الفصل 175 - الحرب خدعة
اندفعت المخلوقات في موجة واحدة.
لم يكن هجوماً متدرجاً يمنح الوقت للاستعداد كانت انفجاراً واحداً شقّ ساحة المعركة من طرف إلى طرف، وكانت في الموجة تلك قوة الشيء الذي لا يُفكّر بل يُنفّذ في ثوانٍ كانت عشرات من مقاتلينا الأضعف قد تمزّقوا قبل أن يستطيعوا الإجابة على ما ضربهم.
أصدر هاروك أوامره بالتراجع وبقي في ساحة المعركة من بقي: أصحاب المستوى الثالث هم والمخلوقات البشعة التي تفوقهم عدداً في كل اتجاه.
صررت على أسناني وأنا أُحكم قبضتي على مقبض سيفي نظرت نحو المخلوقات المندفعة ونحو الخلف حيث تراجع الطاعون بعد أن أشعل ما أشعله.
“تبّاً. يا لها من حرب ملعونة.”
قلتها بصوت كان فيه غضب حقيقي:
“العدو لم يكن يهدف للحرب من البداية. أراد فقط ترك أكبر خسائر ممكنة. أليس كذلك أيها المهزوم؟”
انفعل الرجل الذي كان يقف قريباً مني التفت نحوي بعيون فيها مزيج من الاستياء والاستغراب الحقيقي:
“اسمع يا هذا. ربما لم نحصل على فرصة التعريف بأنفسنا إلا أنني أتمنى أن تتراجع عن إهاناتك في هذا الوضع. اسمي جير.”
رمقته بنظرة ساخرة:
“ماذا؟ أتريد حفلة ترحيب أيضاً؟”
“توقف عن السخرية في هذا الوضع يا رجل.”
“آسف آسف. الوضع فقط سخيف لدرجة أنني أردت تلطيف الجو حسنا اسمي دارون.”
لم تمهلنا المخلوقات لإكمال الحديث في الحقيقة لم يكن لدينا نية لإكماله أصلاً انقسمنا دون كلام، كل منّا نحو خصمه الرفاهية الوحيدة في ساحة قتال هي الرفاهية التي لا تأتي.
دفعت الوحش عدة أمتار إلى الخلف و تركت عليه تمزقات لم أُفكّر فيها، يدي تتحرك بمنطق اللحظة لا بمنطق الخطة كانت اللحظة الأولى لصالحي لكن كل لحظة تلتها كانت أثقل من السابقة.
جسدي يزداد خمولاً و الألم يتراكم بطريقة تختلف عن ألم القتال العادي كان ألم شيء ينخر من الداخل لا ألم ضربة تُلتقى من الخارج المرض الذي كان يمشي في المدينة منذ يومين كان يمشي فيّ أيضاً، ويتذكر نفسه في أسوأ الأوقات.
لكن برز داخل صدري هاجس آخر أكثر إزعاجاً من الألم.
شعور غريب بأننا فوتّنا شيئاً شيء مرّ أمامنا مرور الكرام منذ البداية ولم ننتبه له كان الشعور خفياً في البداية كأنه دبيب شيء صغير في الزاوية لكن كلما مرّت دقيقة كان يكبر.
‘الطاعون لم يفرض حصاراً حقيقياً. لم يواجهنا بأقوى أتباعه لقد ترك الأقوياء للنهاية وبدأ بالضعفاء.’
التفكير في شيء غير الخصم الواقف أمامك ضرب من الجنون في ساحة قتال. لكن الهاجس لم يهدأ.
تراجعت مراراً وحين وصلت إلى أسوأ حالاتي، برز وحشان آخران من جانبي.
ثلاثة الآن. حولي من ثلاثة اتجاهات تنهّدت في سري.
‘لم يبقَ لي مجال للتراجع أكثر.’
تواصلت مع الفهد الأسود و استجاب في الحال التفّ حولي ظلام غريب، ليس ظلام الليل ولا ظلام الغرفة المغلقة ظلام من نوع مختلف، حي، يتحرك بإرادة وبدأت التغييرات عضلاتي تتكثّف بشكل يُحسّ قوة تتدفق فيها من مصدر ليس مصدري وحدي نما فراء داكن على أجزاء من جسدي، وظهرت مخالب في أطراف أصابعي، وكانت العيون التي ترى المعركة حولي عيوناً أرجوانية وحشية لا تشبه عيني في أي وضع طبيعي.
أمسكت جارح الظل واندفعت لم يكن الاندفاع مُحسوباً بدقة. كان اندفاع من لا وقت عنده للحساب الكامل رفعت السيف وأسقطته في هجمة بدائية لم أتوقع منها بصراحة أكثر من إصابة واحدة في أحسن الأحوال.
لكن الواقع كان آخر تماماً بمجرد أن تحرك السيف ووصل إلى مجال الوحوش الثلاثة، انفجر ضغط من الدم. لم يكن ضغطاً عادياً. كان كأن الهواء نفسه بين السيف والوحوش قرّر أن ينفجر. ومزّق أجسادهم إلى ما لا يُوصف. في ثانية واحدة لم يبقَ منهم شيء يُسمّى جسداً.
ثم سمعت الصوت في رأسي مباشرةً. ذلك الصوت الغليظ المقزّز الذي يحمل في طبقاته جنوناً لا يبحث عن شفاء:
“هاهاهاها! ألم أخبرك أنني سأساعدك لو أطعمتني؟”
لم أعرف بماذا أشعر لم يكن الشعور المتوقع لا الفرح ولا الامتنان ولا الارتياح. كان الهاجس الذي ظل معي طوال القتال قد بلغ مستوى جعل جسدي يتعرق عرقاً بارداً رغم حرارة المعركة.
شيء ما خطأ وكان العقل الفعّال يُجمّع ما لديه ويُصنّفه بسرعة لم أطلبها.
‘من الواضح أن هدف الطاعون هو التسبب في أكبر قدر ممكن من المعاناة.’
‘لماذا يواجهنا بشكل مباشر إذاً؟ لو كان يريد المعاناة كان بإمكانه الاستمرار بما كان يفعله من البداية دون حرب.’
‘هذا غير مفهوم. لماذا قرّر فجأة الهجوم المباشر؟’
‘هل خاف من اكتشاف طريقة لعلاج المرضى؟’
أمسكت رأسي بيد وأنا أواصل التفكير.
‘لا. حتى لو اكتشفنا طريقة للعلاج كان بإمكانه استخدام الحيل بدلاً من الحرب. الحرب لها سبب آخر.’
‘ما هو؟’
الجواب جاء كأنه ضربة على صدر مفتوح.
انفتحت عيناي على مصراعيهما.
‘هذه الحرب شارك فيها جميع أقوى مقاتلي المدينة دون استثناء. طريقة مثالية لتشتيت انتباه الجميع. طريقة مثالية لإفراغ الشوارع من كل من يستطيع الدفاع.’
التفتّ نحو المدينة خلفي كانت تبدو من هنا كأنها تشع رعباً تلك الشوارع التي رأيتها ممتلئة بالناس قبل يومين الأطفال و الشيوخ و العامة الذين لا يحملون سلاحاً ولا يعرفون القتال.
‘هدفه من البداية كان العامة.’
‘لقد خدعنا.’
‘لقد تلاعب بنا.’
وكانت فكرة واحدة تعلو فوق كل ما سواها.
اسم واحد.
‘يوجين.’
طفل في الثالثة عشرة من عمره تركته وحده في فندق في مدينة صار فيها كل من يملك القدرة على الحماية بعيداً عن شوارعها طفل يملك قدرة شفاء تجعله هدفاً من نوع خاص لمن يريد الإيذاء طفل لا يحمل سلاحاً ولا يعرف كيف يختبئ وسكارليت.
أخته التي كانت هنا معي في هذه الساحة قلّبت هذا في رأسي ثانية واحدة ثانية واحدة كانت كافيةثم تحركت.
لم يكن قراراً يحتاج إلى تفكير طويل. كان شيئاً أوضح من القرارات العادية، من تلك الأشياء التي لا تُسأل عنها لأن الإجابة موجودة قبل السؤال.
اتجهت نحو سكارليت. كانت تُقاتل على بُعد خطوات، وجهها يحمل ذلك التركيز الكامل لمن لا تُوجد في قاموسها كلمة “نصف جهد” لكنني رأيت في طرف عينها حين اقتربت أنها أحسّت بتحرّكي قبل أن أصل.
“يوجين.”
قلتها كلمة واحدة ولم تحتج أكثر رأيت ما رأته في عينيها ليس الذعر سكارليت لا تُذعر لكن كان شيء أسرع من الذعر وأكثر قطعاً كان الإدراك الذي يُقطع كل شيء آخر في لحظة واحدة.
‘أخي.’
لم نتحدث أكثر المسافة بيننا وبين المدينة كانت كافية لأن تكون مشكلة لو فكّرنا فيها. لكن التفكير في المسافة ترف.
التفتّ مرة أخيرة نحو ساحة المعركة.
الجنود والمقاتلون من المستوى الثالث كانوا يُقاتلون بما عندهم وكان ما عندهم يكفي، بصعوبة وبخسائر، لكنه يكفي.
ما لا يكفي فيه أحد غيرنا هو ما كان في المدينة الآن.
اندفعنا والأرض تحت قدميّ تُحسّ ثقيلة بسبب المرض الذي لا يزال يمشي في جسدي. لكن الثقل الأثقل كان اسم واحد لا يزال يُردّده شيء ما في صدري بإلحاح لا يهدأ.
يوجين.