الفصل 172 - وحوش المستوى الرابع
بينما كانت الجيوش تتقاتل في الأسفل وسط بحر من الدماء والفوضى، كانت هناك معارك أخرى.
معارك قادرة وحدها على تحديد مصير الحرب بأكملها.
ثلاث معارك. ثلاثة ميادين منفصلة هزّت أرض السهل باستمرار. وكل اصطدام فيها كان يُرسل موجة صدمة تُحسّ في القدمين قبل أن تُسمع في الأذنين.
في الجهة الغربية من ساحة المعركة، كان غارث يواجه جارير.
بلغ طول غارث قرابة مئة وثمانية وتسعين سنتيمتراً، وكان جسده العضلي يجعل معظم الرجال يبدون أطفالاً بجانبه. لكنه أمام جارير كان يبدو صغيراً.
كان الأخير أشبه بجبل متحرك. يتجاوز طوله المترين والعشرة سنتيمترات بسهولة. لكن الطول لم يكن أكثر ما يرعب فيه. بل كتلة عضلاته. كل جزء من جسده بدا مصنوعاً من الفولاذ المصهور، منحوتاً لا معيشاً. ومجرد الوقوف أمامه كان كافياً ليشعر أي مقاتل بشيء يضغط على صدره.
بووووم!!
اصطدم السيف العملاق بقفاز حديدي. فانفجرت موجة صدمة هائلة وتشقّقت الأرض تحت أقدامهما. قفز غارث للخلف وأعاد الإمساك بسيفه بكلتا يديه.
كانت المعركة تبدو متكافئة من بعيد. ضربة مقابل ضربة وقوة مقابل قوة. لكن الحقيقة كانت مختلفة.
منذ بداية القتال لم يتمكن غارث من ترك جرح واحد على جسد خصمه. حتى حين نجح في إصابة جارير مباشرة لم يكن السيف يترك أكثر من شرارة صغيرة كأنه يضرب معدناً صلباً.
“اللعنة…”
تمتم وهو يتراجع مجدداً. ثم نظر إلى العملاق أمامه. إلى صديقه القديم. أو ما تبقّى منه.
جارير.
الرجل الذي عرفته الإمبراطورية ذات يوم باسم عملاق الفولاذ. محارب أسطوري خاض معظم حياته في ساحات المعارك. قاتل وحوشاً وخاض حروباً ونجا من كوارث لا تُحصى. قبل أن يتقاعد أخيراً ويختفي داخل إحدى المدن الهادئة.
لكن ما اشتهر به أكثر من أي شيء آخر كانت قدرته.
المتصلّب.
قدرة سخر منها الكثيرون في بداياتها. مجرد مهارة تسمح بزيادة صلابة الجسد لا أكثر. لكن بعد وصوله إلى المستوى الرابع تحوّلت إلى شيء آخر كلياً. لم تعد تُصلّب جسده فحسب، بل عقله أيضاً. تُحصّنه ضد التأثيرات الذهنية وأغلب الهجمات العقلية. وتمنح إرادته كثافة ومرونة جعلت كل ضربة منه تحمل وزن جبل.
بووووم!!
ضربة أخرى أجبرت غارث على التراجع عشرات الأمتار. سال الدم من زاوية فمه. ورغم ذلك ابتسم:
“لا تزال مزعجاً كما كنت دائماً.”
لكن جارير لم يردّ. لم يعد هناك شيء من الرجل القديم. فقط آلة حرب فارغة تُنفّذ غرضاً واحداً.
وفي أعماقه بدأ غارث يُدرك الحقيقة. هذه معركة خاسرة. أو على الأقل معركة لن تنتهي قريباً.
أما في الجهة الجنوبية فكانت إيلينا تواجه شخصاً مختلفاً تماماً.
رجل نحيل شاحب البشرة ذو شعر أسود طويل وعيون فارغة من أي مشاعر. وقف وسط دوامة رماد صامتة بطيئة كأنه سيد لعالم ميت.
ابتسم نول تلك الابتسامة التي تعكس كل شيء إلا الفرح:
“عزيزتي… ألا تبدين متوترة أكثر من اللازم؟”
اتسعت ابتسامته وانحنى انحناءة ساخرة:
“أنا نول. المعروف أيضاً بسيد الرماد.”
لم تكن إيلينا مهتمة بالكلام.
اختفت من مكانها وظهرت أمامه مباشرة. اندفع سيفها الخفيف بسرعة البرق.
لكن قبل أن يصل إليه قفزت عشرات الأجساد بينهما. مزّقها السيف بسهولة. لكن الثانية التالية ظهرت أجساد أخرى. ثم أخرى. ثم أخرى.
صرخت إيلينا بغضب:
“أيها الوغد! أتستخدمهم كدروع بشرية؟!”
ضحك نول بخفوت، ضحكة هادئة ومرعبة:
“لا تكوني سخيفة.”
أشار نحو الجثث المتساقطة:
“إنهم مجرد أجساد. ما المشكلة في استخدامها؟”
ارتجفت عروق إيلينا غضباً.
لكن قبل أن تهاجم مجدداً أضاف نول فجأة:
“بالمناسبة.”
مال رأسه قليلاً:
“سمعت أن ذلك الفتى موجود هنا اليوم أيضاً.”
اتسعت ابتسامته:
“يا له من يوم محظوظ.”
وعندما ابتعدت إيلينا لحظة يائسةً من تجاوز دروعه البشرية، همس بصوت لم يسمعه أحد:
“دارون…”
بردت عيناه:
“سأجعلك ترى بنفسك.”
اتسعت ابتسامته المريضة:
“مرارة هذا العالم.”
أما في قلب ساحة المعركة فكانت أعنف المواجهات كلها.
وقف أدريان بسيفه المتألق بين يديه وشعره الفضي يتحرك مع الرياح وعيناه الزرقاوان مثبّتتان على خصمته. كان مستقيماً ثابتاً كأن أكتافه تحمل المدينة بأكملها.
“الطاعون.”
ضاقت عيناه:
“أتعتقدين أنك ستحقّقين مبتغاكِ اليوم؟”
ابتسمت الفتاة ذات الشعر الرمادي. ابتسامة واسعة وغير طبيعية، ابتسامة شخص فقد شيئاً ما منذ زمن بعيد وقرّر أن يُعوّض غيابه بهذا التعبير المتجمّد.
“مبتغاي؟”
ثم بدأت تضحك:
“ههههه…”
أمسكت بوجهها من شدة الضحك. ثم انخفض صوتها فجأة وأصبحت عيناها مظلمتين بشكل لم يُصادفه أدريان من قبل:
“طالما أنني أتسبب بأكبر قدر من المعاناة…”
اتسعت ابتسامتها:
“فسأكون سعيدة.”
ثم همست:
“حتى لو خسرت اليوم… سأكون المنتصرة.”
اشتعل غضب أدريان.
اندفع للأمام. اختفى من مكانه وظهر فوقها مباشرة. لاح بسيفه. نجمة أفقية من الضوء انفجرت عبر الهواء، ضربة يعجز معظم المقاتلين حتى عن رؤيتها.
دووووووم!!
انفجرت الأرض وتفتّت السهل لعشرات الأمتار.
لكن حين انقشع الغبار تجمّدت ملامح أدريان.
لأن الطاعون لم تتحرك ولم تتراجع. رفعت ذراعها النحيلة وأمسكت السيف بيدها العارية، كأنه غصن شجرة لا سيف خبير المستوى الرابع.
قطرات من الدم الأسود تسرّبت من كفّها. لكن ابتسامتها لم تختفِ ولم تتغيّر. بل ازدادت اتساعاً.
تراجع أدريان فوراً، عشرات الأمتار، وعيناه مليئتان بذلك الحذر الذي لا يُعلنه بسهولة.
لأول مرة منذ بداية القتال شعر بالخطر الحقيقي.
أما الطاعون فأدارت رأسها ببطء، ثم لعقت الدم العالق على أصابعها وابتسمت. ابتسامة جعلت حتى الهواء يبدو أبرد درجة.
تنهّد أدريان وأعاد رفع سيفه.
“يبدو…”
اشتدّت قبضته حول المقبض:
“أن هذه المعركة لن تنتهي على خير.”
وفي تلك اللحظة اهتزت السماء مجدداً.
وواصلت حرب المستوى الرابع في ميادينها الثلاثة حصد أرواح كل من كان يقترب منها.