الفصل 193 - إيفان المتوحش
في الصباح التالي لاتفاقه مع فولك، لم يكن إيفان قد نسي بعد دفء الحساء الرقيق الذي أعدّته مارتا، ولا وجه إيلينا وهي تحتضن كيس الدواء كأنه كنز لكن هذه الأفكار كانت تنزوي في مكان بعيد من ذهنه كلما اقترب موعد مهمة، لأن رجلاً يفكر في المشاعر وهو يستعد للقتال، رجل يموت مبكرًا.
نزل إلى الطابق السفلي من نُزل “الغراب الأسود” وهو يحمل حقيبته الجلدية الثقيلة، ليجد مارتا تنتظره عند الباب بوجه قلق لم تخفِه جيدًا.
“غابة الظل الرمادي يا إيفان،” قالت وهي تصلح ياقة معطفه بحركة أمومية لم يطلبها منها أحد. “سمعتُ حكايات كثيرة عن تلك الغابة هذا الشهر.”
“وأنا سمعت حكايات أكثر عن نزلك يا مارتا، ومع ذلك ما زلت أعود إليها كل مرة،” أجاب إيفان بابتسامة خفيفة حاول أن يخفف بها من قلقها.
“لا تمزح. عد سالمًا لا أريد أن أعلّق لافتة سوداء على غرفتك في الطابق العلوي.”
“إن متّ، عديني أن تؤجري الغرفة بسعر أعلى لا تدعي أحدًا يستفيد من غيابي مجانًا.”
ضحكت مارتا رغم قلقها، ودفعته برفق نحو الباب. “اذهب انه وعد.”
عند بوابة المدينة الشرقية، كان بوريس ينتظره ممتطيًا حصانًا ضخمًا داكن اللون، درعه المعدني يلمع خفيفًا تحت شمس الصباح الشاحبة، وسيفه الثقيل معلّق على ظهره بجانبه وقفت القافلة: ثلاث عربات محمّلة بأكياس التوابل وبالات الحرير وصناديق خشبية مقفلة بأقفال حديدية، يقودها ستة تجار وسائقين، وفولك نفسه يمتطي حصانًا أبيض أنيقًا لا يشبه شيئًا آخر في هذا الموكب المتواضع.
“سيد إيفان،” قال فولك وهو يقترب. “أرى أنك أحضرت معك رفيقًا.”
“بوريس يعمل معي منذ خمس سنوات أثق بظهره أكثر مما أثق بظهري.”
نظر فولك إلى بوريس نظرة تقييم سريعة، كأنه يزن قيمته بالذهب. “هل هو مسجّل في نقابة المرتزقة؟ وما درجته؟”
“الدرجة الرابعة،” أجاب بوريس بنفسه قبل أن يجيب إيفان، بصوت أجش فيه فخر خفي. “وإرادتي بلغت مستوى الفهم فحسب، لكنها كافية لأكسر العمود الفقري لمن يحاول لمس عرباتك الثمينة.”
ابتسم فولك ابتسامة أرادها مطمئنة، لكنها بدت أقرب إلى القلق المُقنَّع. “جيد. جيد جدًا. لنتحرك إذن، أريد الوصول إلى نقطة الاستراحة الأولى قبل الظهر.”
بينما كانت العربات تبدأ بالحركة، اقترب بوريس من إيفان بحصانه وخفض صوته. “لم تخبره أنك من الدرجة الثالثة، ولا أن إرادتك بلغت مستوى التحكم. لم تخبره بشيء عن التوحش أصلاً.”
“لا أحب أن أخبر التجار بكل ما أملك،” قال إيفان وهو يتفحص الطريق أمامهم بعينيه الرماديتين. “يجعلهم يظنون أنهم يستطيعون التفاوض على أجري أكثر، أو يجعلهم يخافون مني أكثر من اللازم فيرفضون العمل معي أصلاً. الناس لا يحبون التعامل مع رجل يستطيع أن يتحول إلى وحش.”
“ولا يعلمون أن الوحش هو أفضل ما يحميهم،” قال بوريس بابتسامة عريضة.
لم يجب إيفان، بل اكتفى بدفع حصانه ليتقدم الموكب.
القوة في هذه الأرض لم تكن تُقاس بالسيف وحده، بل بما يسميه الناس “الإرادة” – ذلك الشيء الخفي الذي يشحذ الجسد والحواس، وتُقاس درجاته بخمسة مستويات معترف بها في كل نقابة ومدرسة قتال.
المستوى الأول هو “الإحساس”، حيث يستشعر المقاتل قوته كإحساس طفيف يتجاوز الحواس العادية، كالشعور بالخطر قبل وقوعه أو استشعار قوة عدو لم يره بعد؛ أغلب المبتدئين، لا يتجاوزون هذا المستوى طوال حياتهم. يليه المستوى الثاني، “الفهم”، حيث يدرك المقاتل مفهوم الإرادة نفسها، فيقاتل وفق تقلباتها ويصبح أكثر وعيًا بمحيطه؛ هذا المستوى هو ما يميز “الفارس المتدرب” عن الجندي العادي.
أما المستوى الثالث فهو “التحكم”، حيث يتعلّم المقاتل أن يوجّه إرادته بنفسه، يخفّفها أو يكثّفها حسب الحاجة، لكنها تبقى إرادة عادية لم تتجاوز حدودها الطبيعية بعد. وينقسم هذا المستوى بدوره إلى ثلاث درجات: “متحكم أولي” لمن بدأ للتو يتقن التحكم، و”متحكم متقدم” لمن أحكم قبضته عليه، و”متحكم شامل” لمن أتقنه تمامًا واقترب من عتبة المستوى التالي.
فوق ذلك يأتي المستوى الرابع، “التجلي”، حيث تتجاوز إرادة المقاتل حدودها العادية ويستطيع أن يفرضها على نفسه ليعزز قدراته وقوته الجسدية، بل ويمكنه أحيانًا دمج أكثر من إرادة واحدة في آن؛ هذا هو مستوى “الفارس الكبير”. وأخيرًا المستوى الخامس، “التجسيد”، حيث تتخطى الإرادة حيز الذات لتشمل المحيط كله، فيصبح المقاتل نفسه منارة تتحكم بما حوله – مستوى نادر لا يبلغه إلا القلة.
أما نقابة المرتزقة فلها سُلّمها الخاص، منفصل عن مستويات الإرادة وإن كان مرتبطًا بها: خمس درجات، خامستها الأدنى وأولاها الأعلى، ومن يبلغ الدرجة الأولى يُلقَّب بـ”بطل”، لقب لا يحمله في القارة كلها سوى قلة معدودة. كان إيفان مرتزقًا من الدرجة الثالثة، وهي درجة عالية تضعه في مصاف المرتزقة الأكفاء الذين تتنافس النقابات الكبرى على توظيفهم، وإرادته بلغت المستوى الثالث، “متحكم أولي” – بداية الطريق نحو التحكم الكامل، لكنه بداية قوية بما يكفي لتجعل التجار الحذرين يترددون قبل توظيفه، لأن قدرات التحول كانت من أندر أنواع قدرات التحكم وأكثرها خطورة، على صاحبها قبل أعدائه.
قدرته، التي أطلق عليها هو نفسه اسم “التوحش”، لم تكن هبة بقدر ما كانت لعنة تعلّم أن يرتديها كدرع. حين يستدعيها، يتحول جسده ببطء رهيب: تطول أظافره لتصبح مخالب حادة كالخناجر، تتمدد عضلاته وتتضخم حتى يتمزق قميصه إن لم يخلعه أولاً، تنمو على جلده طبقة من الفرو الرمادي الداكن، ويتغير وجهه ليصبح أقرب إلى وجه ذئب ضخم منتصب على قدمين، بأنياب طويلة وعينين تتحولان من الرمادي البارد إلى أصفر محترق كالنار.
في تلك الحالة، كانت قوته تتضاعف عدة مرات، وسرعته تفوق أي حصان، وجروحه تلتئم أمام العين المجردة. لكن الثمن كان باهظًا: كلما طالت مدة التحول، ازداد خطر أن يفقد إيفان نفسه داخل الوحش، أن تتلاشى آخر خيوط عقله البشري وسط عاصفة الغريزة والدم والعنف الخام. لهذا السبب لم يكن يستخدم “التوحش” إلا حين لا يكون هناك خيار آخر، وحين يكون واثقًا أن هناك من يستطيع إيقافه إن تجاوز الحد – وهذا الشخص، منذ خمس سنوات، كان بوريس.
سارت القافلة طوال الصباح عبر طرق ترابية محاطة بحقول مهجورة، أرض كانت يومًا خصبة وأصبحت الآن مليئة بالأعشاب البرية والحجارة، شاهدًا آخر على تدهور المنطقة كلها لا مدينة أوسترين وحدها. توقفوا عند الظهيرة عند نبع صغير ليستريح الحصان والرجال، وهناك جلس إيفان وبوريس بعيدًا قليلًا عن التجار يتناولان خبزًا يابسًا وقطعة جبن.
“أخبرني،” قال بوريس فجأة وهو يمضغ، “لماذا لم تسعَ لبلوغ التحكم المتقدم بعد؟ أنت أقوى من نصف من قابلتهم من أهل ذلك المستوى، وأنت لا تزال متحكمًا أوليًا فقط.”
هزّ إيفان كتفيه. “بلوغ التحكم المتقدم يحتاج اختبارًا لمقدار استعدادي لكسب القوة و هو أمر محفوف بالمخاطر و الموت لبلوغه أسهل بكثير و أنا لست من النوع الذي يرمي حياته في مهب الريح فأنا اقدر حياتي.”
توقف بوريس عن المضغ للحظة، ونظر إلى صديقه بجدية غير معتادة. “ما زلت لا تثق بي بما يكفي لتخبرني بالكامل؟”
“الأمر ليس ثقة يا بوريس. الأمر أن بعض الأشياء، إن قلتها بصوت عالٍ، تصبح حقيقية أكثر مما أحتمل.”
لم يضغط بوريس أكثر، فقد تعلّم منذ سنوات أن إيفان رجل يعطي حين يريد هو، لا حين يُطلب منه و يعلم ايضا انه رجل مستعد للتضحية بحياته من اجل مساعدة الآخرين عادا إلى الصمت، بينما كانت الشمس الشاحبة تحاول أن تخترق سحابًا رماديًا كثيفًا فوقهما.
عند دخول القافلة إلى غابة الظل الرمادي بعد الظهر، تغيّر كل شيء الأشجار هنا كانت أعلى وأكثر كثافة، تتشابك أغصانها فوق الطريق حتى تحجب معظم الضوء، والصمت كان من النوع الثقيل الذي يجعل حتى صوت حوافر الأحصنة يبدو صاخبًا أكثر من اللازم.
شعر إيفان بالتوتر يتسلل إلى جسده قبل أن يرى أي شيء، غريزة تشكّلت عبر سنوات من القتال أكثر من كونها حاسة سادسة. رفع يده مشيرًا للقافلة بالتوقف.
“ما الأمر؟” سأل فولك بصوت منخفض قلِق.
“اصمت،” همس إيفان، عيناه تتحركان بين الأشجار المحيطة. “شيء ليس على ما يرام.”
مرت لحظات ثقيلة من الصمت، لم يُسمع فيها سوى خشخشة أوراق الشجر مع الريح الخفيفة. ثم، فجأة، انطلق سهم من بين الأشجار مصيبًا أحد سائقي العربات في كتفه، فسقط صارخًا عن مقعده.
“كمين!” صرخ بوريس وهو يجرد سيفه الثقيل من غمده.
انفجر المشهد فوضى؛ رجال مقنّعون بأقنعة من جلد مدبوغ ورؤوس ذئاب مرسومة عليها انقضّوا من بين الأشجار، بعضهم يحمل سيوفًا وبعضهم أقواسًا، صراخهم يمزق سكون الغابة. كانوا يرتدون شارة صغيرة على أكتافهم: رأس ذئب أسود بأنياب حمراء – “الذئاب السود”، العصابة التي حذّر منها بوريس.
“إيفان! هناك أكثر من اثني عشر منهم!” صاح بوريس وهو يصد ضربة سيف موجهة نحو رأسه.
عدّ إيفان بسرعة الأعداء الظاهرين: خمسة يحيطون بالعربات مباشرة، وأربعة يتقدمون نحوه وبوريس، الاربعة كانوا من متحكمين اوليين وعلى الأرجح آخرون مختبئون بين الأشجار يستعدون بأسهمهم. هذا لم يكن كمين قُطّاع طرق عاديين يبحثون عن غنيمة سريعة، بل هجوم منظم يهدف إلى إبادة القافلة كاملة.
“احمِ التجار!” صرخ إيفان لبوريس، وهو يجرد سيفه الطويل بحركة واحدة سريعة.
في البداية، قاتل إيفان كمقاتل عادي، سيفه يتراقص بين ضربات دفاعية وهجومية محسوبة بدقة، جسده يتحرك بخفة تناقض حجمه الضخم أسقط أول مهاجم بطعنة سريعة في الفخذ ثم ضربة مقبض السيف على صدغه، وتحول فورًا لصد سيف ثانٍ اقترب من ظهره.
لكن عدد المهاجمين كان يزداد، وسهام جديدة بدأت تنهال من الأشجار المحيطة، إحداها مزقت كتف إيفان قبل أن يتمكن من الالتفاف بالكامل، فشعر بالألم الحاد ينتشر في ذراعه.
نظر بسرعة نحو العربات؛ أحد التجار سقط أرضًا مضرجًا بدمائه، وامرأة تاجرة كانت تصرخ وهي تحاول حماية صندوق صغير تحمله بين ذراعيها، وفولك نفسه كان يحاول الهرب بحصانه لكن أحد المهاجمين أمسك بلجامه.
كان هذا هو الحد الذي كان إيفان ينتظره، اللحظة التي يعرف فيها أن السيف وحده لن يكفي.
أغمض عينيه للحظة واحدة، وهمس لنفسه بصوت لم يسمعه أحد وسط الفوضى: “سامحيني يا أمي مرة أخرى.”
ثم فتح عينيه، وكانتا قد تحولتا بالفعل إلى ذلك الأصفر المحترق.
بدأ التحول بصوت أشبه بصوت عظام تتكسر وتُعاد صياغتها في آن واحد، صوت جعل حتى بوريس، الذي رآه عشرات المرات، يشعر بقشعريرة تسري في جسده. تمزق قميص إيفان وهو يتضخم أمام أعين المهاجمين المرتبكين، عضلاته تنتفخ تحت جلد بدأ يتغطى بفرو رمادي داكن، أصابعه تطول وتتحول أظافرها إلى مخالب سوداء لامعة كالحديد المصقول.
توقف القتال للحظة، حتى مهاجموه المقنّعون تجمّدوا في أماكنهم، وبعضهم بدأ يتراجع خطوة إلى الوراء بغريزة خوف بدائية.
ثم انتصب إيفان على قدمين، بطول يفوق طوله الطبيعي برأس كامل تقريبًا، بوجه أقرب إلى وجه ذئب ضخم بفكين قويين وأنياب بارزة، وعينين صفراوين تتوهجان في ظل الغابة الكثيف كأنهما جمرتان.
“ما… ما هذا؟!” صرخ أحد المهاجمين المقنّعين، صوته يرتجف رغم قناعه.
لم يجب إيفان – أو ربما لم يعد إيفان قادرًا على الإجابة بالكلمات في هذه الحالة – بل انطلق نحوهم بسرعة تفوق سرعة أي حصان، واختفى شكله البشري تمامًا خلف موجة من العنف المحسوب.
كانت المعركة التي تلت ذلك أشبه بعاصفة. أسقط إيفان اثنين من المهاجمين بضربة واحدة من مخلبه، أرسلهما بعيدًا مرتطمين بجذع شجرة، ثم استدار بسرعة ليمسك بثالث كان يحاول إطلاق سهم نحو بوريس، وسحقه بقبضته قبل أن يستطيع تحرير الوتر.
كان الرعب واضحًا في عيون من تبقى من المهاجمين، الرعب الذي يجعل رجالاً معتادين على القتل يفكرون فجأة في الفرار بدل المواجهة. اثنان منهم حاولا الهرب فورًا بين الأشجار، لكن إيفان – أو الوحش الذي بداخله – كان أسرع، أمسك بأحدهما من ساقه وهو يجري وألقاه أرضًا بقوة أفقدته الوعي فورًا، ثم توقف فجأة أمام الآخر.
في تلك اللحظة بالذات، ورغم كل الغريزة المتوحشة التي تسري في عروقه، رفع إيفان مخلبه وتوقف على بعد أصابع قليلة من عنق الرجل الراكع أمامه المرتجف من الخوف، متوسلاً بصوت متقطع: “أرجوك… أرجوك لا…”
جزء صغير من عقل إيفان، الجزء الذي ظل متمسكًا بإنسانيته وسط عاصفة الغريزة، تعرّف على نبرة الخوف تلك، النبرة نفسها التي سمعها من رجال كثيرين توسّلوا إليه في معارك سابقة، والنبرة التي كانت تذكّره دائمًا أن الوحش الذي بداخله، مهما بلغت قوته، لا يجب أن يقتل رجلاً استسلم بالفعل.
توقف مخلبه في الهواء، ثم بدلاً من الفتك، دفع الرجل بقوة كافية لإسقاطه فاقدًا للوعي دون أن تلمسه المخالب.
من بعيد، كان بوريس يقاتل آخر اثنين من المهاجمين المتبقين قرب العربات، وقد تمكّن أخيرًا من إسقاط أحدهما، حين رأى إيفان المتحول يقف فجأة، يتنفس بعمق ككائن يحاول أن يتحكم في عاصفة داخلية، والمهاجمون الذين بقوا أحياء يفرّون هاربين بين الأشجار بأقصى سرعة ممكنة، تاركين خلفهم رفاقهم المصابين أو فاقدي الوعي.
“إيفان!” صرخ بوريس، محاولاً أن يصل صوته إلى الجزء المتبقي من عقل صديقه البشري وسط جسد الوحش. “انتهى الأمر! توقف الآن!”
استدار إيفان المتحول ببطء نحو صوت بوريس، عيناه الصفراوان تلمعان بشكل مخيف في الظل، وللحظة – لحظة طويلة جدًا بالنسبة لبوريس الذي وضع يده على مقبض سيفه احتياطًا – بدا وكأن الوحش لا يتعرف على صوت صديقه القديم.
“إيفان،” قال بوريس بصوت أكثر هدوءًا هذه المرة، خطوة بخطوة يقترب دون سلاح مرفوع. “أنت في أوسترين القافلة بأمان مارتا تنتظرك، وإيلينا تنتظر دواءك القادم عد إلينا.”
ذكر اسم إيلينا تحديدًا، لأنه كان يعرف أن هذا الاسم من الأسماء القليلة القادرة على شق طريقها عبر ضباب الغريزة إلى قلب إيفان الحقيقي.
بدأ جسد الوحش يرتجف أنينًا خفيفًا يشبه أنين إنسان أكثر مما يشبه زئير ذئب صدر منه، ثم بدأ التحول العكسي، بطيئًا ومؤلمًا بقدر ما كان التحول الأول، حتى عاد إيفان إلى شكله البشري، عاريًا من الخصر فما فوق، جسده يرتجف من الإرهاق ومغطى بالعرق والدم – بعضه دمه، وبعضه دم أعدائه – وسقط على ركبتيه فجأة، وكأن كل القوة التي امتلكها قبل لحظات تسربت منه دفعة واحدة.
أسرع بوريس نحوه، والتقط معطفًا من إحدى العربات ألقاه على كتفي إيفان المرتجفتين.
“هل أنت هنا معي؟” سأل بصوت منخفض، عيناه تفحصان وجه إيفان بحثًا عن أي علامة على أن الوحش لم يغادر بعد بالكامل.
“أنا هنا،” أجاب إيفان بصوت متعب وأجش، أكثر بحّة من صوته المعتاد. “أعطني… لحظة.”
جلس بوريس بجانبه على الأرض الرطبة، ينتظر بصمت بينما كان التجار الناجون يجتمعون حول العربات مرتجفين، بعضهم لا يستطيع أن ينظر مباشرة إلى إيفان بعد ما رآه، وكأن ذلك المشهد قد غيّر نظرتهم إليه إلى الأبد.
اقترب فولك أخيرًا، وجهه شاحب أكثر من المعتاد، لكنه حاول أن يستعيد هيئته التجارية المعتادة. “سيد… سيد إيفان. أنا… لم أكن أعرف أنك تملك قدرة كهذه.”
“والآن تعرف،” قال إيفان وهو ينهض ببطء، متكئًا على كتف بوريس. “وأتمنى أن تنسى ما رأيته بأسرع ما يمكن. لا أحب أن يتحدث الناس عني في الحانات.”
“لن… لن أنسى بالطبع، لكنني لن أتحدث عنه أيضًا،” تلعثم فولك. “أنقذتنا. أنقذت البضاعة بأكملها تقريبًا. سأدفع لك عشر قطع إضافية عند وصولنا.”
“احتفظ بذهبك،” قال إيفان وهو يمسح الدم عن يده بقطعة قماش أعطاها له بوريس. “اتفقنا على تسع، و سآخذ تسعا. لا أحب أن يُنظر إليّ كوحش يُشترى صمته بالمال الإضافي.”
نظر إليه فولك نظرة لم يفهمها تمامًا، مزيج من الخوف والاحترام، قبل أن يومئ برأسه صامتًا ويعود إلى تفقد عرباته.
في الليل، بعد أن ضمّدوا جراح المصابين واستأنفت القافلة سيرها ببطء نحو نقطة استراحة أكثر أمانًا، جلس إيفان وبوريس بمفردهما قرب نار صغيرة أشعلاها بعيدًا عن مخيم التجار، كأن الجميع اتفق ضمنيًا على أن الرجل الذي تحول إلى وحش قبل ساعات يحتاج مساحة خاصة به.
“كم استمر التحول هذه المرة؟” سأل بوريس وهو يمرر لإيفان قطعة خبز.
“لا أعرف بالضبط. عشر دقائق؟ خمس عشرة؟” أجاب إيفان بصوت ما زال متعبًا. “الوقت يختفي حين أكون هناك.”
“كنت قريبًا من فقدان نفسك هذه المرة رأيت ذلك في عينيك حين توقفت أمام ذلك الرجل الراكع.”
صمت إيفان طويلاً، ينظر إلى النار المتراقصة. “في كل مرة، يصبح أصعب قليلاً أن أعود. كأن جزءًا من الوحش يبقى بداخلي بعد كل تحول، صغيرًا، لكنه لا يختفي أبدًا.”
“ولماذا إذن تستمر في استخدامها؟ يمكنك الاعتماد على السيف وحده، أنت بارع بما يكفي.”
نظر إيفان إلى صديقه بعينين رماديتين استعادتا برودتهما المعتادة، لكن فيهما هذه المرة شيء من الصدق النادر. “لأن السيف وحده لم يكن كافيًا اليوم لإنقاذ التاجرة التي كانت تحمل صندوقها الصغير، ولا لإنقاذ الرجل الذي أصابه السهم في كتفه. الوحش الذي بداخلي مخيف يا بوريس، أعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر لكنه أيضًا الشيء الوحيد الذي يجعلني قويًا بما يكفي لأحمي من لا حول لهم ولا قوة إن كان عليّ أن أحمل هذا الثقل كل مرة كي يعود إيلينا وابنها وأمثالهم إلى بيوتهم بأمان، فسأحمله.”
لم يقل بوريس شيئًا لبعض الوقت، بل اكتفى بالنظر إلى صديقه بإعجاب صامت لم يعبّر عنه بالكلمات، قبل أن يربت على كتفه ويقول: “لهذا لن أدعك تحمل هذا الثقل وحدك أبدًا يا إيفان. مهما بلغت وحشيتك، ستبقى بحاجة إلى من يذكّرك بطريق العودة.”
ابتسم إيفان ابتسامة خفيفة، نادرة، لم يرها بوريس على وجهه منذ زمن طويل. “لهذا أبقيك بجانبي رغم أنك تأكل أكثر مما تقاتل.”
ضحك بوريس ضحكة عالية كسرت جزءًا من ثقل الليل، وتناول الاثنان ما تبقى من خبزهما اليابس وسط صمت الغابة الليلي، بينما كانت النجوم القليلة التي استطاعت اختراق الغيوم فوق غابة الظل الرمادي تراقب رجلاً وجد في وحشه وسيلة حبّ غريبة، لا يفهمها أحد سواه، ولا يقبل أن يتخلى عنها مهما كلّفه الثمن.
وصلت القافلة، بعد يومين إضافيين من السفر الحذر، إلى مدينة كارنوث سالمة تقريبًا، باستثناء التاجر الذي أصيب بالسهم والذي تعافى بفضل رعاية سريعة من طبيب محلي سلّم فولك إيفان أجره كاملاً كما اتُّفق، تسع قطع ذهبية لا أكثر ولا أقل، ثم أضاف قبل أن يفترقا:
“سيد إيفان، مهما يكن ما رأيته في تلك الغابة، أريدك أن تعرف أنني سأطلب خدماتك مجددًا في المرة القادمة التي أحتاج فيها حراسة لقافلتي. الرجل الذي يتوقف أمام عدو مهزوم بدل أن يقتله، حتى وهو متحول إلى وحش، هذا رجل أثق بضميره أكثر من ثقتي بأي جندي يرتدي درعًا لامعًا.”
لم يجب إيفان بشيء سوى إيماءة صامتة من رأسه، وامتطى حصانه مع بوريس عائدين نحو أوسترين، حيث كانت مدينة رمادية متعبة تنتظر عودتهما، بأزقتها الضيقة وحاناتها الدخانية ونبع القديسة أوغستا الذي لا يزال يتدفق رغم كل شيء، وأم باروس التي ستسأله عند عودته بابتسامتها المعتادة إن كان قد أكل جيدًا في رحلته، غير عالمة أن الرجل الذي تحدّثه كل جمعة هو نفسه الوحش الذي تفرّ منه العصابات المسلحة في أعماق الغابات.
كان إيفان يعرف أن هذا الثمن – أن يبقى سرّه مخفيًا، أن يحمل وحشه بمفرده تقريبًا، أن يُنظر إليه كمرتزق بلا قلب في نهار المدينة بينما يذوب قلبه سرًا في ظلامها – ثمن سيدفعه طويلاً لكنه كان ثمنًا يقبله برضا، لأن الطريق الوحيد الذي يعرفه للبقاء إنسانًا وسط كل هذا العنف، كان أن يستخدم وحشيته لحماية من لا يملكون وحشًا يحميهم.