لم يستغرق الأمر سوى ساعات قليلة حتى بدأت الحرب الحقيقية.
خلال الساعات الأولى لم يكن ما واجهناه سوى مقدمة دموية. أرسل الطاعون البشر العاديين أولاً، مئات الآلاف من الأجساد الميتة التي لا تعرف الخوف ولا الألم.
كان الهدف واضحاً الآن. استنزافنا. إرهاق جنودنا. وإجبارهم على قتل أناس كانوا في يوم من الأيام مدنيين أبرياء. خطة قذرة لكنها فعّالة بصورة مرعبة.
مع مرور الوقت بدأت آثارها تظهر. الجنود الذين قاتلوا منذ البداية أصبحوا مرهقين. المعنويات بدأت بالانهيار. والأهم من ذلك، بدأ المقاتلون الحقيقيون للطاعون بالظهور. وعندها فقط أدرك الجميع أن الكابوس الحقيقي لم يبدأ بعد.
في أقل من نصف ساعة خسرنا ثلاثة آلاف جندي. خمسمائة من المستوى الثاني. وسبعة من المستوى الثالث.
قد تبدو مجرد أرقام. لكن كل مقاتل من المستوى الثالث سقط كان يعني عشرات الجنود الذين لن يعودوا إلى عائلاتهم. وكل مستوى ثانٍ مات كان يعني ثغرة جديدة في خطوطنا. وكانت تلك الثغرات تتسع بسرعة مخيفة.
اندفعت نحو أحد مقاتلي المستوى الثالث.
اصطدمت سيوفنا.
دووووم!
اهتزت الأرض تحت أقدامنا. كان خصمي سريعاً، أسرع من أغلب من واجهتهم اليوم. لكنني لم أشعر بأي قلق.
والسبب لم يكن أنا. بل جارح الظل.
بخلاف البشر العاديين، كان أتباع الطاعون أشبه بالجثث المتحركة. وعندما أجرحت أحدهم لم يكن السيف مضطراً لانتظار نزيف الدم، بل كان يسحب تلك الدماء الفاسدة باستمرار طوال القتال. وكل ثانية تمر كان خصمي يضعف أكثر بينما يصبح جارح الظل أكثر حماساً.
“هاهاهاها! رائع! أحضر المزيد!”
دوى صوته المقرف داخل رأسي.
تجاهلته بالكامل وركّزت على القتال.
بعد دقيقة واحدة فقط بدأ خصمي يترنح. ثم جفّ جسده بالكامل وتحوّل إلى جثة هامدة سقطت على الأرض.
رفعت رأسي.
وتجمّدت.
لأن عشرات العيون كانت تنظر نحوي. لا، مئات. الأعداء من حولي كانوا يراقبون السيف. لقد فهموا وأدركوا أن جارح الظل خطر حقيقي عليهم.
وفجأة تحرّكوا.
اندفع نحوي عشرات المقاتلين من المستوى الثاني دفعة واحدة. وفي اللحظة نفسها ظهر أربعة مقاتلين من المستوى الثالث من جهات مختلفة.
كمين. حقيقي ومتقن.
ابتسمت ببرود ثم أدرت السيف.
شششش!
تمزّقت عدة أجساد. لكن الآخرين لم يتوقفوا.
وصل أول مقاتل من المستوى الثالث فتصادمت أسلحتنا. وفي اللحظة التالية وصل الثلاثة الآخرون.
الأربعة يتحركون بتناغم مثالي كأنهم جسد واحد. كلما صددت ضربة وصلت الثانية. وكلما تفاديت هجوماً اعترضني الثالث. أما الرابع فكان ينتظر خطئي.
في الظروف العادية كنت سأصمد. لكن الأعداد حولي كانت هائلة.
ثم بدأ بعضهم يترنح. آخرون تجمّدوا في أماكنهم. وآخرون رفعوا أسلحتهم نحو حلفائهم دون قصد.
ابتسمت فوراً.
سكارليت.
انتشرت هلاوسها السمعية وسط الأعداء وحوّلت انسجامهم إلى فوضى.
استغليت الفرصة. اندفعت للأمام وأطلقت سلسلة من الضربات المتتالية. سقط اثنان من المستوى الثاني ثم ثالث ثم رابع. لكن مقاتلي المستوى الثالث أظهروا مقاومة أكبر. أظهروا تأثراً جزئياً بقدرتها لكنهم واصلوا الضغط علي دون توقف.
مرّت دقائق قليلة.
لكن ساحة المعركة تغيّرت بالكامل.
عندما نظرت حولي شعرت ببرودة تسري في ظهري.
جيشنا تقلّص إلى أقل من النصف. الجثث تغطي الأرض. الجرحى في كل مكان. والعدو ما زال يتدفق بلا نهاية.
بدأ اليأس يتسلل إلى الوجوه. حتى أكثر الجنود شجاعة أصبحوا يُدركون الحقيقة.
إذا استمر الوضع بهذا الشكل فسنُسحق.
عضضت على أسناني وأكملت القتال. لكنني كنت أعلم. كنا نخسر. وبسرعة.
ثم تغيّر شيء.
شعرت به أولاً قبل أن أراه. كأن تيّاراً هائلاً من الإرادة ظهر في مكان بعيد، ذلك النوع من الظهور الذي يُحسّه الجسم قبل أن تُدركه العين.
رفعت رأسي ونظرت نحو الأفق.
ظهرت مجموعة جديدة.
ضيّقت عيني. فعلت قدرة العقل الفعال وعزّز الفهد الأسود بصري حتى أصبحت الرؤية أوضح.
ثلاثمائة مقاتل.
فقط ثلاثمائة. لكن الهالات المنبعثة منهم جعلت جسدي يقشعر.
جميعهم من المستوى الثالث. جميعهم دون استثناء. أغلبهم متحكمون أوليون. خمسة وعشرون متحكماً متقدماً. وسبعة متحكمين شاملين.
مجرد هذه القوة وحدها كفيلة بتغيير مسار الحرب.
وفي مقدّمتهم كان هناك رجل واحد.
بشرة بنية وشعر أسود أشعث مربوط خلف رأسه. الجزء العلوي من جسده عارٍ يكشف عضلات بدت وكأنها منحوتة من الصخر لا من اللحم. وشوم حمراء تمتد على صدره وذراعيه بأنماط قديمة. وفأس عملاقة فوق كتفه يحملها كأنها لا تزن شيئاً.
هالته وحدها جعلت الهواء يثقل.
مستوى رابع. مقاتل مستوى رابع حقيقي.
لكن ذلك لم يكن ما صدمني أكثر.
بين صفوفهم رأيت وجهاً أعرفه. وجهاً لم أنسه رغم مرور الوقت.
الرجل الذي قابلته سابقاً في رحلتي. ذلك الغريب الذي تركته يرحل.
كان هناك، وسط هؤلاء المقاتلين.
تجمّدت للحظة.
لحظة واحدة فقط. لكنها كانت كافية.
شششخ!
ألم حاد في كتفي. التفتّ بسرعة لكن الأوان كان قد فات. أحد الأربعة نجح في خدشي، جرح صغير. لكنه كان كافياً.
شعرت بحرارة غريبة تنتشر داخل جسدي. ثم بدأت تتحوّل إلى حريق.
اتسعت عيناي.
المرض. لقد دخل جسدي.
ضغطت إرادتي فوراً وتحرّك الفهد الأسود داخل وعائي. اجتمعت الإرادة حول الجرح وحاصرت العدوى قبل أن تنتشر.
توقّفت الحرارة عند حدود معينة. لكنها لم تختفِ. كانت ما تزال هناك، كامنة، تنتظر، كأنها كائن حيّ يبحث عن فرصة للانقضاض.
تنفّست بصعوبة.
ورغم نجاحي في كبحها، لم أجرؤ على التراخي. لأن المعركة ما زالت مستمرة. والقادمون الجدد يقتربون.
ثوانٍ فقط تفصلهم عن ساحة القتال.
نظرت إليهم. ثم إلى جيشنا المنهك. ثم إلى جيش الطاعون.
وابتسامة متوترة ظهرت على وجهي رغماً عني.
‘أتساءل…’
اشتدّت قبضتي حول جارح الظل.
‘إلى أي جانب سيختارون الوقوف؟’
وفي اللحظة التالية وصلت القوة الغامضة إلى حدود ساحة المعركة.