الفصل 187
العالم طغت إرادة هائلة لا حدود لها، شملت المدينة بأكملها بل امتدت خارجها لتشمل حتى ساحة المعركة. كانت كتلةً من الإرادة النقية المركّزة، هائلةً لدرجة أن دون المستوى الثالث جميعهم سقطوا غير قادرين على الحركة، وحتى أصحاب المستوى الثالث اختنقوا من تركيزها. كل هذا حدث في ساحة المعركة التي تبعد مئات الأمتار، فما بالك بحال المدينة التي كانت بؤرة هذه الإرادة العظيمة.
في المدينة تشقّقت الجدران وتوقّفت الرياح وبرز صمت مرعب في أرجاء المدينة كنوع من الرهبة الصرفة. في إحدى الزوايا كانت سكارليت جالسةً وعلى وجهها تعبير مرعوب وكأنها رأت الجحيم ذاته أمامها.
في الجهة المقابلة لي وقف نول وقد تغيّرت تعابير وجهه. كانت هذه ثاني مرة أرى فيها تعابير وجه نول، وكانت تعكس ثلاثة مشاعر في آنٍ واحد: الرغبة الملحّة في الهرب، والدهشة، والغضب. كان حاجباه مقطّبَين وقد ظهرت تجاعيد على وجهه من شدة الغضب.
كان يبدو وكأنه يضع كامل قوّته في نفي هذه الإرادة. وهذه الإرادة كانت موجّهةً له مباشرةً، أي أنه تلقّى أكبر حجم ممكن منها.
رغم أنه وضع كامل طاقته في نفيها إلا أنه لم يستطع سوى تقليلها. هذا يعني أنه ما زال يتلقّى إرادةً ليست بسيطة البتة. وربما تمكّنه من تلقّيها حتى الآن راجع لإرادته هو أيضاً، والتي تفوق أي مقاتل من المستوى الرابع.
في البداية كنتُ مبهوراً. رأيتُ العديد من الإرادات العظيمة من قبل وكانت شديدةً، لكن هذه اللحظة بالتأكيد كانت الأعظم بلا منازع. الأقرب إليها كانت إرادة أرين، ولكن حتى هي لم تكن بهذه العظمة.
ومع ذلك لم أشعر بنفس ذلك القمع والحدة التي تميّز الإرادات العظيمة، بل كانت تتصرّف بطريقة تعزّزني بدلاً من قمعي. لم أحتج سوى لحظات حتى أدركتُ أنها كانت صادرةً مني. شعرتُ بالصدمة والدهشة، ثم تلاها شعور الفضول، ثم شعور الخوف.
كانت هذه إرادتي. والمخيف أنني لم أتعرّف عليها. كيف لمتحكّم أن يُصدر إرادةً؟ والأغرب أنها تقارن بالمستوى الخامس. في الحالة العادية كنتُ لأُصاب بالهلع والخوف والتردد، ولكن هذه الإرادة كانت تقوم بتهدئتي مما جعل عقلي أكثر صفاءً.
اندفع نول حولي وأرسل سحابةً من الرماد. نشط العقل الفعّال دون تحكّم مني. رأيتُ خيوط إرادته، تلك الخيوط التي كانت تبدو منيعةً أصبحت هشّةً وسخيفة. رفعتُ جارح الظلال وأرسلتُ موجةً من الدماء نحو تلك السحابة. التقت الهجمتان في اصطدام عنيف لم يُبقِ شيئاً حرفياً.
سمعتُ صوت جارح الظلال في عقلي: “ألم أخبرك أنني سأجعلك أقوى؟ حسناً، ولكن عليك أن تعلم أن وقتك محدود.”