الفصل 190 - الخسارة
في الوقت الذي كان فيه اشتباك بين كائنين: كتلة ضخمة من اللحم المقرفة وكتلة هائلة من النور الذهبي الصافي. كان يحترق عشرات الأرطال من اللحم في كل ثانية، مهدّداً بابتلاع هذا العملاق، ولكن في الوقت نفسه كانت الطاعون تسدّد ضربات لا يمكن الاستهانة بها. من قوة إحدى الضربات اهتزت السحب.
في أوج هذا الاشتباك برزت سحابة هائلة من الرماد غطّت كليهما معاً. امتدت السحابة فأطفأت نور ربّ عائلة سيرال، وتمزّقت كتل هائلة من الطاعون.
في البداية قد يظن الشخص أنه أمر عادي، فيمكن لفريدريك سيرال ربّ عائلة سيرال إعادة إنتاج نوره، والطاعون بالتجدد. ولكن الأمر كان مختلفاً، عجز كلٌّ من فريدريك والطاعون عن تدارك الوضع. استمر جسد الطاعون بالتحلل، واختنق فريدريك أمام الضغط الناتج عن سحابة الرماد.
من كتلة اللحم المقرفة خرجت فتاة صغيرة ببشرة بيضاء شاحبة بندوب عديدة، وبعد انقشاع الضوء الذهبي بالكامل كان هناك رجل يبدو في منتصف العمر بشعر أشقر وعيون ذهبية. سقط الاثنان في نفس اللحظة من ارتفاعات هائلة ممزّقين الأرض معهم.
بمجرد ثبوتهما على الأرض بلا أدنى قوة للمقاومة أو حتى للتحرك، خطا أمامهما نول بكل عجرفة وغرور وقال: “انظرا لحالكما، مثيران للشفقة. بلا قوة تجثوان على ركبتيكما، حالكما كحال الكلاب الضالة.”
“لقد بلغتما العتبة التي تفصل عن المستوى الخامس، ولكنكما عجزتما عن كسر الحاجز الذي يفصل بينكما وبينه، والسبب بسيط جداً.”
تقدّم نول للأمام حتى كان يبعد عن كل واحد منهما متراً واحداً فقط وقال: “أنتما تفتقران للدافع، للقيم، للهدف. أنتما راضيان بقوتكما الحالية، وهذا سبب فشلكما. الرضا بالقليل ليس عزةً وخُلقاً، بل هو عجز ومهانة للنفس.”
ساد الصمت، لم يجرؤ أي منهما على رفع رأسه، لكن قبضتيهما انغلقتا على التراب. ابتسم نول ابتسامة باردة.
“الرضا… كلمة جميلة يتغنّى بها الضعفاء ليبرّروا عجزهم.”
انحنى قليلاً حتى أصبح صوته أقرب إلى الهمس.
“كل إنسان توقّف عن السعي مات قبل أن يتوقف قلبه. القوة لا تُمنح لمن يكتفي، بل لمن يرفض نفسه كل يوم.”
رفع يده وأشار إلى السماء.
“انظرا إلى الجبال. هل توقّفت الرياح لأنها وصلت إلى القمة؟ لا… إنها تستمر. البحر لا يشبع من الأمواج، والنار لا تكتفي بما أحرقت.”
ثم نظر إليهما بازدراء.
“أما أنتما… فقد قلتما في أعماقكما: هذا يكفينا.”
اشتدّت هالته حتى تشقّق التراب تحت قدميه.
“ولهذا بقيتما في المستوى الرابع.”
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم دوّى صوت خافت.
رفع أحدهما رأسه بصعوبة والدم يسيل من جانب فمه.
“أنت… مخطئ.”
توقّفت ابتسامة نول للحظة. وقال الشاب وهو يلهث:
“لسنا راضيين بقوتنا… بل نعرف حدودها.”
اتّسعت ابتسامة نول من جديد.
“حدود؟”
قهقه ضاحكاً.
“الحدود لا يكتشفها الإنسان… بل يصنعها بنفسه.”
ثم داس بقدمه على الأرض فانفجرت موجة ضغط هائلة أجبرتهما على الانبطاح مجدداً.
“اسمعاني جيداً.”
“كل مستوى ليس جداراً يحبس قوتك… بل قبراً لمن اقتنع بأنه وصل.”
خفض صوته حتى أصبح مرعباً.
“المستوى الخامس لا يحتاج موهبة، ولا يحتاج حظاً. إنه يحتاج شيئاً واحداً…”
رفع عينيه وأحاطت به هالة قاتمة كأنها تبتلع الضوء.
“…شخصاً يكره ضعفه أكثر مما يخاف الألم.”
تجمّد المكان. وللمرة الأولى لم يشعر الاثنان بالإهانة، بل شعرا بالخوف. أدركا أن كلمات نول لم تكن مجرد استفزاز، بل كانت تعكس الحقيقة التي حاولا الهروب منها طوال السنوات الماضية.
سحب نول رمحه وبحركة خفيفة لم يعترضها شيء أنهى كل شيء. لم يكن يهتم حتى بالحديث معهما، فكلامه لم يكن موجّهاً لهما، بل للشخص الذي تركه خلفه.
في جهة أخرى، زحفتُ بقوة نحو جارح الظلال وأمسكته بشقّ الأنفس. حاولتُ النهوض ولكن جسدي رفض الامتثال لي، ومع ذلك لم أتوقف. نزف أنفي، ضغطتُ على نفسي وقبضتُ أسناني بقوة.
“لن أسمح له بالمغادرة مرة أخرى. هذا مستحيل، لن يخرج من هنا حياً، سيموت أحدنا اليوم حتماً.”
بينما كنتُ أحاول النهوض بكل استماتة، سمعتُ خطوات ركض أحدهم من خلفي، ثم أمسكت بظهري وضمّت نفسها بالكامل. كان جسدها يرتجف، وأنفاسها متثاقلة، وقالت بصوت متردد: “أرجوك دارون، توقّف، هذا يكفي. أرجوك، لقد شاهدتُ موت أخي للتو. إذا ذهبتَ أنت أيضاً فلن أتمكن من العيش أبداً، قلبي سيتوقف ألماً. أرجوك، توقّف، لا تمت.”
انقبض قلبي وضاق صدري. شعرتُ بأمعائي تتقلّب بسبب كلامها، وشعرتُ بوزن هائل على كتفيّ غير قادر على زحزحته. ارتخت يدي حول جارح الظلال، وارتخت عضلاتي.
بقيتُ ساكناً في مكاني وسكارليت تتمسك بي بقوة، رافضةً تركي. لم أستطع فعل شيء. لم أحقّق شيئاً. فشلتُ. خسرتُ. مات الجميع. لم يبقَ لي شيء.
خفضتُ رأسي للأسفل حتى لامست جبهتي الأرض. بقيتُ لعدة لحظات في تلك الوضعية، ثم بدأت الأرضية بالتبلّل. كان هناك سيلٌ لا نهاية له يتسرّب من عينيّ. شهقتُ وبكيتُ.
هذه حالة الضعفاء العاجزين.