الفصل 188 - الذات
بمجرد سماع هذه الجملة شعرتُ بضغط هائل ينزل عليّ. الأمر أشبه بعشرات الكيلوغرامات وُضعت فوقي، والأسوأ أن الضغط كان يزداد أكثر فأكثر.
نظرتُ لنول الذي كان يقف منتصباً وكله حذر. تجمّع كل الرماد حوله وتركّز كنوع من التجهّز أمام هذه الإرادة الطاغية، فلا يتبقّى أمامه إلا أن يكون في أعظم حالاته لكي يواجهها.
اندفعتُ نحوه. لحظة واحدة، أو ربما جزء من اللحظة، التحمنا في معركة لا مثيل لها. العدم في مواجهة الإرادة، التقيا في عدة ضربات تسبّبت في محو المنطقة بأكملها، انهارت المباني وتمزّقت الطرقات.
انفجرت موجة من الدماء غطّت عدة مبانٍ بارتفاع ثلاثة أمتار، دمّرت كل ما يقف أمامها. حتى نول لم يجد وقتاً للتهرّب منها فاضطر لصدّها برماده.
تجمّعت الدماء حول نول في دوّامة وبرزت عشرات المجسّات من كل مكان. في تلك اللحظة أدرك نول أنه وقع في فخ، فالهدف من هذا الهجوم كان تثبيته في مكانه.
اتّجهت جميع المجسّات نحوه بسرعة. تمكّن رماده من الصمود قليلاً ولكنه انهار أمام وطأة الهجوم. اخترقت المجسّات كتفه وظهره وساقه اليسرى.
انفجر نول في موجة رماد واتّجه مباشرةً نحوي باندفاعة مرعبة، ممزّقاً كل ما يقف أمامه. برز في يده رمح فضي برأس ينقسم لقسمين.
رفع نول رمحه وأسقطه بقوة لا مثيل لها. تمكّنتُ من الردّ عليه في اللحظة المناسبة بجارح الظلال. انفجر من رمحه سحابة من الرماد، ومن سيفي بحر من الدماء.
من وجهة نظر ثالثة سيبدو الأمر وكأن كارثتَين طبيعيتَين التقتا في مواجهة واحدة. في وسط ذلك الاشتباك اندفعتُ وأمسكتُ نول من كتفه وسحبته أرضاً، واستمررنا لعدة أمتار نحطّم كل شيء يظهر أمامنا، حتى وصلنا لمعبد غريب. حطّمنا جداره ورميتُ نول داخله، كان ضخماً جداً.
كان سقفه على ارتفاع عشرة أمتار ومساحته تكفي لعشرة منازل كاملة. في أغلب المعابد كان ليكون هناك تمثال في المنتصف، ولكن هذا المعبد كان يحمل صوراً فقط. على الجدارية الأمامية كان هناك سبعة نجوم تشعّ بشدة حول كائن لا يمكن تمييز نوعه، ولم تكن الرسمة تعبّر عن أي ملامح تُذكر.
وقف نول في منتصف المعبد ممسكاً بالرمح. لم يبدُ عليه التأثر حتى من الإصابات، بل كان هادئاً، بل أهدأ مما كان. لم أستغرق سوى لحظات حتى استوعبتُ أن الإرادة التي كنتُ أطلقها قد تراجعت قليلاً.
ابتسم نول وقال بنبرة ساخرة: “يبدو أنك بلغتَ حدودك. آآه، لقد أرعبتني حقاً، ظننتُك قد استعدتَ ذاتك أيها القاتل.”
خطا نول بضع خطوات عشوائية وهو يقول: “انظر ماذا حدث، انتهى بنا الأمر هنا في معبد الأصل. هل هذا من صنيع القدر أم هو مصادفة بحتة؟ هذا غير مهم في الحقيقة، كل ما يهم أننا الآن نرقص على نغمات الموت يا دارون.”
“أنت جاهل وضعيف، والأكثر من هذا أنك ضائع بلا ذكريات. أنت لا تعلم شيئاً، ومع ذلك تتماشى في الطريق الذي رسمتَه بنفسك، وهذا الأكثر رعباً.”
“لقد اخترتَ مصيرك الخاص واخترتَ مسارك وحتى ذاتك. ورغم أنك سقطتَ تحت خدعة النسيان إلا أنك لا تزال قائماً. لقد فشلت حتى النجوم في قهر إرادتك، إرادة القدماء.”
كنتُ في حالة مزرية بل سيئة، وتزداد سوءاً. كل كلمة يقولها أزداد ألماً. أمسكتُ رأسي بقوة وأنا أحاول كبح نفسي. عندما بلغ الألم حدود تحمّلي انفجرتُ في هجوم ساحق بكل ما لديّ في اتجاه نول.
التقى سيفي برمحه، ورماده بموجة دماء. تصدّعت الأرض وتشقّقت الجدران. فجأة امتدّت ذراع نول أمامي وسحبتني من ياقتي حتى لم يفصل بين وجهَينا إلا شَعرة، وقال: “استيقظ وتذكّر نفسك يا قاتل الأبطال.”