الفصل 194 - مدينة لا تعرف الجوع
من بعيد، بدت كارنوث كأنها حلم رآه أحد أبناء أوسترين في ليلة جوع ثم استيقظ ليجده حقيقيًا لم تكن أسوارها من الحجر المتشقق الذي اعتاد إيفان رؤيته في مدينته، بل من كتل صخرية ضخمة مصقولة بعناية، يعلوها جنود يرتدون دروعًا موحدة لامعة، يقفون في نظام محكم لا يشبه فوضى حرّاس أوسترين المتعبين وحين اقتربت القافلة أكثر، بدأ إيفان يسمع ضجيجًا لم يعتَد سماعه منذ سنوات: ضجيج مدينة حية، تعج بالحركة والتجارة والصخب، لا صمت الفقر الذي يخيّم على شوارع مدينته كغطاء ثقيل.
كانت بوابة كارنوث الجنوبية أوسع من الساحة الكبرى في أوسترين بأكملها، وعبرها كانت تتدفق قوافل من كل اتجاه: عربات محمّلة بالحبوب من الشمال، أخرى بالنبيذ والفواكه من الوديان الجنوبية، وقوافل أصغر تحمل أقمشة وحليًا وأدوات معدنية دقيقة الصنع عند البوابة، وقف جباة الضرائب يسجلون البضائع بسرعة ومهنية، لا كما يفعل جباة أوسترين الذين يتلكؤون ويتلاعبون بالأرقام لصالح جيوبهم الخاصة.
“ضعف حجم أوسترين كم هي مدينتك ضخمة حقا،” قال بوريس وهو ينظر حوله بإعجاب لم يخفِه، بينما كانت عيناه تتنقلان بين الأبراج المرتفعة والقباب النحاسية اللامعة تحت شمس الظهيرة. “لم أزرها منذ سنوات. نسيت كم هي ضخمة.”
“ليست مدينتي،” قال إيفان بصوت جاف، عيناه ثابتتان على الطريق أمامه. “أوسترين مدينتي. هذه مجرد مكان يمر منه الناس وهم في طريقهم لجني المال.”
لم يعلّق بوريس، لكنه لاحظ نبرة الحدة الخفيفة في صوت صديقه، تلك النبرة التي تظهر كلما شعر إيفان بأن شيئًا يهدد ولاءه لمدينته الفقيرة، وكأن كل مظهر من مظاهر ازدهار كارنوث كان تذكيرًا مؤلمًا بما تفتقر إليه أوسترين.
سار الموكب عبر الشارع الرئيسي، شارع مرصوف بحجارة مصقولة تصطف على جانبيه محال تجارية بواجهات زجاجية – زجاج! في أوسترين، كان الزجاج ترفًا لا يملكه سوى بيت اللورد دورين نفسه – تعرض بضائع لم ير إيفان مثلها منذ زمن طويل: أقمشة حريرية بألوان زاهية، أدوات فضية منقوشة، عطور في قوارير بلورية صغيرة.
توقفت القافلة عند ساحة كبيرة تتوسطها نافورة رخامية ضخمة على شكل تنين ينفث الماء من فمه، وحولها كانت الحياة تعج بكل أشكالها: باعة متجولون ينادون على بضائعهم بأصوات مرحة لا يائسة، أطفال يلعبون بملابس نظيفة لا تشبه ملابس أطفال أوسترين المرقّعة، وموسيقيون يعزفون في الساحة مقابل عملات يرميها المارة دون تردد.
لاحظ إيفان لافتة كبيرة معلّقة عند مدخل الساحة، مكتوب عليها بخط أنيق: “احتفال موسم الحصاد – بعد سبعة أيام – سوق الليل مفتوح كل مساء حتى الفجر.”
“احتفال موسم الحصاد،” قال بوريس وهو يقرأ اللافتة بدوره. “أتذكر هذا الاحتفال. كل عائلة تُخرج أفضل ما أنتجته أرضها أو حرفتها، ويُقام مزاد كبير في الساحة الرئيسية، والفائز بأفضل منتج يُمنح لقب “عريس الحصاد” أو “عروس الحصاد” لهذا الموسم، ويُعفى من نصف ضرائبه لعام كامل.”
“في أوسترين،” قال إيفان بمرارة خفيفة، “آخر احتفال حصاد أقمناه كان قبل أربع سنوات، قبل أن تجف الأرض حول المدينة. الآن، أفضل ما تنتجه العائلات هو أعذار لتفسير سبب عدم قدرتها على دفع الإيجار.”
اقترب فولك منهما، وقد لاحظ نظرة إيفان الحادة نحو المدينة المزدهرة من حوله. “لا تحمل ضغينة لكارنوث يا سيد إيفان. المدينة لم تختر أن تزدهر بينما تعاني أوسترين. الأمر متعلق بأشياء أكبر من إرادة الناس البسطاء.”
“أعرف ذلك،” أجاب إيفان بهدوء استعاده بسرعة. “لكن المعرفة لا تجعل الأمر أسهل على من يعيش الفارق كل يوم.”
قاد فولك القافلة نحو حي التجار حيث ستُخزَّن البضاعة، بينما توجّه إيفان وبوريس نحو مبنى ضخم يقع في قلب المدينة، يعلوه علم كبير يحمل شعار نقابة المرتزقة: سيف متقاطع مع ميزان، رمزًا للقوة المنضبطة بالقانون.
كان المبنى نفسه أثرًا معماريًا مهيبًا، بأعمدة رخامية ضخمة وسلالم واسعة تؤدي إلى بوابة نحاسية منقوشة بأسماء أبطال النقابة عبر التاريخ. لكن حين اقترب إيفان وبوريس، مغطَّيَين بغبار الطريق ودماء جافة من المعركة الأخيرة، وملابسهما ممزقة في مواضع متعددة، بدأ الناس من حولهما – تجار أنيقون، ونبلاء صغار، ومرتزقة آخرون يرتدون دروعًا لامعة ونظيفة – ينظرون إليهما بنظرات ازدراء واضحة.
“انظر إلى حالهما،” همست امرأة نبيلة ترتدي فستانًا مخمليًا لصديقتها وهما تتجنبان الاقتراب منهما. “رائحتهما تصل إلى هنا. يجب أن تفرض النقابة قواعد أشد صرامة على من يُسمح لهم بدخول هذا المبنى.”
“لعلهما من مرتزقة الدرجة الخامسة الفقراء الذين يظنون أن كارنوث ستوظفهم بسهولة،” أضاف رجل يرتدي عباءة تجارية فاخرة، دون أن يخفض صوته كثيرًا. “يأتون من المدن الصغيرة المتهالكة، يظنون أن مظهرهم هذا سيُثير شفقة أحد.”
سمع إيفان الكلمات بوضوح، لكنه لم يُظهر أي رد فعل على وجهه، فقد تعلّم منذ زمن طويل أن يبتلع كلمات كهذه دون أن تتركه تنزف. أما بوريس، فقد شدّ قبضته قليلاً لكنه لم يقل شيئًا، مكتفيًا بمتابعة صديقه صعودًا نحو البوابة.
عند مكتب الاستقبال داخل المبنى، جلست موظفة شابة أنيقة خلف طاولة خشبية مصقولة، ترتدي زي النقابة الرسمي الأزرق الداكن، وشعرها مربوط بإحكام يعكس نظام المكان كله. رفعت نظرها نحوهما بنظرة سريعة تقييمية، ثم عادت إلى أوراقها بلا مبالاة واضحة.
“الاسم ورقم التسجيل، من فضلكما،” قالت بصوت رسمي بارد، دون أن ترفع عينيها مجددًا.
“إيفان، من مدينة أوسترين. رقم التسجيل 4412-ج.”
بحثت الموظفة الاسم دون اهتمام، ثم فتحت سجلًا كبيرًا أمامها وبدأت تقلّب صفحاته بحثًا عن الرقم. توقفت أصابعها فجأة، وارتفعت عيناها ببطء نحو إيفان، ثم عادت إلى السجل، ثم إليه مرة أخرى، وكأنها تتأكد أن الاسم أمامها ينتمي حقًا للرجل الواقف أمام مكتبها.
“سيد… سيد إيفان؟” قالت بصوت تغيّرت نبرته فجأة. “أنت مسجّل هنا كمرتزق من الدرجة الثالثة.”
توقف الحديث الخافت الذي كان يدور بين النبلاء والتجار الواقفين خلفه في الطابور فجأة، وكأن الجميع سمع الجملة في اللحظة نفسها. استدار عدد من الوجوه نحوه بنظرات مختلفة تمامًا عن نظرات الازدراء التي واجهها قبل دقائق.
“هل هذا صحيح؟” سأل الرجل صاحب العباءة الفاخرة الذي علّق سابقًا على رائحتهما، وقد تغيّرت نبرته من السخرية إلى شيء أقرب إلى عدم التصديق. “الدرجة الثالثة؟ بهذا… المظهر؟”
خرج من مكتب داخلي رجل مسنّ يرتدي زي النقابة الرسمي بشارات ذهبية على كتفيه تدل على منصب رفيع، لحيته بيضاء مشذبة بعناية وعيناه حادتان رغم تقدمه في السن توقف أمام إيفان وتفحصه بنظرة طويلة صامتة كانت هاته مرعبة بحق يمكنني القول بالتأكيد أنه يبلغ مستوى التحكم الشامل.
“أنا الحكيم “ألدريك”، مشرف تسجيل الرتب في هذا الفرع،” قال أخيرًا. “سيد إيفان، هل تدرك ما تعنيه الدرجة الثالثة في نظام نقابتنا؟ ليست مجرد رقم يُمنح لمن يدفع رسومًا إضافية.”
“أدرك ذلك جيدًا يا حكيم،” أجاب إيفان بهدوء.
“الدرجة الثالثة،” تابع ألدريك، وقد رفع صوته قليلاً كأنه يخاطب الجميع في القاعة وليس إيفان وحده، “تُمنح فقط لمن بلغ المستوى الثالث من الإرادة – مستوى التحكم – بالإضافة إلى خبرة قتالية موثقة تعادل المشاركة في عشر حروب حقيقية على الأقل، لا مناوشات صغيرة ولا مهام حراسة بسيطة، بل حروب فعلية موثقة بشهادات قادة أو نقابات أخرى. من بين آلاف المسجلين في نقابتنا هنا في كارنوث وحدها، لا يتجاوز عدد من يحملون الدرجة الثالثة الثلاثين شخصًا.”
ساد صمت ثقيل في القاعة، وشعر إيفان بعشرات الأعين تتفحصه من جديد، لكن هذه المرة بنظرة مختلفة تمامًا؛ نظرة حذر ممزوجة بفضول لا يخلو من احترام مُتحفظ.
“مرتزق من مدينة صغيرة متهالكة، من الدرجة الثالثة،” همست المرأة النبيلة التي علّقت على رائحته سابقًا، بصوت أخفض بكثير هذه المرة، وقد ابتعدت خطوة كاملة عنه بغريزة حذر أكثر منها احترامًا.
“لم أكن أعرف أن مدنًا صغيرة كأوسترين تُخرّج مرتزقة بهذا المستوى،” قال ألدريك، وقد اقترب أكثر، عيناه تفحصان الندبة الطويلة على خد إيفان بفضول مهني. “أين خضت هذه الحروب العشر يا سيد إيفان؟ سجلاتنا هنا لا تحمل تفاصيل كافية عن ماضيك، فقط تأكيدًا من نقابة أوسترين الفرعية على درجتك.”
“هذا ماضٍ لا أحب الحديث عنه يا حكيم،” قال إيفان بنبرة حازمة لكنها مهذبة. “إن كانت الوثائق كافية لتأكيد درجتي، فلا أرى داعيًا لفتح ملفات مغلقة.”
نظر إليه ألدريك نظرة طويلة، وكأنه يزن ما إذا كان سيضغط أكثر، ثم أومأ برأسه أخيرًا. “من حقك أن تحتفظ بأسرارك يا سيد إيفان. الوثائق كافية بالفعل. أهلاً بك في فرع كارنوث.”
بعد أن أنهيا إجراءات التسجيل الروتينية – تحديث بيانات إيفان، وتوثيق مهمة حراسة القافلة الأخيرة كخبرة إضافية معتمدة، وتسجيل بوريس كمرافق من الدرجة الرابعة – خرج الاثنان من مبنى النقابة إلى الشارع المزدحم، حيث كانت شمس الظهيرة قد بدأت تميل نحو الأصيل.
“لم أرَ وجهك يتغير هكذا من قبل،” قال بوريس وهو يضحك بصوت خفيف. “الحكيم ألدريك كاد يركع أمامك.”
“لم يركع أحد،” قال إيفان بجفاف، لكن زاوية فمه ارتفعت قليلاً بابتسامة نادرة. “فقط تذكّروا أن الملابس القذرة قد تخفي سيفًا حادًا تحتها.”
“أعتقد أن تلك النبيلة صاحبة الفستان المخملي ستتجنب الاقتراب من أي مرتزق قذر الملابس لبقية حياتها، خوفًا من أن يكون بطلًا متخفيًا،” ضحك بوريس بصوت أعلى هذه المرة.
سارا معًا عبر الشارع المزدحم، متجهين نحو مضيف كان فولك قد رتّب لهما فيه غرفة على حسابه تقديرًا لخدماتهما، حين قابلهما فولك نفسه عند تقاطع الطرق، وقد أنهى تسليم بضاعته للتجار المحليين، ووجهه يحمل ابتسامة رضا واضحة.
“سمعت بما حدث في مبنى النقابة،” قال فولك وهو يقترب. “الأخبار تنتشر بسرعة في كارنوث. يبدو أنني وظفت رجلاً أهم مما كنت أتخيل.”
“لا يغيّر ذلك من ثمن الخدمة يا سيد فولك،” قال إيفان بجدية. “تسع قطع، كما اتفقنا.”
ضحك فولك ضحكة مرحة. “لا، لا، لا أحاول التملص من الاتفاق. على العكس، أردت أن أدعوكما لتناول العشاء معي الليلة، في حانة أفضل بكثير من أي مكان في أوسترين. أشعر أنني مدين لكما بأكثر من مجرد الذهب.”
في المساء، جلس الثلاثة حول طاولة خشبية في حانة “الراية الذهبية”، مكان أنيق بمقاييس أوسترين، لكنه كان – كما أوضح فولك بابتسامة – من الحانات المتوسطة في كارنوث، لا الفاخرة. كانت الأطباق التي وُضعت أمامهم تفوق أي شيء تناوله إيفان منذ شهور: لحم غزال مشوي متبل بأعشاب عطرية، خبز طازج لا يزال دافئًا، ونبيذ أحمر في كؤوس زجاجية – الزجاج مرة أخرى، ترف عادي هنا لا يستحق التوقف عنده.
“أخبرني يا سيد فولك،” قال إيفان وهو يقطع قطعة من اللحم، “كيف أصبحت كارنوث بهذا الازدهار، بينما أوسترين، على بعد أيام قليلة من هنا فقط، تغرق أكثر كل عام؟”
توقف فولك عن الأكل للحظة، ونظر إلى إيفان بجدية غير معتادة، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال منذ بداية الرحلة.
“المسألة يا سيد إيفان، ليست في الأرض ولا في الناس ولا في الحظ. المسألة في من يحكم.” شرب رشفة من نبيذه قبل أن يتابع. “هل تعرف من يحكم كارنوث؟”
“سمعت اسمًا مرة أو مرتين. الليدي “فيرينا”، أليس كذلك؟”
“الليدي فيرينا فينسيت، حاكمة كارنوث،” أكّد فولك. “امرأة بلغت المستوى الرابع من الإرادة، مستوى التجلي، منذ أكثر من عشرين عامًا. تعرف ماذا يعني هذا لمدينة، سيد إيفان؟”
هزّ إيفان رأسه ببطء، منتظرًا التفصيل رغم أنه كان يشك في أنه يعرف الجواب جزئيًا بالفعل.
“حاكم من المستوى الرابع،” تابع فولك، “لا يقاتل فقط بشكل أفضل من حاكم أدنى مستوى، بل إرادته نفسها، حين تبلغ هذا المستوى، تصبح قادرة على التأثير في محيطها بطرق لا يفهمها معظم الناس العاديين حاكم بمستوى التجلي يستطيع أن يمد حماية فعلية حول أراضي مدينته، يجعل الوحوش والمخلوقات الخطرة تتجنب الاقتراب من حدودها، يجعل الطرق التجارية المؤدية إليها أكثر أمانًا بشكل ملحوظ كما أن وجود حاكم بهذا المستوى يجذب النبلاء والتجار الكبار للاستثمار، لأنهم يثقون أن استثماراتهم محمية، وأن النظام سيبقى قائمًا لعقود قادمة.”
شعر إيفان بثقل في معدته لا علاقة له باللحم اللذيذ أمامه. “وأوسترين؟”
تنهد فولك بثقل. “اللورد دورين، حاكم أوسترين، لم يتجاوز المستوى الثاني من الإرادة، مستوى الفهم فقط رجل صالح النية ربما، لكنه ليس قويًا بما يكفي لحماية حدود مدينته فعليًا، ولا لجذب أي استثمار حقيقي لهذا ترى الطرق حول أوسترين مليئة بقُطّاع الطرق كالذين قابلناهم في غابة الظل الرمادي، لأن لا شيء يردعهم ولهذا انسحب معظم التجار الكبار من التعامل مع المدينة، وتوقفت المصانع، وجفّت الأرض من دون أن يهتم أحد بإصلاح أنظمة الري القديمة.”
“هل هذا هو السبب الوحيد؟” سأل إيفان بصوت أخفض قليلاً. “قوة الحاكم؟”
“ليس السبب الوحيد، لكنه السبب الجذري الذي يتفرع منه كل شيء آخر،” أجاب فولك “مدينة بلا حاكم قوي تخسر الأمان، ومدينة بلا أمان تخسر التجار، ومدينة بلا تجار تخسر المال، ومدينة بلا مال تخسر القدرة على استقطاب حاكم أقوى ليصلح ما فسد إنها حلقة مفرغة يا سيد إيفان، وأخشى أن أخبرك بصراحة: إن استمر الوضع على ما هو عليه، فأوسترين لن تصمد أكثر من خمس أو ست سنوات أخرى قبل أن تصبح مدينة أشباح، يهجرها كل من يستطيع الهجرة، ويبقى فيها فقط من لا يملك مكانًا آخر يذهب إليه.”
لم يجب إيفان على الفور. جلس صامتًا، ينظر إلى كأس النبيذ أمامه دون أن يلمسه، بينما كانت كلمات فولك تتردد في ذهنه: خمس أو ست سنوات مارتا ونُزلها المتهالك أم باروس وخبزها المبارك عند نبع القديسة أوغستا إيلينا وابنها المريض كلهم، خلال سنوات قليلة، قد يجدون أنفسهم بلا مدينة يعودون إليها.
“هل هناك ما يمكن فعله؟” سأل أخيرًا، بصوت أكثر جدية مما استخدمه طوال الأمسية.
فكّر فولك قليلاً قبل أن يجيب. “بصراحة؟ الحل الوحيد الحقيقي هو أن يظهر في أوسترين، أو يأتي إليها، شخص بمستوى الرابع على الأقل، يتولى الحكم أو يدعم اللورد دورين بقوته لكن هذا نادر الحدوث الأشخاص الذين يبلغون التجلي عادة ما يفضلون المدن الكبرى المزدهرة أصلاً، أو يبنون إماراتهم الخاصة من الصفر في أراضٍ جديدة لماذا قد يختار أحدهم مدينة متهالكة كأوسترين؟”
سمع بوريس هذا الكلام، ونظر بصمت نحو إيفان، وكأن سؤالًا غير منطوق يعلق في الهواء بينهما، سؤال شعر إيفان بثقله دون أن ينطق به أحد بصوت عالٍ: لماذا لا يكون هو ذلك الشخص؟ لكن الجواب كان بديهيًا لكليهما دون حاجة للنقاش؛ إيفان لم يبلغ بعد المستوى الرابع، وحتى لو بلغه يومًا، فإن الطريق إلى هناك كان أطول وأصعب مما يمكن لأي حديث عابر على طاولة عشاء أن يحله.
بعد أن انتهى العشاء وانصرف فولك إلى فراشه، بقي إيفان وبوريس جالسين في الحانة، يحتسيان كأسًا أخيرة من الجعة المحلية بينما كانت الحانة تفرغ تدريجيًا من روادها.
“تفكر في أوسترين،” قال بوريس، ليست سؤالًا بل ملاحظة.
“أفكر في كل من ينتظر عودتي هناك،” أجاب إيفان بصوت منخفض. “ست سنوات يا بوريس ست سنوات وقد تختفي المدينة الوحيدة التي اخترت أن أسميها بيتي.”
صمت بوريس للحظة، ثم قال بحذر: “أتذكر حين كنا شبابًا، قبل أن أعرفك حتى، هل كان لديك… هدف؟ حلم تسعى إليه؟”
نظر إيفان إلى صديقه نظرة طويلة، وكأنه يزن ما إذا كان سيفتح بابًا أغلقه على نفسه منذ سنوات طويلة أخيرًا، وربما بفعل النبيذ، أو بفعل ثقل الأمسية، بدأ يتحدث بصوت أكثر هدوءًا وبعدًا مما اعتاد بوريس سماعه منه.
“كان لي صديق، منذ زمن بعيد، حين كنت في العشرين من عمري بالكاد، بدأنا كمرتزقة مبتدئين في مدينة أخرى، مدينة لم تعد موجودة الآن أصلاً. كنا نتدرب معًا، نقاتل معًا في أصغر المهام مقابل أبخس الأجور، وكنا في الليل، حول نار صغيرة تمامًا كهذه التي أشعلناها في الغابة، نتحدث عن المستقبل الذي نريده.”
توقف إيفان للحظة، عيناه شاردتان في مكان بعيد لا يراه بوريس، مكان في الماضي “كان اسمه “ألريك”. فتى نحيل، أسرع مني بكثير، لكن أضعف قوة كان يعوّض ضعفه بذكاء تكتيكي لم أره في أحد آخر منذ ذلك الحين في إحدى الليالي، بعد معركة صغيرة نجونا منها بالكاد، جلسنا نتأمل النجوم، وقال لي: ‘إيفان، يومًا ما، سنبلغ درجة الأبطال معًا لن نبقى مرتزقة يبيعون سيوفهم لأي تاجر يدفع أكثر سنصبح شيئًا يُذكر، شيئًا يحمي مدنًا بأكملها، لا قوافل صغيرة.’ وضحكتُ من كلامه وقتها، ظننته حلم فتى صغير لم ير بعد قسوة العالم الحقيقية. لكنه أصرّ، ومدّ يده وقال: ‘عدني عدني أننا سنصل هناك معًا، مهما استغرق الأمر.'”
“وماذا فعلت؟” سأل بوريس بصوت هادئ، يدرك أنه يقترب من جزء حساس من ماضي صديقه.
“صافحته،” قال إيفان ببساطة، لكن صوته حمل ثقلاً لا تخطئه أذن. “عاهدته أننا سنبلغ درجة الأبطال معًا يومًا ما كان وعدًا سخيفًا في الحقيقة، وعد فتيين لا يملكان شيئًا سوى سيفين رخيصين وحلم أكبر منهما بكثير. أقل من واحد من كل ألف مرتزق يبلغ درجة الأبطال يا بوريس. الاحتمالات كانت ضدنا منذ البداية.”
لم يسأل بوريس عن مصير ألريك مباشرة، لكن صمته الطويل كان سؤالاً بحد ذاته، سؤالًا انتظر إيفان أن يجيب عليه أو يتجاهله كما يشاء.
اختار إيفان أن يجيب، لكن بكلمات قليلة، كأنه يفتح الباب قدر ما يحتمل ولا يزيد. “لم نصل هناك معًا. الطريق افترق بنا بطريقة لم أخطط لها، ولم أرغب فيها. هذا كل ما أستطيع قوله الليلة يا بوريس.”
أومأ بوريس برأسه بفهم صامت، فقد تعلّم منذ زمن طويل متى يتوقف عن السؤال. “الوعد ما زال قائمًا إذن؟ حتى وإن افترق بكما الطريق؟”
فكّر إيفان في السؤال طويلاً، ينظر إلى ما تبقى من الجعة في كأسه “لا أعرف إن كان وعدًا ما زال بإمكاني الوفاء به بالمعنى الذي قصدناه حينها لكن… أحيانًا، حين أشعر أن الطريق أصعب مما أحتمل، أتذكر صوته وهو يقول ‘عدني’، وأجد نفسي أستمر رغم كل شيء ربما هذا كافٍ ربما بلوغ درجة الأبطال لم يعد الهدف نفسه الذي كان، لكن شيئًا من ذلك الوعد ما زال يدفعني للأمام.”
ابتسم بوريس ابتسامة خفيفة، حزينة قليلاً لكنها صادقة. “إذن ربما ما تفعله من أجل أوسترين، ومن أجل مارتا وإيلينا وأم باروس، هو نسخة أخرى من ذلك الوعد. لا تحتاج لقب ‘بطل’ من نقابة لتكون بطلاً لأولئك الذين تحميهم كل يوم.”
لم يجب إيفان بكلمات، لكن شيئًا في وجهه، شيئًا هادئًا وممتنًا في آن واحد، كان كافيًا لبوريس ليعرف أن كلماته وصلت إلى مكانها الصحيح.
في اليوم التالي، وبينما كانا يستعدان للعودة إلى أوسترين بعد أن أنهيا مهمتهما وقبضا أجرهما كاملاً، أخذ إيفان وبوريس جولة أخيرة في شوارع كارنوث، هذه المرة بملابس نظيفة اشترياها من أحد المحال، لا رغبة في إثارة إعجاب أحد، بل لأن رائحة الطريق كانت قد أصبحت لا تُطاق حتى بالنسبة لهما.
مرّا بجانب سوق كبير مخصص للحرفيين، حيث كان صانعو الأسلحة والدروع يعرضون أعمالهم بفخر، وحيث لاحظ إيفان تفصيلاً لفت انتباهه: كل حرفي كان يضع على منتجه شعارًا صغيرًا يمثل عائلته أو ورشته، تقليد متوارث في كارنوث يجعل كل قطعة سلاح أو درع قابلة للتتبع إلى صانعها الأصلي، ما يمنح الحرفيين المهرة سمعة تنتقل عبر الأجيال ويحمي المشترين من الغش.
“في أوسترين،” قال بوريس وهو يتأمل خنجرًا معروضًا بعناية فائقة، “آخر حداد ماهر أغلق ورشته قبل عامين، حين لم يعد يستطيع شراء الفحم اللازم لعمله.”
“أعرف،” قال إيفان بصوت هادئ. “كان اسمه “غورين”. كان يصلح لي سيفي مجانًا أحيانًا، حين يعرف أنني عائد من مهمة خطرة الآن يعمل حمّالاً في الميناء.”
مرّا كذلك بجانب مدرسة صغيرة كانت أبوابها مفتوحة، حيث كان أطفال يجلسون في صفوف منظمة يتعلمون القراءة والحساب، مشهد جعل إيفان يتوقف للحظة، متذكرًا أن أوسترين لم يعد فيها سوى معلم واحد عجوز يعلّم بضعة أطفال في قبو كنيسة مهجورة جزئيًا، مقابل ما تستطيع العائلات دفعه من طعام بدل المال.
عند الظهيرة، اجتمع إيفان وبوريس وفولك عند بوابة المدينة الشرقية استعدادًا للرحلة، حيث كانت عربات فولك الفارغة الآن، بعد بيع البضاعة، جاهزة للعودة محمّلة ببضائع جديدة اشتراها للبيع في أوسترين ومدن أخرى على الطريق.
“سيد إيفان،” قال فولك قبل أن يمتطوا خيولهم، “أعرف أن حديث الأمس كان ثقيلاً، لكنني أريدك أن تعرف أنني لست الوحيد الذي يهتم بمصير أوسترين. هناك تجار آخرون، وحرفيون، وحتى بعض النبلاء الصغار، ما زالوا يؤمنون أن المدينة يمكن أن تُنقذ إن توفرت الظروف المناسبة. الأمر يحتاج وقتًا وصبرًا، وربما… حظًا أفضل مما حظينا به حتى الآن.”
“الحظ لا يبني مدنًا يا سيد فولك،” قال إيفان وهو يمتطي حصانه. “لكن الرجال والنساء الذين يرفضون الاستسلام، ربما يفعلون.”
ابتسم فولك ابتسامة صغيرة. “كلمات رجل بدأ يفكر بجدية أكبر من مجرد أجر المهمة القادمة.”
لم يجب إيفان، لكنه دفع حصانه للأمام، وبدأ الموكب رحلة العودة نحو أوسترين، تاركين خلفهم أسوار كارنوث الشامخة وأبراجها اللامعة وأسواقها المزدحمة بالحياة، متجهين نحو مدينة أصغر وأفقر وأكثر تعبًا، لكنها كانت، رغم كل شيء، المدينة التي اختار إيفان أن يحمل اسمها في قلبه.
خلال الرحلة، بينما كانت الأشجار الكثيفة لغابة الظل الرمادي تلوح من بعيد مجددًا، ركب بوريس بجانب إيفان بصمت لبعض الوقت، قبل أن يقول أخيرًا: “أعرف أنك لن تخبرني بكل شيء عن ألريك، ولا عن السبب الذي جعل طريقكما يفترق لكن اسمح لي بسؤال أخير، ثم لن أذكر الأمر مجددًا إن لم ترغب.”
نظر إيفان إليه بصمت، منتظرًا.
“هل ما زال حيًا؟”
طال صمت إيفان هذه المرة أكثر من أي وقت مضى، حتى ظن بوريس أنه لن يجيب على الإطلاق. لكن أخيرًا، وبصوت منخفض جدًا كاد يضيع وسط صوت حوافر الخيول، قال إيفان: “لا أعرف يا بوريس وهذا بصراحة، هو الجزء الأصعب في كل القصة.”
لم يضغط بوريس أكثر، بل اكتفى بالركوب بجانب صديقه بصمت رفيق، بينما كانت الشمس تبدأ بالميل نحو الغروب فوق طريق طويل يفصل بين مدينة تعرف الازدهار ومدينة تحارب من أجل البقاء، ورجل يحمل بين ضلوعه وعدًا قديمًا لم يتحقق، وحلمًا جديدًا بدأ يتشكل، هادئًا لكنه عنيد، بأن ينقذ ما تبقى من مدينته الصغيرة، حتى لو كلّفه ذلك كل ما يملك.