الفصل 191
سكن العالم بأكمله. لم يتبقَّ أحد، غادر نول دون ضجيج. لم يتبقَّ شيء، لم يبقَ أحد. مات الجميع، غادرت أرواحهم وتجمّدت أجسادهم. دُمِّرت المدينة فصارت خراباً، وانتشرت رائحة الدم والجثث في كل مكان. وسط كل شيء بقي شخصان: سكارليت ودارون، كانا الناجيَين الوحيدَين من الكارثة.
جلسا بجانب بعضهما في صمت دام لساعات، لم يتحرّكا ولم يفارقا بعضهما. ربما بسبب الحزن، أو بسبب الألم، أو ربما لسبب بسيط وغريزي كالشعور بالأمان في وجود شخص بجانبك.
الساعات التي تلت نهاية الكارثة كانت أسوأ من الكارثة في حد ذاتها. كان عليهما تقبّل واقعهما الجديد، كان عليهما تقبّل موت هذا العدد الكبير من الناس، كان عليهما تقبّل النتيجة. والأكثر من هذا كان عليها تقبّل موت يوجين.
كانت سكارليت تبكي بشكل متقطّع، تبكي لعدة دقائق ثم تتوقف لعدة دقائق أخرى لتعود إلى البكاء مرة أخرى. بدا وكأنها في كل مرة تحاول فيها إقناع نفسها بتقبّل موت يوجين، تنهار تحت وطأة مشاعرها.
من جهة أخرى كانت حالة دارون أسوأ بكثير. كان جارح الظلال يهمس في أذنيه باستمرار بتناقض غريب لا يمكن فهمه، وأغلب الجمل التي قالها كانت التالية:
“أنت فشلت في حماية الجميع، أنت فاشل ضعيف.”
“ما الذي يقلقك لهذا الحد؟ هذا ليس ذنبك، هل سيحمّلون مجرد متحكم مسؤولية هذه الكارثة؟”
“هاهاهاها… انظر لحالك، غير قادر على تقبّل واقعك الحالي.”
“ما قيمة حياتك وأنت بهذه الحالة؟ اترك كل شيء وامنحني جسدك.”
“هذا العالم قاسٍ يا دارون، لن يرحم الضعفاء.”
“أيها القاتل، ألا تخجل من نفسك؟ أنت من قتلتهم، والآن تحاول اتخاذ أسباب سخيفة.”
“لقد فعلت كل شيء تستطيع فعله، لا تتحمّل كل شيء بمفردك.”
الأسوأ من هذه الجمل كان غياب الفهد الأسود. لم أتمكن من التواصل معها منذ نهاية الاندماج، وهذا زاد قلقي وخوفي أكثر، وجعلني أتساءل عن سبب غيابها. حتى نطق جارح الظلال:
“أتعلم أيها الأحمق؟ لماذا في رأسك هناك مستويات للإرادة ولا يمكن تخطّيها والقفز بينها؟ في كل مرة ترتفع في المستوى يحدث تطوّر في نفسك، سواء من ناحية الجسد أو العقل، ببساطة لأن جسدك الحالي لا يمكنه تحمّل إرادة من مستويات أعلى. لذا سؤالي لك: برأيك كيف تمكّنت أنت من إطلاق تلك الإرادة الهائلة؟ ببساطة لأن تلك الروح قامت بحمايتك، وهي الآن تتلقّى ثمن أفعالك بدلاً منك.”
شعرتُ بهاجس أكبر بعد حديثه، فهو لم يزدني إلا مسؤوليةً أكثر. ليس فقط أنني تحمّلت مسؤولية جميع من ماتوا، بل أيضاً مسؤولية الفهد الأسود الذي يعاني بسبب طفوليتي ورغبتي السخيفة في الانتقام.
في منتصف هذا الرثاء سمعنا خطوات أقدام أحدهم، كانت متعثّرة وغير متوازنة. عندما رفعنا أعيننا، ما قابلنا كان هاروك لا غير. كان ذراعه اليمنى منتزعةً من الكتف وهناك ضلوع بارزة من جسده. كان في حالة يمكن وصفها بالاحتضار.
عندما وصل نزل ببطء وتمدّد أمامنا وقال بصوت أجشّ: “أنا سعيد لوجود ناجيَين على الأقل، لم تكن مجزرة كاملة. أسمعاني كلاكما، هل ستسمعان كلام رجل عجوز مُمِلّ يحتضر؟”
أجبته بسرعة: “ما الذي تقوله؟ أنت لن تمو…”
قاطعني هاروك قبل أن أكمل جملتي: “توقّف عن هذا يا فتى. موتي مؤكد في هذه الحالة، أنا أريد فقط بعض الصحبة في لحظاتي الأخيرة.”
“أتعلم، كانت عائلة سيرال موجودة منذ زمن بعيد، وكانت تُسمّى بالحماة والحرّاس. ولكن بعد العيش في نشوة المجد لقرون تدهورت حالة العائلة وقلّت قوّتها بشكل كبير.”
“دارون، تلك القلادة التي تضعها حول عنقك، حاول إخفاءها. إنها تخص المبجّل. صحيح أنك قابلته ومنحكَ إياها، وهذا يعني أنه يثق بك. وهذا كافٍ ليُخبرك بوضعنا في الإمبراطورية. المبجّل لا يثق بالإمبراطورية لدرجة أنه وثق في شخص غريب مثلك.”
“دارون، اسمهم تاج العهد. إنهم سبب كل هذه المعاناة. لقد سقطت الإمبراطورية في أيديهم ولا يوجد شخص قادر على قمعهم الآن.”
“دارون، الشخص الوحيد الذي عليك الثقة به هو كاستر، تلميذ المبجّل.”
رفع هاروك رأسه نحو السماء. كانت عيناه غائرتَين، وبدا وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. بالكاد استجمع قوّته ليقول جملته الأخيرة: “عسى أن يولد مبجّل جديد يقودنا لعصر أفضل.”
انقطع نفسه وساد الصمت.
نهض دارون على قدميه وقال: “سكارليت، لندفن هاروك ويوجين. سنغادر غداً، لن نتمكن من دفن كل هذه الجثث بمفردنا على كل حال.”
________
نهاية المجلد الرابع-الندم
Sou: المجلد القادم سنستمر بوتيرة فصل واحد كل يوم مع اختلاف بسيط في طول الفصل لانني ساعتمد على الفصول الطويلة حوالي ثلاثة اضعاف ما كنت أقدمه و شكرا لكل من بلغ هذا الحد من القراءة