الفصل 181 - براءة طفل
في اتجاه المدينة المحترقة كانت المدينة تلوح في الأفق كجرح مفتوح في صدر الليل.
هي التي طالما كانت رمزاً للأمان، ملاذاً يحمل وعد الغد باتت الآن تشعّ بهالة سوداء من الرعب كأن شيئاً ما في قلبها قد مات من قبل أن أصل.
اندفعتُ نحوها ركضت حتى صار الريح صُراخاً في أذنيّ حتى صار الأرض تتآكل تحت قدميّ خطوةً خطوة ركضت وركضت لكن المدينة ظلّت تتراجع، كأنها تفرّ منّي أنا أيضاً.
بعيدة جداً. وأنا… بطيء جداً.
‘كرهت ضعفي، كرهت عجزي، ماذا أنا؟ أبطأ من أن أبلغ المدينة في الوقت المناسب؟’
ضغطت على أسناني حتى أوجعني الفكّ والغضب يتصاعد في صدري كدخان لا يجد منفذاً.
“أردت أن أصبح أقوى أردت أن أصبح أسرع… لا, أريد الآن أريد السرعة الآن أسرع يا دارون تسرّعي يا قدماي.”
تذكّرت المسارات تلك الخيوط المتشعّبة داخلي التي أعدت تفعيلها، والتي تفصلني عن التحكّم الكامل. هاروك حذّرني، قال إن الأمر خطير، قال إن الموت احتمال حقيقي لا مجاز.
دفعت كلامه إلى الخلف هذا ليس وقت الخوف هذا وقت الوصول جمعت إرادتي كلّها ضغطتها في نقطة واحدة حارقة ثمّ فجّرتها دفعةً واحدة في مساراتي.
كان الألم أوّلاً كالنار تسري في العظام لكنه تلاشى وحلّ محلّه شيء مبهر ومرعب في الوقت ذاته شعور بالقوة يتدفّق كنهر انكسر سدّه صارت كلّ حركة أقوم بها تحمل ثِقَلها من الإرادة. الهواء ينقسم أمامي والأرض تتشقّق خلفي.
ومع ذلك… ما زال غير كافٍ فأجبرت نفسي أكثر لأوّل مرة في حياتي أدركت حجم ضعفي الحقيقي، وكان الإدراك موجعاً كصفعة بيد باردة ازداد الغضب، وتعمّق العبوس على وجهي، ثم اندمجت مع الفهد الأسود.
تضاعفت القوة صرت شيئاً آخر كانت الأرض تتصدّع تحت كلّ خطوة، والهواء يتشقّق أمام صدري كستارة ممزّقة. بلغت جدران المدينة العالية، تلك الجدران المنيعة التي لم أتوقّف أمامها لحظة، بل قفزت فقط، ارتفعت لعشرات الأمتار ثمّ سقطت داخلها، محطّماً سقف منزل تحت قدميّ كأنه ورق.
من سطح إلى سطح، فعّلت العقل الفعّال وغُصت في شبكة خيوط الإرادة المتشابكة فوق المدينة ثمّ رأيته، خيطاً مميّزاً وسط الشبكة، يتجمّع نحو ساحة المدينة.
يوجين.
قفزت بكلّ ما تبقّى فيّ من قوة حتى تحطّم السقف تحتي، وشقّت قدماي السماء، ونزلت في الساحة بضربة هزّت الأرض.
توقّف كلّ شيء في داخلي عندما رأيت المشهد عشرون جثّة من جيش الطاعون مرميّة كأوراق ذبلت. عشرات الناس يقفون سالمين، لا جرح فيهم ولا مرض وثلاثة أشخاص ممدّدون على الأرض، المرض يتلاشى من أجسادهم بدلاً من أن يتقدّم.
والسبب؟
فتى في الثالثة عشرة من عمره، على ركبتيه، بيدين ممدودتين للأمام، يُفرغ كلّ ما فيه علاجاً لغيره.
يوجين.
لكنّ المرض لم يتراجع عنه. بل كان يلتهمه ارتعش كامل جسدي في لحظة واحدة، كأن عموداً فقرياً بارداً اخترقني من أسفل إلى أعلى تعرّق ظهري من فوره رفضت حنجرتي تشكيل كلمات، فخرج منّي ما خرج، صرخة يائسة مشوّهة لا تشبه الكلام:
“اااههه لاااهه يووههججيييننن لاااهههه”
كنت ألهث كمن يغرق على اليابسة. رفض عقلي تشكيل أي جملة. كانت الأشخاص الثلاثة قد تماثلوا للشفاء، ثمّ التفت إليّ يوجين وركض نحوي ووضع يده على جرحي.
سرت حرارة في عروقي كدفء أخير. بدأ المرض يحترق ويختفي.
أمسكته من ساقيه بقوة وأنا أتكلّم بصوت أجشّ تكسّرت فيه حروف:
“يوجين… أنت مصاب. عالج نفسك أوّلاً.”
اكتفى بابتسامة.
ابتسامة.
حتى اختفى المرض منّي تماماً، ثمّ قال بهدوء يقتل:
“دارون… ربما لا تعلم، لكنّ أختي تعلم. أمتلك قدرة علاجية تعالج كلّ شيء. لكنّها لا تعالجني أبداً.”
اتّسعت عيناي. تقلّصت بؤبؤتاهما حتى صارتا نقطتين سوداوتين في بياض مذعور.
“لا… لالالا… أنت تمزح. قل لي أرجوك أنّك تمزح.”
ابتسم يوجين من جديد، تلك الابتسامة التي كانت أكثر إيلاماً من أي صرخة.
“لطالما حلمت بمساعدة الكثير من الناس بقدرتي يا دارون. وانظر… لقد تحقّق حلمي. الكثيرون بخير الآن بسببي. أنا سعيد. سعيد جداً. لم أشعر بهذه السعادة في حياتي أبداً.”
انهمرت الدموع على وجهي دون أن أدرك متى بدأت.
“أنت طفل يا يوجين. أنت طفل. كيف لطفل أن يحمل مسؤولية غيره؟”
فأجابني بصوت هادئ ودافئ كأنّه يريح طفلاً خائفاً:
“دارون… أنت لم تخبرني بحلمك من قبل، صحيح. لكنّني أعلم، عندما يتحقّق حلمك، أنا متأكّد أنّك ستكون سعيداً مثلي.”
ضغطت على ذراعيه بقوّة، أيديّ ترتجفان.
“توقّف. أرجوك. الحلم لا يعنيني. أنا لا أملك أحلاماً كبيرة. أريد فقط أن أنجو. أريد أن ينجو كلّ من أحبّهم وأهتمّ لأمرهم. لذلك أرجوك… لا تمت.”
نظر إليّ يوجين بعيون لا تزال فيها الدفء، وقال بصوت خافت:
“آسف يا دارون… لأنّني خيّبت أملك. يبدو أنّ هذه… حدودي.”
ثمّ سمعتُها.
شهقة خلفي كجرح جديد يُشقّ في الهواء.
لم ألمح من صاحبتها حتى اندفعت واحتضنت يوجين، وانهمرت دموعها ولم تتوقّف، وشهقاتها لم تنتهِ.
أختُه.
تراجعت للخلف. كان عليّ أن أمنحهما بعض الخصوصية. لكنّ جسدي كلّه كان يرتجف، كأن أوتاراً داخلي تُنتَزع واحداً واحداً.
أمسكت سيفي، وغرقت في أعماق أفكاري التي لم أستطع قولها بصوت عالٍ.
يجب على أحدنا أن ينهي معاناته قبل أن يصبح تابعاً للطاعون.
لا… يجب أن أكون أنا من يفعل ذلك. لن أترك أختاً تقتل أخاها بيديها.
ضغطت على شفتيّ حتى أوجعتني.
يوجين… ستكون ندبةً في روحي. ستذكّرني بضعفي كلّما نظرت إلى داخلي. إلى الأبد.