الفصل 178 - جيرالد
وقف جيرالد فوق جثة غارث، ودخان المعركة لا يزال يتصاعد حوله من بقايا الأرض المحطمة.
كان رجلاً ضخماً، أعرض من معظم المقاتلين الذين واجههم غارث في حياته الطويلة. شعره الأشقر الداكن منسدل بفوضى منظمة حول وجه تكسوه ندوب قديمة تروي تاريخاً من المعارك. درعه لم يكن درعاً تقليدياً، بل قطعاً جلدية مدعّمة بصفائح معدنية مربوطة بإحكام حول كتفيه وساعديه، وعلى ظهره فأس عملاق يحمل رأسين متقابلين، كل منهما بحجم يكفي لشطر جذع شجرة.
نظر إلى جارير الذي كان لا يزال يحاول النهوض، والشق العميق على صدره ينزف بغزارة لم يعرفها جسده المنيع من قبل.
قال جيرالد بصوت يحمل ذلك المزيج الغريب من القسوة والاحترام:
“لقد أصابك جيداً قبل أن يرحل.”
نظر جارير إليه بعينين تحملان غضباً صامتاً، لكنه لم يتكلم. كان يحفظ أنفاسه لما تبقّى من قتال.
ركع جيرالد للحظة بجانب جثة غارث.
لم تكن الحركة احتراماً مصطنعاً. كان جيرالد من النوع الذي يعرف قيمة من يقاتل حتى النهاية، حتى لو كان عدواً. مدّ يده وأغلق عيني غارث المفتوحتين بحركة واحدة بطيئة.
“رجل عجوز يقاتل حتى آخر قطرة دم في جسده الممزق. أنت تستحق اسماً يُذكر، لا مجرد رقم في تقرير حرب.”
نهض. التفت نحو جارير.
“لكن لدينا عمل لم ينتهِ.”
كان جارير قد استعاد توازنه أخيراً، واقفاً على قدمين مرتجفتين قليلاً، يداه مضمومتان على الشق في صدره وكأنه يحاول إبقاء شيء بالداخل من الخروج.
قال بصوت أجش، ممزوج بالألم والغضب:
“هذا الجرح… لن يمنعني.”
ابتسم جيرالد ابتسامة لا تحمل سخرية بقدر ما تحمل تقديراً حقيقياً لعناد الخصم:
“لم أتوقع أنه سيفعل. أنت في المستوى الرابع، وجسد كهذا لا ينهار بسهولة.”
ثم سحب فأسه من على ظهره بحركة واحدة سلسة. كان وزنه يجب أن يكون مرهقاً لأي شخص آخر، لكن جيرالد حمله وكأنه امتداد طبيعي لذراعه.
“لكنني أيضاً في المستوى الرابع. والقتال بيننا لم ينتهِ بعد.”
اندفع جارير أولاً.
رغم الجرح، رغم النزيف، كانت سرعته لا تزال مخيفة. اندفع نحو جيرالد بقبضة معدنية، إحدى يديه الطبيعيتين تحوّلت تحت ضغط إرادته إلى ما يشبه كتلة من الحديد المصقول.
تلقّى جيرالد الضربة على مقبض فأسه.
الصدمة التي نتجت عن الاصطدام هزّت الأرض حولهما. تراجع جيرالد خطوتين، لكنه لم يسقط، ولم يفقد قبضته على سلاحه.
“قوة لا بأس بها.”
قالها بهدوء، وكأنه يُقيّم خصماً في تدريب لا في معركة على الحياة.
رد جارير بضربة ثانية، أسرع من الأولى. كان يحاول استغلال اللحظة قبل أن يستعيد جيرالد توازنه الكامل.
لكن جيرالد كان قد توقع هذا.
دار حول نفسه بخفة لا تتناسب مع حجم سلاحه، وأطاح برأس الفأس الأول في قوس أفقي واسع. التقت الفلقة المعدنية بقبضة جارير المتحوّلة، وكان صوت الاصطدام أشبه بانفجار صغير.
تطايرت شظايا معدنية من قبضة جارير.
تراجع جارير خطوة، نظر إلى يده المتضررة بدهشة لم يخفِها.
“أنت…”
لم يُكمل. اندفع مجدداً، هذه المرة بكلتا يديه، محاولاً تطويق جيرالد من جانبين مختلفين في حركة واحدة سريعة.
رفع جيرالد الفأس عمودياً واستخدم المقبض الطويل لصد الضربة الأولى، ثم انحنى تحت الثانية بمرونة مفاجئة لجسد بهذا الحجم. وفي اللحظة التي مرّت فيها يد جارير فوق رأسه، دفع جيرالد رأس الفأس الثاني نحو الأعلى في ضربة معاكسة.
أصابت الجزء السفلي من ذراع جارير.
صرخ جارير، وللمرة الأولى في هذا القتال كان في صرخته ألم حقيقي لا مجرد غضب.
استغل جيرالد اللحظة.
اندفع للأمام، الفأس يدور في يديه بإيقاع مدروس، ضربة بعد ضربة، كل واحدة تستهدف الجرح الذي تركه غارث في صدر جارير. كان يعرف، كما يعرف أي مقاتل من المستوى الرابع، أن جسداً منيعاً كجسد جارير له نقطة ضعف واحدة فقط بمجرد أن تُفتح: الجرح نفسه.
حاول جارير الصد، لكن ذراعه المصابة لم تعد تستجيب بنفس السرعة. تلقّى ضربة على كتفه الأيسر، ثم أخرى أعمق على جانبه.
تراجع جارير عدة خطوات، يلهث، ودمه يخلط الآن مع التراب المحطم تحت قدميه.
وقف جيرالد على بُعد أمتار منه، الفأس مستقر في يده، أنفاسه منتظمة رغم الجهد المبذول.
قال بصوت هادئ:
“لقد قاتلت بشجاعة. كلاكما.”
نظر نحو جثة غارث ثم عاد بنظره إلى جارير:
“لكن المعركة الحقيقية لم تكن بيننا فقط. كانت بينكم وبين قَدَر هذه الحرب.”
اندفع جارير مرة أخيرة، يائساً، بكل ما تبقّى له من قوة.
كانت هذه آخر محاولاته.
ورفع جيرالد فأسه لاستقبالها.
اندفع جارير في محاولته الأخيرة.
رفع جيرالد فأسه لاستقبالها، لكن في اللحظة التي التقت فيها قبضة جارير المتحوّلة بمقبض الفأس، شعر جيرالد بشيء يتحرك في داخله. شيء كان ينمو منذ بداية هذا القتال بصمت، دون أن يلاحظه حتى هو نفسه بوضوح كافٍ.
صدّ الضربة.
وكانت أسهل مما توقع.
تراجع جارير خطوة، يلهث، عيناه تحملان حيرة فوق الألم.
“كيف…”
لم يُكمل. لكن جيرالد فهم السؤال قبل أن يُقال بالكامل.
ابتسم ابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي يحملها من اعتاد أن يكون السر الذي لا يعرفه خصومه حتى اللحظة الأخيرة:
“قدرتي. سيد الحرب.”
رفع الفأس وأشار به نحو جارير بحركة بطيئة:
“كلما طال القتال، ازدادت قوتي.”
اتسعت عينا جارير.
كان يُحسّ بالفرق الآن، ذلك الفرق الذي كان يظنه مجرد إرهاق متراكم في جسده هو، لا تصاعداً حقيقياً في خصمه. لكن الحقيقة كانت أوضح من أن تُنكر: الضربات التي كان جيرالد يُسددها في الدقائق الأخيرة لم تكن فقط أكثر دقة. كانت أثقل. أسرع. أكثر قسوة من تلك التي بدأ بها القتال.
قال جيرالد بنبرة هادئة، لا تحمل أي تباهٍ، فقط حقيقة يُلقيها كما يُلقي أي معلومة أخرى:
“في الدقيقة الأولى أنا مجرد مقاتل عادٍ من المستوى الرابع. لا أكثر من ذلك.”
دار حول جارير ببطء، خطوات محسوبة، الفأس لا يزال مستعداً:
“لكن مع كل دقيقة تمر، تتراكم قوتي. ليس بشكل مفاجئ. بشكل ثابت. مستمر. لا يتوقف.”
نظر إلى الجرح في صدر جارير:
“وأنت قاتلت معي والآن مع غارث قبلي لوقت طويل. جسدك متعب. مصاب. ينزف. وأنا…”
ضرب الفأس بالأرض بحركة واحدة، وكان صوت الارتطام أعمق مما كان عليه في بداية المعركة:
“أنا أكثر قوة من أي لحظة سابقة في هذا القتال.”
حاول جارير التراجع.
لم تكن غريزة جبن، بل حساب بارد. إن كانت قوة هذا الرجل تتصاعد مع الوقت، فإن الحل الوحيد المنطقي هو إنهاء القتال بأسرع ما يمكن، أو الهروب منه كلياً.
لكن جيرالد لم يمنحه أياً من الخيارين.
اندفع نحوه بسرعة لم تكن موجودة قبل دقائق. الفأس يدور في الهواء بدقة جراحية، يستهدف الجرح المفتوح في صدر جارير مباشرة.
رفع جارير ذراعه السليمة لصد الضربة، لكن القوة خلفها كانت تفوق ما توقعه. ارتدت ذراعه للخلف بعنف، وتزحزح جسده بأكمله من موضعه.
“كل دقيقة تمضي تُقرّبني من الانتصار.”
قال جيرالد، وفي صوته لم يكن هناك غرور، فقط ثقة من يعرف معادلته جيداً بعد سنوات من اختبارها في معارك لا تُحصى.
“وكل دقيقة تمضي تُقرّبك من الانهيار.”
اندفع مجدداً. هذه المرة لم يكن هجوماً واحداً، بل سلسلة متتالية. ضربة من الأعلى، أخرى أفقية، ثم دوران كامل بالفأس استخدم فيه زخمه الخاص لمضاعفة قوة الضربة الثالثة.
تلقّى جارير الأولى على كتفه. الثانية مزّقت ما تبقّى من سلامة ذراعه. والثالثة، تلك التي خرجت من الدوران الكامل، أصابت الجرح في صدره مباشرة.
سقط جارير على ركبتيه.
كان جسده، ذلك الجسد المنيع الذي صمد أمام ضربات لا تُحصى طوال هذه الحرب، قد بلغ حداً لا يستطيع تجاوزه. لم يكن الانهيار مفاجئاً بقدر ما كان تراكمياً، كل ضربة من غارث ثم من جيرالد أضافت شرخاً جديداً حتى لم يعد الجسد قادراً على حمل المزيد.
نظر إلى جيرالد الواقف أمامه، أقوى مما كان حين بدأ القتال بدقائق طويلة.
“هذه… قدرة ظالمة.”
قالها بصوت متهدّج، نصفه غضباً ونصفه إقراراً مرّاً بالحقيقة.
ابتسم جيرالد ابتسامة لا تخلو من تفهّم غريب:
“كل قدرة لها ثمن. ثمني هو أنني ضعيف في البداية. ضعيف بما يكفي لأن أخسر أي قتال قصير أمام خصم أقوى مني.”
رفع الفأس للمرة الأخيرة:
“لكن من قرر أن يُطيل القتال معي… وقّع على نهايته بنفسه.”
نزلت الضربة الأخيرة.
ولم يبقَ بعدها على ساحة المعركة سوى جيرالد، واقفاً وحيداً وسط الدمار الذي خلّفه هو وغارث معاً، أقوى مما كان في أي لحظة سابقة من هذا اليوم.
نظر إلى جثة غارث مرة أخيرة. ثم إلى جثة جارير.
قال بهدوء، لنفسه أكثر مما لأي أحد آخر:
“شرف حقيقي أن يُقاتل المرء حتى آخر نفس له. كلاكما منحني هذا الشرف اليوم.”
ثم أعاد الفأس إلى ظهره، واستدار نحو الأفق البعيد حيث كانت أصوات المعركة الأكبر لا تزال تتصاعد، حيث كان الجيش الهائل لا يزال يزحف نحو المدينة.
القتال هنا انتهى.
لكن الحرب، الحرب الحقيقية، كانت قد بدأت للتو.