الفصل 192 - رجل من الرماد
كانت مدينة “أوسترين” تشبه جرحًا قديمًا رفض أن يلتئم تمتد على ضفة نهر ثقيل الماء، رمادي كسماء لا تعرف الصحو، تحيط بها أسوار حجرية تآكلت أطرافها من كثرة الحروب التي مرّت بها ولم تخترقها في الأزقة الضيقة كانت روائح الفحم والسمك المملّح تتصارع مع رائحة الخبز الفاسد، وفوق كل هذا كان صوت الأجراس يعلن كل ساعة أن الوقت ما زال يمشي، رغم أن أهل المدينة توقفوا منذ زمن عن الشعور بذلك.
منذ سقوط سعر الحبوب قبل ثلاثة مواسم، ومنذ أن أغلقت مصانع النسيج أبوابها الواحد تلو الآخر، صارت “أوسترين” مدينة تعيش على الذكريات وعلى قروض لا تُسدَّد الناس هنا لم يعودوا يبتسمون بسهولة، لكنهم لم يفقدوا طقوسهم الصغيرة؛ كل صباح جمعة كانت النساء يجتمعن عند نبع “القديسة أوغستا” يغسلن الأقمشة ويتبادلن الحكايات، وكل مساء كان الرجال يتجمعون في حانة “الذئب الأعرج” يشربون جعة رخيصة ويلعنون الحكام والطقس معًا، وكأن كليهما مسؤول عن الجوع.
في هذا الركن من العالم، حيث الفقر يُخفي أنيابه خلف عادات قديمة من الكرم واللطف، كان إيفان يعيش.
فتح إيفان عينيه على صوت غراب ينعق فوق السطح الخشبي المتصدع لم يتحرك للحظة، بل بقي مسندًا ظهره إلى السرير البارد، ينظر إلى السقف كمن يحاول أن يتذكر أي مدينة استيقظ فيها هذه المرة ثم تذكّر: أوسترين مدينته المدينة الوحيدة التي كان يسمح لنفسه أن يسميها كذلك.
نهض ببطء رجل في أواخر الثلاثينيات، طويل القامة بشكل يجعله ينحني قليلًا كلما دخل من باب منخفض، بجسد نحته سنوات من القتال أكثر مما نحتته أي صالة تدريب كانت ذراعاه مغطاتين بندبات متفاوتة العمر، بعضها وردي حديث وبعضها أبيض عتيق كأنه خط على خارطة قديمة يروي حربًا لم يعد أحد يذكر سببها على خده الأيسر كانت هناك ندبة طويلة تبدأ من زاوية عينه وتنتهي قرب فكه، أثر سيف لم يُسدَّد ثمنه بعد، كما كان يقول لمن يسأله بفضول لا داعي له شعره أسود يميل إلى الرمادي عند الصدغين، مقصوص بإهمال متعمد، ولحية خفيفة لم تكتمل يومًا لأنه لم ير يومًا داعيًا لإكمالها.
لكن عينيه كانتا الشيء الذي يجعل الناس يترددون قبل الاقتراب منه؛ رماديتان باردتان، تحسبهما عيني ذئب أكثر منهما عيني إنسان، لا لأنهما قاسيتان بطبيعتهما، بل لأنهما تعوّدتا ألا تُظهرا شيئًا كان إيفان قد تعلّم منذ زمن بعيد أن الوجه الهادئ يُبقي الرجل حيًّا في مهنته أكثر من أي سيف.
نهض من فراشه المتواضع فوق أرضية الغرفة الصغيرة التي يستأجرها في الطابق العلوي من نُزل “الغراب الأسود”، غرفة لا تتسع لأكثر من سرير وصندوق خشبي وموقد صغير يكاد لا يدفئ شيئًا في ليالي الشتاء. مدّ يده إلى الصندوق وأخرج قميصًا رماديًا خشنًا، ثم درعًا جلديًا مُرقّعًا في مواضع كثيرة، أثبت على كتفه الأيمن شعار صغير محفور بالحديد: رأس ذئب مكسور الناب لم يكن هذا شعار جيش أو نقابة، بل علامته الخاصة، الشيء الوحيد الذي بقي له من حياة أخرى لم يعد يتحدث عنها.
نزل الدرج الخشبي الذي صرّ تحت وطأته، ليجد صاحبة النُزل، “مارتا”، امرأة في الخمسين ذات وجه متعب لكنه لم يفقد دفئه، تُعِدّ الحساء على النار.
“استيقظت أخيرًا،” قالت من دون أن ترفع رأسها عن القدر. “ظننتك متّ في الأعلى.”
“لو متّ، لكانت رائحة الحساء هذه أيقظتني من قبري،” أجاب إيفان بصوت أجش، وهو يجلس على المقعد الخشبي المهتز أمام الطاولة.
ابتسمت مارتا رغمًا عنها. “لسانك ما زال حادًا كسكينك.”
“السكين لا يخذلني أبدًا أما اللسان أحيانًا يفعل.”
وضعت أمامه وعاءً من الحساء الرقيق – بصل وقليل من الشعير، لا لحم فيه، فاللحم أصبح ترفًا لا تملكه حتى النُزل التي كانت يومًا تُطعم عشرات المسافرين كل ليلة.
“الزبائن قلّوا هذا الشهر،” قالت مارتا وهي تجلس أمامه تمسح يديها بمئزرها.
“ثلاثة فقط نزلوا عندي الأسبوع الماضي الطرق أصبحت خطرة، وحتى التجار الذين كانوا يمرون من هنا صاروا يأخذون الطريق الشمالي، الأطول، هربًا من قُطّاع الطرق.”
“وأنا هنا أزيد الطين بلّة، أعيش عندك من دون أن أدفع نصف ما يجب،” قال إيفان وهو يحرك الحساء بملعقته الخشبية.
“لو لم تكن هنا لطردني اللورد “دورين” من هذا المكان منذ سنتين، حين أرسل رجاله يطالبونني بضريبة لا أملك ثمنها. لا تتحدث عن الدين يا إيفان. أنت دفعت أكثر مما يُقدَّر بالفضة.”
صمت إيفان قليلًا، عيناه على بخار الحساء الصاعد. لم يكن يحب أن يُذكَّر بأفعاله الطيبة؛ كان يفضّل أن يُنظر إليه كرجل بلا قلب، رجل يقتل من أجل المال ولا شيء غير المال الأمر أسهل هكذا أسهل على الجميع.
خرج إلى الشارع بعد أن أنهى وجبته، ولفّ حول كتفيه معطفًا جلديًا طويلًا داكن اللون، وربط على خصره حزامًا يحمل سيفًا واحدًا طويلًا وخنجرًا قصيرًا مخفيًا في نعل حذائه، عادة تعلّمها من مرتزق عجوز قال له مرة: “الرجل الذي يعتمد على سلاح واحد، رجل ميت لم يكن يعرف بعد.”
كانت شوارع أوسترين في الصباح مزدحمة بذلك الازدحام الحزين الذي يميز المدن الفقيرة؛ باعة متجولون ينادون على بضاعة قليلة بأسعار مرتفعة، أطفال حفاة يجرون خلف عربة خبز أملًا في فتات يسقط منها، وشيوخ يجلسون عند أبواب بيوتهم ينظرون إلى المارة بعيون فارغة، كأنهم ينتظرون شيئًا لم يعد قادمًا.
عبر إيفان الساحة الكبرى حيث يقف تمثال حجري متآكل لأحد ملوك المدينة القدماء، تمثال فقد إحدى يديه منذ عقود ولم يُصلحه أحد، وكأن أهل أوسترين قرروا أن يتركوا آثار الزمن شاهدة على حالهم بدل أن يخفوها عند سفح التمثال، جلست عجوز تبيع “خبز الشعير المبارك”، عادة قديمة في المدينة تقضي بأن يُخبز خبز خاص يوم الجمعة ويُوزَّع جزء منه مجانًا على من لا يملك ثمنه، تيمنًا ببركة القديسة أوغستا توقف إيفان أمامها.
“صباح الخير يا أم “باروس”،” قال بصوت أخف من الصوت الذي استخدمه مع مارتا.
رفعت العجوز رأسها وابتسمت بأسنان قليلة. “إيفان! ظننت أنك رحلت عن المدينة هذه المرة.”
“وأين أذهب؟ لا مدينة أخرى تتحمل وجهي القبيح.”
ضحكت أم باروس ضحكة خفيفة ومدّت له رغيفًا. “خذ. أنت لست من يحتاج البركة المجانية، لكن خذه على أي حال.”
أخرج إيفان من جيبه عملة فضية ووضعها في وعائها الصغير قبل أن تعترض. “هذه ليست صدقة يا أم باروس. هذا ثمن أفضل خبز في المدينة.”
ابتعد قبل أن تستطيع ردّ العملة، وهو يعلم أنها ستحتفظ بها لتشتري بها دواء لركبتيها المتعبتين بدل أن تشتري لنفسها شيئًا. كان يعرف أهل هذه المدينة أكثر مما يعرفون هم أنفسهم، لأنه كان يراقبهم من الظل الذي اختاره لنفسه منذ سنوات.
في زقاق جانبي قرب السوق القديم، كان رجل ينتظره طويل نحيل يرتدي عباءة تجارية أنيقة لا تنتمي إلى فقر المدينة المحيط به، برفقة حارسين واقفين على مسافة كافية ليبدوا محترمين وقريبة كفاية ليبدوا مهددين.
“سيد إيفان،” قال الرجل بابتسامة تجارية باردة. “كنت أخشى أنك غيّرت رأيك.”
“لم أغيّر رأيي بعد يا سيد “فولك”. أنا فقط أحب أن أتأخر قليلًا هذا يجعل الرجال أمثالك يتوترون، وأنا أستمتع بذلك.”
ضحك فولك ضحكة قصيرة غير مقتنعة. “دائمًا بروح الدعابة نفسها حسنًا، لنتحدث في العمل إذن القافلة التي أريد حراستها تغادر بعد ثلاثة أيام إلى مدينة “كارنوث” بضاعة ثمينة – توابل وحرير وبعض القطع الفضية. الطريق يمر عبر غابة “الظل الرمادي”، وكما تعلم…”
“كما أعلم، الغابة مليئة بقُطّاع طرق هذه الأيام، لأن نصف حرّاس اللورد دورين تركوا الخدمة بعدما توقف عن دفع رواتبهم،”
قاطعه إيفان بصوت بارد. “وبعضهم انضم إلى قُطّاع الطرق أنفسهم، إن كانت الشائعات صحيحة.”
توتر وجه فولك للحظة. “هذا… هذا ما يجعلني أحتاج رجلاً بكفاءتك.”
“عشر قطع ذهبية،” قال إيفان مباشرة بلا مقدمات بلا مساومة ظاهرة.
“نصفها الآن، ونصفها عند وصول القافلة سالمة.”
“عشر! هذا مبلغ باهظ يا سيد إيفان، القافلة الماضية دفعت ستًا فقط لمرافق مثلك.”
نظر إيفان إليه نظرة طويلة صامتة، النظرة التي جعلت حارسي فولك يضعان أيديهما بالقرب من مقابض سيفيهما بلا وعي. “المرافق الذي دفعتَ له ستًا في القافلة الماضية، يا سيد فولك، عاد بثلاث أصابع أقل ويعمل الآن حارسًا لبوابة مدينة، لأنه لم يعد قادرًا على حمل سيف أنا أطلب عشرًا لأنني أعود كاملاً، والبضاعة تعود كاملة أيضًا.”
صمت فولك لحظة، ثم أومأ برأسه. “ثمان، وسأدفع الثمانية كاملة الآن.”
“تسع، ونصفها الآن، ونصفها لاحقًا، كما قلت أول مرة. لا أحب أن أُدفَع كاملاً مقدمًا، يجعل بعض التجار يفكرون في أن حياتي قد لا تكون لها قيمة بعد استلام أموالهم.”
ابتسم فولك ابتسامة أقرب إلى الحقيقة هذه المرة. “اتفقنا إذن. تسع قطع.”
بعد أن أنهى إيفان اتفاقه، سار باتجاه أطراف المدينة، حيث كانت البيوت تتحول من حجرية إلى خشبية متهالكة، وحيث كانت رائحة الفقر أكثر حدة من أي مكان آخر. توقف أمام بيت صغير، طرق الباب بلطف غير متوقع من رجل بحجمه.
فتحت الباب امرأة شابة تحمل طفلاً على وركها، وجهها شاحب من الإرهاق والجوع الظاهرين.
“إيفان،” قالت بصوت متعب لكنه ارتاح لرؤيته “لم أكن أتوقعك اليوم.”
“مررتُ من هنا فحسب، يا “إيلينا”،” قال وهو يتجنب النظر مباشرة إلى عينيها، كمن يخجل من طيبته.
“كيف حال الصغير؟”
“يسعل كثيرًا هذه الأيام البرد قاسٍ هذا الشتاء.”
مدّ إيفان يده إلى جيب معطفه، وأخرج كيسًا صغيرًا من القماش. “هذا لبعض الدواء، ولبعض الطعام لا تسأليني من أين، ولا تخبري أحدًا أنني أعطيتك إياه.”
حاولت إيلينا أن ترفض. “لا أستطيع أن آخذ هذا منك مرة أخرى يا إيفان، أنت أعطيتنا الكثير…”
“زوجك مات وهو يحرس ظهري في معركة لم تكن معركته،” قال إيفان بصوت أخفض فجأة، صوت لا يشبه الصوت الذي استخدمه مع فولك قبل قليل.
“أقل ما يمكنني فعله هو أن أتأكد أن ابنه لا يموت من الجوع في مدينة نسيت اسم أبيه.”
لم تجب إيلينا، لكن عينيها امتلأتا بدموع لم تسمح لها بالسقوط أخذت الكيس بيد مرتجفة.
“شكرًا لك،” همست.
هزّ إيفان رأسه بصمت، واستدار مبتعدًا بخطى سريعة، كأنه يهرب من المشهد قبل أن تنكشف طبقة أخرى منه لا يريد لأحد أن يراها.
في المساء، عاد إلى حانة “الذئب الأعرج”، حيث كان يجلس معظم أوقاته حين لا يكون في مهمة المكان كان دخانيًا، يعج برجال متعبين يحتسون الجعة الرخيصة، وموسيقيّ أعمى يعزف على آلة وترية قديمة أغنية حزينة عن بحّار لم يعد من رحلته.
جلس إيفان في زاويته المعتادة، الزاوية التي تسمح له برؤية الباب دائمًا، عادة لم يتخلَّ عنها منذ سنوات القتال جاءه رجل ضخم، بلحية سوداء كثيفة ووجه مليء بالندوب، يُدعى “بوريس”، مرتزق آخر عمل معه في أكثر من مهمة.
“سمعت أنك أخذت مهمة فولك،” قال بوريس وهو يجلس مقابله.
“تسع قطع، صحيح؟”
“الأخبار تسافر أسرع مني في هذه المدينة.”
“غابة الظل الرمادي ليست مزحة هذه الأيام يا إيفان. سمعت أن عصابة “الذئاب السود” – الاسم يشبه اسمك، أليس كذلك؟ – سيطرت على جزء كبير من الطريق.”
“لهذا السبب أخذت تسعًا وليس ستًا.”
ضحك بوريس ضحكة عميقة. “تحتاج رجلاً ثانيًا؟ أنا متاح.”
فكّر إيفان للحظة، ثم أومأ. “ثلاث قطع من نصيبي، إن نجونا.”
“وإن لم ننجُ؟”
“عندها لن تحتاج المال يا صديقي.”
ضحك بوريس مجددًا، ورفع كأسه. “نخب الموت المتأخر إذن.”
“نخب الموت المتأخر،” ردّ إيفان، وطرق كأسه بكأس بوريس بصوت خفيف بدا وكأنه يضيع وسط ضجيج الحانة.
جلس إيفان بعدها صامتًا لبعض الوقت، ينظر إلى النار المتراقصة في الموقد، يفكر في القافلة القادمة، وفي إيلينا وابنها المريض، وفي أم باروس وعملتها الفضية، وفي مدينة تحتضر ببطء لكنها ترفض أن تفقد ما تبقى لها من إنسانية.
كان إيفان يعرف أن الناس ينظرون إليه كوحش يرتزق بسيفه، رجل بلا رحمة يبيع خدماته لمن يدفع أكثر. وكان يفضّل أن يبقى الأمر هكذا لأن رجلاً يُخشى، لا يُستغل ورجلاً لا يُستغل، يستطيع أن يحمي من حوله بصمت، دون أن يعرف أحد كم كلّفه ذلك من قلبه الذي أخفاه جيدًا خلف ندوبه وسيفه وعينيه الرماديتين الباردتين.
في الخارج، بدأ المطر يتساقط على أوسترين، يغسل أزقتها الموحلة دون أن يغسل جوعها، بينما كان إيفان يستعد، في صمته المعتاد، لثلاثة أيام قادمة قد لا يعود منها.