الفصل 176 - نول
في إحدى ساحات القتال المشتعلة في هذه الحرب، وقفت إيلينا سيرال في مواجهة الرجل المدعو نول.
مرّت ساعات منذ بداية القتال. ساعات لم يحدث فيها اشتباك مباشر واحد كان نول يتهرّب طوال الوقت، يُراوغ ويتحرك ويختفي ويظهر، ولم يمنحها فرصة واحدة لإطلاق كامل قوتها.
وقفت الآن مقابله، وكانت تغلي من حقد وغضب لم تُحاول إخفاءه تعابير وجهها مجعّدة بشدة الغضب، عيناها لا تُغادران الرجل الواقف على بُعد أمتار، شاحب البشرة هادئ الوقفة وكأن ساعات القتال لم تُلمسه.
أمامها كان نول يُصفّر بنغمة لا مبالاة، يهمهم أحياناً بلحن خافت كأنه يقضي وقتاً ممتعاً في مكان لا علاقة له بساحة قتال.
قالت إيلينا بنبرة تهديد:
“أتعتقد أنك قادر على التهرّب مني للأبد؟ دعني أُخمّن قدرتك. الجبان. تليق بك تماماً.”
أجاب بسخرية واضحة:
“يا له من أسلوب همجي وسخيف للسخرية من الآخرين. حتى الأطفال أفضل منك لو حاولوا. لحظة، لا تُخبريني أن قدرتك هي الحمقاء.”
احمرّ وجه إيلينا غضباً.
بدأت خيوط ذهبية من البرق تتدفق من جسدها، تلتفّ حول ذراعيها وتنبض بإيقاع متسارع:
“بما أنك متشوّق لتشعر بالندم… سأُريك بنفسي.”
انفجر من جسدها برق هائل.
خيوط كهربائية امتدت في كل اتجاه، شملت نصف قطر يبلغ عشرين متراً كاملة، وحولت كل ما كان واقفاً في تلك المساحة، كل جسد أو شجرة أو حجر، إلى ذرات تتبخر وتتلاشى في لحظة واحدة.
لكن نول لم يتحرك.
لم يُصبه البرق توقف قبل الوصول إليه ببضعة سنتيمترات فقط كأن شيئاً غير مرئي رفض السماح للقدرة بأن تلمسه.
اشتعلت إيلينا غضباً.
رفعت سيفها واندفعت بسرعة تفوق قدرتها الطبيعية بمراحل، سرعة جعلت حتى نول، ذلك الرجل الذي لم يُظهر اهتماماً طوال القتال، يبدو للحظة عاجزاً أمام ما يقترب منه.
ثم تحرّك و اندفعت سحابة رماد من جسده.
لم تكن سحابة عادية. غمرت محيط المنطقة بأكملها في لحظات، انتشرت بسرعة لا تُشبه أي ظاهرة طبيعية. تراجعت إيلينا بسرعة في محاولة لتدارك الوضع، لكن السحابة كانت أسرع من تراجعها.
استغرقت الأمر بضع لحظات قبل أن تُدرك ما حدث حقاً كان يستعد طوال الوقت.
كل ساعات التهرّب لم تكن خوفاً ولا تردداً. كانت إعداداً صامتاً لما يحدث الآن.
أدركت ذلك متأخرة تمزّق جزء كبير من ذراعها اليسرى بشكل مفاجئ، كأن شيئاً غير مرئي قطعه من الداخل. حاولت توليد كهربائها لمواجهة ما يحدث، لكن النتيجة كانت لا شيء. القدرة التي كانت سلاحها طوال حياتها لم تستجب، كأن ساحة المعركة نفسها لم تعد تطيعها.
دفعت إرادتها بكل ما تبقّى من قوتها واندفعت إلى الأمام، ممزّقةً كل ما يقف في طريقها، تجري دون توقف. استمرت عشر ثوانٍ كاملة، كافية لقطع مئات الأمتار في الظروف الطبيعية.
لكن السحابة بدت بلا نهاية تمزّق جزء من ساقها اليمنى ثم جزء من خصرها.
اجتاحتها موجة من الهلع لم تعرفها من قبل في حياتها كمحاربة من المستوى الرابع. لم يكن هذا قتالاً عادياً تتلقى فيه ضربات وتعدّ خسائرها. كانت تموت ببطء، قطعة فقطعة، دون أن تجد عدواً تُوجّه إليه ضربة واحدة.
اندفعت في اتجاهات عشوائية، عقلها لم يعد قادراً على التفكير المنطقي. كانت غريزتها وحدها تصرخ بالهرب وكان جسدها يستجيب بشكل لا يحمل خطة، فقط هرباً من شيء لا يمكن الهرب منه.
استمر جسدها بالتمزّق مراراً وتكراراً بلا توقف وكلما ازدادت إصاباتها، ازداد رعبها صرخت:
“لا! لا! لا! توقف! أرجوك توقف!”
تمزّقت قدمها اليمنى بالكامل سقطت، انزلقت عدة أمتار في الطين المُغمور بدمها الذي بات يُلوّن الأرض حولها بطريقة لا تُترك للخيال أي مساحة:
“اآآآههه! هذا مؤلم! هذا مؤلم!”
حاولت النهوض باشتماتة بعدها تمزّقت عيناها صرخت في يأس لم يكن لديها كلمات كافية له:
“اآآآههه! لا! أرجوك توقف! هذا مؤلم! ساقي! عيناي! أرجوك! الرحمة!”
دوّى صوت من قلب سحابة الرماد لم يكن صوتاً يحمل أي مشاعر. لا غضب، لا شفقة، لا حتى اللامبالاة المتعمدة. كان صوتاً فارغاً تماماً، كأنه يقرأ حكماً من ورقة لا تعنيه:
“خطيئتك كانت الوقوف في وجهي.”
استمر تمزيق جسدها مع ازدياد صراخها وتوسّلها، استمر ما يحدث دون أن يتباطأ قيد أنملة. تمزّقت أسنانها. تحطّمت أصابعها. تمزّق وجهها قطعة بعد قطعة، حتى لم يبقَ منها سوى قوقعة فارغة لا تستطيع حتى إصدار صوت.
ثم انتهى الأمر من قلب سحابة الرماد، خرج رجل.
بشرته شاحبة بشكل غير طبيعي، وشعره أسود طويل ينسدل دون حياة على كتفيه. كان وجهه متجمداً، خالياً من أي تعبير، وعيناه لا تحملان أي شيء. لا انتصار. لا رضا. لا حتى اعتراف بأن ما حدث للتو كان حدثاً ذا معنى.
كان نول.
ووراءه، على الأرض المُغمورة بالدماء والطين، كان كل ما تبقّى من إيلينا سيرال، إحدى ثلاثة خبراء المستوى الرابع التي وقفت يوماً في قاعة الاجتماعات تتحدث عن مدن اختفت بلا أثر.
والآن صارت هي نفسها أثراً يتلاشى.