين، وهي بإتقان مهارة قتالية استثنائية منحتها احترامًا لم تحظَ به يومًا في حياتها القديمة.
“سأنتظر،” همست كارلا لنفسها في الظلام الهادئ، قرار هادئ يتشكل في صدرها ببطء، ليس استسلامًا حزينًا، بل صبرًا واعيًا اختارته بإرادتها الكاملة. “سأنتظر حتى يجد طريقه، مهما استغرق ذلك من وقت. لن أضغط عليه، ولن أطلب منه أكثر مما يستطيع منحه الآن. لكنني لن أتخلى عن هذا الشعور أيضًا، لأنه حقيقي، وصادق، ويستحق الانتظار.”
في تلك الليلة نفسها، وحيدًا في غرفته في نُزل الغراب الأسود، جلس إيفان على حافة سريره، ذهنه يعود بلا سبب واضح إلى تفاصيل المساء الذي قضاه مع كارلا، إلى ذلك الصمت الغريب الذي حل بينهما بعد حديثه عن ألريك، صمت شعر بثقله دون أن يفهم مصدره بوضوح كامل.
فكّر في كارلا لبعض الوقت، في ابتسامتها الحزينة قليلاً حين قال لها “صديقة حقيقية”، في نظرتها البعيدة وهي تراقب الغروب معه على تلك الصخرة. شعر بشيء غامض يقلقه دون أن يستطيع تحديده بدقة، إحساس خفيف بأنه فوّت شيئًا مهمًا في ذلك الحديث، شيئًا كانت كارلا تحاول قوله له ولم يفهمه بالكامل.
لكنه، كعادته في التعامل مع مشاعره المعقدة، اختار أن يدفع ذلك التساؤل جانبًا، مقنعًا نفسه أن الأمر لا يستحق قلقًا إضافيًا وسط كل التعقيدات الأخرى التي تحيط به حاليًا: بيت فولغرين، والذئاب السود، ومسؤولية أوسترين المتصاعدة. أطفأ الشمعة أخيرًا، واستلقى في الظلام، غير مدرك أنه، بصمته وعدم انتباهه، ربما ترك خلفه في تلك اللحظة على التل شيئًا كان يمكن أن يصبح جميلاً حقًا، لو أنه فقط أصغى بعمق أكبر قليلاً إلى ما بين الكلمات.
في الأيام التالية، استمرت العلاقة بين إيفان وكارلا كما هي ظاهريًا، تدريبات مشتركة، نقاشات استراتيجية، ودعم متبادل في مواجهة التحديات المتصاعدة لحملتهما المشتركة. لم يتغير شيء ظاهري في تعاملهما اليومي، لكن كارلا حملت، بصمت هادئ لا يشوبه استياء ظاهر، وعيًا جديدًا بحدود ما تستطيع أن تطلبه من إيفان الآن، وقبولًا ناضجًا لفكرة أن بعض المشاعر تحتاج وقتًا أطول لتجد طريقها إلى النور، مهما كانت صادقة أو عميقة.
في إحدى الأمسيات، بينما كانا يتدربان معًا كالعادة، توقفت كارلا فجأة عن الحركة، نظرت إلى إيفان بجدية غير معتادة.
“إيفان،” قالت بصوت هادئ لكنه حازم. “مهما حدث في المستقبل، مهما استغرقك الوقت للوفاء بوعودك القديمة أو إيجاد سلامك الداخلي، أريدك أن تعرف شيئًا: سأبقى بجانبك، كصديقة وكشريكة قتال، بغض النظر عن أي شيء آخر. هذا وعد أقطعه لك بصدق كامل، لا يحتاج مقابلاً محددًا.”
نظر إيفان إليها بامتنان عميق، غير مدرك تمامًا الثقل الكامل خلف كلماتها، لكنه شعر بصدقها الواضح، بقوة التزامها التي لا تشبه أي التزام عابر. “وأنا أعدك بالمثل يا كارلا. مهما حدث، ستبقين من أهم الأشخاص في حياتي.”