الفصل 189 - المستوى الخامس
طرحني نول أرضاً دون جهد يُذكر، تحطمت الأرضية جراء ذلك. ولم يتوقف هنا، بل أسقط عليّ ركلة دفعتني إلى الجانب الآخر من المعبد، محطّماً بذلك الكراسي الموجودة في الطريق.
كان عقلي يدور بسرعة، غير قادر على معالجة الواقع. كان كلام نول عالقاً في رأسي يأبى الخروج، ولأول مرة رأيت العقل الفعّال مضطرباً وغير مستقر. ما زاد الوضع سوءاً هو تلاشي تلك الإرادة التي أطلقتها قبل قليل.
تُركتُ في حالة مزرية حقاً، فبدون تلك الإرادة لم أعد قادراً على مجاراة نول. لذلك قمتُ بضغط مئات اللترات من الدماء على حافة جارح الظلال، وقمتُ بتكثيف الإرادة، وهي الضربة التي تعلمتها من أرين: التكثيف المفرد.
ركّزتها على حافة السيف وضغطتها لتصبح أقل حجم ممكن، ووجّهتها نحو نول. وباندفاعة واحدة وحركة سلسة انفجر ضغط الدم مفتّتاً كل شيء أمامه دون تمييز. تمكّن نول من تركيز رماده حوله مانعاً نفسه من الإصابة، ومع ذلك كان الانفجار من مستوى آخر، إذ تخطّى قدرته ومزّق دفاعه ليترك عليه آثاراً لا يمكن تجاهلها. حتى المعبد الذي كان يقف شامخاً تمزّق واختفى. ومع ذلك فإصابته لم تكن بذلك السوء، فقد كانت مجرد إصابة عادية.
أما في حالتي، فقد كنتُ ألهث في حالة من الإجهاد والجنون، كنتُ على ركبتيّ غير قادر على الحركة. لقد بلغ جارح الظلال حدوده، وأنا بلغتُ حدودي. تبقّى فقط الاندماج الوحشي، والذي بدأ يتلاشى ببطء.
وقف نول أمامي والرمح في يده وقال: “من التسرّع محاولة تذكيرك حالياً، ولكن لا يهم، ستتذكّر عاجلاً أم آجلاً.”
أكمل حديثه قائلاً: “عندما تتذكّر ستدرك جيداً أننا لسنا أعداء، دارون. عدوّنا واحد. عليك أن تصبح أقوى لتتذكّر نفسك، لذلك سأعطيك نصيحة لبلوغ المستوى الرابع: عليك دخول السديم والخروج منه لاختبار إرادتك. إن أردتَ النجاح وألا تفشل مثل كل مرة، فعليك أن تصل لقلب السديم والمركز.”
تلاشى آخر أثر للفهد الأسود مع نهاية كلام نول، لتأتي جميع الآثار الجانبية دفعة واحدة. خرجت صرخة ألم لا يُطاق من بين شفتيّ، وسقطتُ أرضاً، بينما استمر نول بالنظر في وجهي لعدة لحظات قبل أن يلتفت إلى مكان آخر.
وبينما كنتُ ملقًى عاجزاً، تجمّعت في الاتجاه الذي كان ينظر إليه نول كتلة هائلة من اللحم المقرفة، ووقفت شامخةً فوق المدينة بارتفاع عدة أمتار، مهدّدةً بابتلاع المدينة بحجمها الهائل. لم أحتج لتعريف لها، فيمكن لأي أحد معرفة أنها كانت الطاعون.
في نفس اللحظة برز ضوء ذهبي غطّى نصف المدينة بإشعاعه، مقابل الطاعون. لم يكن سوى ربّ عائلة سيرال، لقد وصل الآن. اشتبك المخلوق العملاق والنور الذهبي في معركة لم أشهد مثلها من قبل.
نطق نول بينما يشاهد قتالهما: “بفضلك دارون، وبفضل تلك الإرادة التي أطلقتها، منحتني فرصة بلوغ المستوى الخامس. لك كامل شكري.”
اتّسعت عيناي من كلامه، ثم بدأ العالم في التغيّر. بعدها كان يحدث شيء لا يمكن تفسيره. في العادة كان وجود المستوى الخامس يُطلق إرادة طاغية تهيمن على العالم، أما الآن فكان الأمر مختلفاً.
يمكن وصف حالة نول بعكس ما يحدث في العادة، فوجوده قام بنفي جميع الإرادات التي كانت تبرز، قام بنفي كل شيء حرفياً، حتى الهواء سكن في وجوده.
برز من نول سحابة رماد هائلة غطّت المدينة كاملةً في ثانية واحدة، ثم ارتفع قليلاً عن سطح الأرض وقال جملةً واحدة: “لنرَ كيف سيكون شعور المستوى الخامس.”