الفصل 174 - تشوهات الحرب
اندفع القادمون الجدد إلى ساحة المعركة كما لو أنهم إعصار من الفولاذ والجنون.
دوّت صيحاتهم فوق أصوات القتال وفوق صرخات الموت وفوق هدير الاصطدامات. كانوا يزأرون كوحوش أطلقت من أقفاصها بعد سنوات طويلة من الأسر.
وفي اللحظة التالية اصطدموا بجيش الطاعون.
انفجرت الأجساد في كل اتجاه. تطايرت الأطراف. وانهارت الصفوف التي بدت قبل لحظات عصيّة على التوقف.
ثلاثمائة مقاتل من المستوى الثالث. قد يبدو العدد صغيراً أمام مئات الآلاف. لكنهم كانوا رأس رمح قادراً على اختراق أي تشكيل عسكري. وخلال دقائق قليلة بدأت كفة الحرب تميل لصالحنا لأول مرة منذ ساعات.
كانوا يقاتلون بطريقة لا تشبه جنود المدن ولا تشبه الحراس. تشبه وحوشاً وُلدت داخل ساحات القتال. كل ضربة منهم قاتلة وكل حركة محسوبة وكل خطوة مليئة بخبرة لا تُشترى. لم يكن بينهم أي تردد ولا أي خوف. كأن الموت أصبح رفيقاً قديماً لا يفاجئهم.
أما أنا فكنت في حالة مزرية.
لهاثي أصبح ثقيلاً والعرق يغطي جسدي بالكامل. شعرت وكأن النار تجري داخل عروقي. ذلك المرض اللعين لم يتوقف رغم نجاحي في كبحه، استمر بمحاولة الانتشار ببطء كسمّ يتسلل ينتظر لحظة ضعف واحدة كافية لإنهائي.
أمامي وقف ثلاثة من مقاتلي المستوى الثالث، الرابع سقط قبل دقائق. لكن الثلاثة الباقين لم يبدوا أي خوف، بل كانوا يستعدون للهجوم الأخير.
رفعت جارح الظل بصعوبة وأجبرت جسدي المتعب على الاستعداد.
ثم اختفت الظلال.
وووووش!
ثلاثة خطوط سوداء مزّقت الهواء. وفي اللحظة التالية تناثرت رؤوس الأعداء الثلاثة. سقطت أجسادهم قبل أن تُدرك حتى أنها ماتت.
تجمّدت في مكاني. ثم رفعت رأسي.
رأيتهم.
ثلاثة مقاتلين من القوة الجديدة. وفي مقدّمتهم ذلك الرجل.
نظر إليّ للحظة بينما كنت أحاول التقاط أنفاسي.
خرج صوتي مبحوحاً ومتعباً:
“ماذا؟”
ابتسمت بسخرية باهتة:
“هل جئت للانتقام؟ حتى أنك أحضرت بعض الصحبة معك.”
نظر إليّ بنظرة جانبية ثم رفع حاجبه:
“انتقام؟”
بدا وكأنه سمع أسخف جملة في حياته:
“هل تظنني طفلاً؟ هل تعتقد حقاً أنني سأحرك ثلاثمائة مقاتل لأن شخصاً ما هزمني في شجار؟”
أشار إلى نفسه:
“أنا من الجبهة.”
ثم أشار إلى رفاقه:
“ونحن أيضاً. قضينا معظم حياتنا في الحروب، في ساحات القتال، في الأماكن التي يموت فيها الناس كل يوم.”
تنهّد بخفة:
“خرجنا في مهمة استطلاع.”
ثم نظر حوله إلى الخراب المنتشر:
“ووجدنا هذا.”
ضحكت ضحكة متعبة:
“إذاً… يمكننا القول إننا محظوظون.”
لكن الرجل لم يضحك.
قطّب حاجبيه وأشاح بصره نحو ساحة المعركة. وعندها فقط شعرت أن شيئاً ما خطأ. شيء جعله يتوقف عن الكلام. شيء جذب انتباه جميع المقاتلين المخضرمين في آنٍ واحد.
قال بصوت منخفض:
“من المبكر جداً أن تشعر بالارتياح.”
تجمّدت ابتسامتي. ثم التفتّ معه ونظرت نحو جيش الطاعون.
في البداية لم أفهم.
ثم شعرت ببرودة تجتاح ظهري.
الأجساد.
كانت تتحرك بشكل غريب. توقفت عن التقدم وتوقفت عن القتال. وبدأت تتجمع.
عشرات. ثم مئات. ثم آلاف.
الأجساد التصقت ببعضها. تشابكت الأذرع واختلطت اللحوم واندمجت العظام. أصوات التمزق والتهشم ملأت ساحة المعركة، أصوات لا تُشبه أي شيء طبيعي. كان المشهد مقزّزاً لدرجة جعلت بعض الجنود يتراجعون غريزياً قبل أن يُدركوا أنهم يتراجعون.
أما أنا فلم أستطع إبعاد نظري.
كانت الكتل البشرية تكبر باستمرار وتزداد حجماً وتتشوه أكثر. كأن شيئاً يُعيد تصميم ما أُعطي له من مادة دون أن يهتم بما كانت تلك المادة في يوم ما.
ثم ارتفعت من بينها مخلوقات جديدة.
واحد. اثنان. عشرة. خمسون. مئة. ثم مئات.
في غضون دقائق وقف أمامنا أكثر من خمسمائة مخلوق مشوّه. يزيد طول الواحد منهم على ثلاثة أمتار. أجساد ضخمة منتفخة وعدة أذرع في بعض الحالات. ووجوه بشرية ملتصقة على صدورهم وأكتافهم كأن أصحابها لا يزالون موجودين لكنهم لا يملكون مكاناً مناسباً. وعيون ميتة تُحدّق في كل الاتجاهات في آنٍ واحد.
لكن أكثر ما أرعبني لم يكن مظهرهم.
بل هالاتهم.
كل واحد منهم يمتلك قوة مقاتل من المستوى الثالث.
خمسمائة.
خمسمائة مقاتل من المستوى الثالث ظهروا أمامنا دفعة واحدة.
ساد الصمت للحظة. حتى المعركة توقفت في بعض المناطق. الجميع كان ينظر إلى تلك الكوابيس الجديدة.
أما الرجل القادم من الجبهة فشتم بصوت منخفض وتشنّجت ملامحه لأول مرة منذ دخوله ساحة المعركة.
وفي يدي شعرت بجارح الظل يرتجف.
ليس خوفاً. بل حماساً. حماساً مريضاً أقلق نفسي من الشعور به.
“هاهاهاها! الآن نتحدث!”
دوّى الصوت المقرف داخل رأسي.
أسكتّه بصمت وأنا أُحدّق في المخلوقات الصاعدة.
ترددت الكلمات داخل رأسي:
‘تبّاً.’
‘ما مدى تقلّب موازين هذه الحرب الملعونة؟’
في الأفق البعيد، وسط فوضى الحرب وصياح الجنود وصوت الأرض تحت أقدام الكوابيس الخمسمائة وهي تتقدم، كانت ابتسامة الطاعون أكثر اتساعاً من أي وقت مضى.