الفصل 177 - غارث
في ساحة قتال مشتعلة أخرى، بعيداً عن المدينة وعن كل من يعرفون اسمه هناك، وقف غارث سيرال في مواجهة جارير.
كان ينزف بغزارة. ذراعه اليسرى مقتلعة بالكامل من جذورها، والدم ينساب على الأرض تحته بكميات لم يعد جسده قادراً على تعويضها. كان يعلم منذ اللحظة الأولى أن هذه معركة خاسرة. خاطر بحياته فيها وهو يعلم أنه سيخسر، وأنه قد يموت. ومع ذلك استمر.
كان أحد خبراء سيرال الثلاثة، أحد الأسماء التي تُميّز العائلة.
كانت عائلة سيرال رمز فخره. لن يقبل بالهروب من أجل الحفاظ على شرفها. لكن سبب استمراره اليوم لم يكن هذا الفخر وحده. كان شيئاً أبسط وأشد تأثيراً.
المسؤولية.
مسؤوليته بصفته أحد حُماة مدينة الرماد الأبيض. اسم كان أكثر ما يحمله ثقلاً في حياته.
تعود تسميتها إلى حدث وقع قبل قرن ونصف تقريباً، حين كان طفلاً في الثامنة من عمره، حين واجه مبجّل الإمبراطورية أحد أشد الوحوش فتكاً في القارة بأكملها. كان يُقال إن ذلك الوحش ينشر طفيليات في كل مكان يصله، طفيليات تُسبب أوراماً تقتل الإنسان العادي خلال ثلاثة أيام فقط.
شارك والده، أحد أفراد عائلة سيرال ومن بلغ التحكم الشامل، في تلك المعركة بجانب المبجّل ضد أتباع الوحش.
استمرت معاناة المدينة لشهر كامل، شهر لم يشعر به الطفل غارث حقاً لأنه كان محمياً بحكم نشأته في حضن عائلة عريقة. لكن كل شيء تغيّر بعد سقوط الوحش على يد المبجّل، حين اضطر الطفل لتقبّل موت والده وإصابة والدته بالطفيليات.
عندها نفّذت المدينة واحدة من أشد العمليات قسوة في تاريخ الإمبراطورية.
اقتيد نصف سكانها المصابين، وأُحرقوا للتخلص من جذور المرض قبل أن ينتشر أكثر. حين أُحرق عشرات الآلاف، قيل إنهم استخدموا لهباً خاصاً لا يترك خلفه شيئاً سوى الرماد.
حين انطفأ اللهب وتجمّعت جبال من الرماد الأبيض الناصع، هبّت رياح حملت ذلك الرماد ليُغطي المدينة بأكملها، ليصبح رمزاً تُعرَف به المدينة لأجيال قادمة.
كان غارث أكبر خبراء سيرال الآن، وآخر من شهد تلك الحادثة بنفسه باستثناء رب الأسرة.
والآن كان على وشك الموت.
بموته ستدفن تلك القصة أعمق في النسيان. لكنه كان يعلم شيئاً واحداً بوضوح، رغم كل ما يحمله جسده من ألم. هذا الوحش الماثل أمامه، جارير، لن يخسر ما دام جسده منيعاً بهذا الشكل.
‘إن كنت سأموت… فليكن بعد أن أترك أثراً يُساعد من يأتي بعدي.’
رفع غارث سيفه العملاق بيده اليمنى السليمة، اليد الوحيدة التي بقيت له.
ركّز فيها كل ما تبقّى من إرادته. إرادة نقية، لا تحمل في طياتها سوى غاية واحدة.
صرخ بكل ما تبقّى من قوته في صدره، صرخة خرجت من مكان أعمق من الحلق، تنطلق مع الهجمة الأخيرة وكأنها تُحمّل الضربة وزن كل ما يحمله.
انشقت الأرض تحت قدميه.
تحطمت تحت وطأة هجوم خرج بكل ثقل ما تبقّى فيه. دُفع جسد جارير للخلف عدة أمتار، وسقط غارث على ركبتيه بعدها مباشرة، عيناه غائرتين وقد ازداد نزيفه. لكنه تلقّى نظرته الأخيرة على جارير الذي كان يُحاول النهوض من حيث سقط.
على جسد جارير المنيع، الذي لم تترك فيه ضربة قبل هذه أثراً يُذكر، ظهر شق عميق على صدره.
وشعر غارث بشيء قريب من الفرح.
‘على الأقل… سأموت وقد تركت أثراً.’
خطا رجل بربري بجانب غارث.
نظر إليه بعين تحمل ما يشبه التقدير الحقيقي، ذلك النوع النادر من التقدير الذي يُمنح للخصم الذي قاتل حتى آخر نفَس دون أن يتراجع.
قال بصوت فيه شيء يُشبه الامتنان:
“لا تقلق. سأعتني بكل شيء.”
ثم أضاف بهدوء:
“ارقد بسلام أيها البطل.”