الفصل 182 - الروح الطيبة
لم أكن أسمع شيئاً.
لا بكاء سكارليت لا صرخات الناس من حولنا ولا حتى صوت النار التي كانت تلتهم أجزاءً من المدينة.
كل شيء أصبح بعيداً بعيداً جداً كأن العالم قرّر أن يتراجع باحتشام، ليتركني وحدي مع هذا المشهد الذي لن يغادر عيني حتى الموت.
كنت أنظر فقط إلى يوجين.
ذلك الطفل الذي كان يجب أن يكون في منزله الآن يتشاجر مع أخته على شيء تافه يركض في الشوارع باحثاً عن مغامرة جديدة بعيون لامعة وضحكة لا تعرف التعب.
لا أن يحتضر هكذا.
لا أن يموت هكذا.
بسببي.
لأنني كنت أبطأ من اللازم. لأنني لم أصل في الوقت المناسب. لأن ضعفي الذي كرهته طوال حياتي أثبت اليوم أنه يستحق كل تلك الكراهية.
ارتجفت يدي فوق مقبض السيف. ليس من البرد. بل من شيء آخر لا اسم له في أي لغة أعرفها.
اقتربت خطوة واحدة ورفعت بصري نحو سكارليت.
كنت مستعداً مستعداً لرؤية الكراهية، لرؤية الحقد، لتلك النظرة التي تقول بصمت أكثر قسوة من أي كلمة: *”أنت السبب.”*
لأنني كنت سأخبرها أن أخاها سيموت. بل أكثر من ذلك أنني سأكون أنا من يضع حدّاً لذلك.
فتحت فمي بصعوبة.
“سكارليت…”
رفعت رأسها ببطء. كانت عيناها حمراوتين من البكاء، ووجهها غارقاً في دموع لا تتوقّف.
لكن لم يكن فيه أي غضب.
وكان هذا أسوأ. بكثير. لأن الغضب كنت سأحتمله. أما العجز الصامت في عينيها فكان أثقل من أي اتهام.
“إذا استمر المرض…”
لم أستطع إكمال الجملة. شعرت كأن الكلمات شظايا زجاج تمزّق حلقي من الداخل.
“…سيتحوّل.”
بدأت شفتاها ترتجفان. ثم احتضنت يوجين بقوة أكبر، وكأنها تحاول منعه من الرحيل بعناقها وحده. وكأن الحبّ إذا كان كافياً يستطيع سرقة الموت.
همست بصوت محطّم كزجاجة سقطت في صمت:
“أعلم.”
انقبض قلبي حتى أوجعني.
أعلم؟
إذن هي كانت تعلم. منذ البداية. وظلّت تحتضنه وتنتظر ما تعلم أنه قادم، عاجزةً عن إيقافه.
تقدّمت خطوة أخرى.
“أنا…”
توقّفت. كيف لإنسان أن ينطق هذه الكلمات؟ كيف يُجمّع الهواء في رئتيه ويُشكّل منه جملة بهذا الثقل؟
لكنها كانت يجب أن تُقال.
“أنا سأفعلها.”
أغلقت سكارليت عينيها.
ثم انهارت. ليس غضباً ولا صراخاً. بل انهياراً من النوع الصامت الأعمق. سقطت دموعها بغزارة أكبر، واهتزّ جسدها كلّه كشجرة في عاصفة لا تُرى.
“أرجوك…”
خرجت الكلمة منها كأنها انتُزعت من مكان لا تستطيع الوصول إليه مرة أخرى.
“أرجوك يا دارون…”
شعرت أن الأرض اختفت من تحت قدميّ.
رفعت رأسها نحوي، وكان الألم في عينيها أكبر مما يستطيع أي قلب احتماله والبقاء سليماً.
“أنهِ عذابه.”
تجمّدت.
“أنا…”
اختنق صوتها وضعت جبينها على كتف يوجين بحنان يشبه الوداع.
“أنا لا أستطيع. إن طلبت مني قتله…”
شهقة واحدة مزّقت الهواء.
“…فسأموت قبله.”
ثم انفجرت بالبكاء بكاء لم يكن فيه صوت تقريباً مجرد روح تتحطّم ببطء، قطعة قطعة، دون أن يسمعها أحد.
وأنا واقف أراقبها عاجزاً كما كنت دائماً ثم رفع يوجين يده المرتجفة ومسح دموع أخته.
كما كان يفعل على الأرجح كلما بكت. كما كان يفعل في كل مرّة كانت الدنيا تُثقل كاهلها ثم ابتسم.
حتى الآن حتى وهو يحتضر حتى وهو يقف على حافة شيء لا عودة منه. ابتسم.
“لا تبكي يا أختي.”
ارتجفت شفتا سكارليت وأما أنا فشعرت برغبة عارمة في الصراخ حتى تتصدّع جدران المدينة.
كيف؟ كيف يستطيع هذا الطفل أن يُواسي الآخرين وهو من يموت؟ من أين يأتي بهذا؟ من أي مكان في روحه الصغيرة يجد ما يكفي ليُعطيه لغيره وهو لا يملك شيئاً لنفسه؟
نظر إليّ يوجين وكانت عيناه صافيتين بشكل مؤلم، كسماء لم تعرف الغيوم يوماً ولا تعلم لماذا يخافها الناس.
“دارون.”
لم أستطع الردّ.
“هل أنت حزين؟”
سؤال طفل بسيط و بريء الكلمتان اللتان حطّمتا شيئاً في داخلي لم أكن أعلم أنه كان لا يزال سليماً انهمرت الدموع من عيني مجدّداً.
فضحك بخفّة ضحكة صغيرة جداً، مثل شمعة تحاول الثبات في مهبّ الريح.
“إذن هذا يعني أنك كنت تحبّني.”
تحطّم شيء آخر شعرت أنني أختنق أن صدري يضيق حتى لا يتسع لنفَس واحد.
“أيها الأحمق…”
خرجت الكلمات مكسورة، متشقّقة، لا تشبه صوتي.
“بالطبع أحببتك.”
ابتسم أكثر وكأنه سمع أجمل شيء في العالم وكأن هذه الكلمات الثلاث تساوي كل شيء.
“هذا جيد.”
نظر نحو السماء المظلمة فوقنا. تلك السماء التي لم تكتفِ بأن تكون مظلمة بل بدت وكأنها تراقب، صامتة وباردة وغير مبالية كما هو شأن السماء دائماً.
ثم قال بهدوء، بهدوء يشبه نهاية الأشياء:
“كنت أخاف دائماً أن أموت دون أن أكون مفيداً لأحد.”
اتّسعت عيناي وأكمل، كأنه يُلقي تقريراً عن حياة عاشها بأكملها وهو يستحق أن يُسمع:
“لكنني اليوم أنقذت الكثير من الناس.”
نظر إلى أخته.
“وحميت سكارليت.”
ثم نظر إليّ.
“وساعدت صديقي.”
اتّسعت ابتسامته أكثر وبها شيء يشبه الرضا، النوع الصادق منه الذي لا يحتاج إلى جمهور.
“أعتقد أن حياتي كانت جميلة.”
انفجرت سكارليت بالبكاء من جديد.
وأما أنا فشعرت بالاشمئزاز من نفسي. اشمئزاز عميق وبارد كمياه بئر لا قرار لها لأن طفلاً في الثالثة عشرة من عمره وقف أمام الموت بشجاعة لم أجمعها أنا في كل سنوات حياتي مجتمعة.
ببطء، أخرجت السيف.
ارتجفت يدي بعنف حتى أصدر النصل رنيناً خافتاً، كأنه يبكي هو الآخر.
رأى يوجين ذلك وفهم بالطبع فهم.
لكنّه لم يهرب لم يرتعب لم يتراجع للخلف لم يطلب المزيد من الوقت.
بل ابتسم فقط كعادته كما لو أن هذه هي الطبيعة الوحيدة التي يعرفها وقال:
“شكراً يا دارون.”
توقّف كل شيء في داخليتمنّيت لو شتمني لو صرخ في وجهي لو لعن اليوم الذي عرفني فيه أي شيء أي شيء غير هذا أي شيء سوى أن يشكرني، أن يمنحني عفواً لا أستحقه عمّا أنا على وشك فعله.
لكن يوجين كان يوجين طفل لا يعرف كيف يكره لا يعرف كيف يحمل الحقد. حتى على من سيقتله
ركع يوجين على ركبتيه بهدوء واطمئنان يكسر القلب وأمسكت سكارليت بيده بكلتا يديها، كأنها إن أحكمت القبضة كفت المنيّة و وقفت أنا أمامهما والسيف يرتجف.
والدموع تنهمر دون إذن والذنب يلتهمني من الداخل كجمر لا دخان له.
لم أرَ عدوّاً في حياتي خفت مواجهته كما خفت من تلك اللحظة.
رفع يوجين رأسه ونظر إليّ للمرة الأخيرة بتلك العيون الصافيتين اللتين لم تعرفا يوماً كيف ينظر الناس حين يكرهون.
“عندما تحقّق حلمك يا دارون…”
ابتسم. ابتسامته الأخيرة.
“…عش بسعادة من أجلي أيضاً.”
ثم أغمض عينيه.
بهدوء. بثقة. كطفل ينام وهو يعلم أن أحداً ما سيُطفئ الضوء.
ولأوّل مرة في حياتي…
شعرت أن السيف في يدي أثقل من جبل.
أثقل من كل شيء حملته يوماً. أثقل من كل ألم عشته. أثقل من كل ندبة في جسدي.
لكنني رفعته.
لأن بعض الرحمة تكون أقسى من أي قتل. وبعض الحبّ لا يُعبَّر عنه إلا بأصعب لحظاته.
وهبط النصل
*وفي تلك اللحظة، وللمرة الأولى، لم أشعر بالقوة وأنا أحمل السيف.*
*شعرت فقط بثقل ما يعنيه أن تحبّ شخصاً.*
*وعجزت عن إنقاذه.*