الفصل 171 - سيمفونية الدم و الحديد
اصطدم الجيشان.
وفي لحظة واحدة تحوّلت السهول الهادئة إلى جحيم حيّ.
ارتطم الحديد بالحديد وتحطمت العظام وتطايرت الدماء وامتزجت آلاف الأصوات في سيمفونية مرعبة لا تُشبه أي شيء سمعته من قبل. صرخات الألم وصرخات الرعب وصرخات الغضب وحتى تلك الصرخات الغريبة التي تولدها حافة الموت حين تُسقط عن الإنسان كل شيء زائف وتُبقي فقط ما هو حقيقي.
كانت الحرب في أبشع صورها وأصدقها في آنٍ واحد.
اندفعت أنا وسكارليت بين الصفوف الأمامية.
حافظت عمداً على سرعة تتناسب معها، لأنني أدركت خلال الأيام الماضية شيئاً مهماً. قدرة سكارليت لم تكن سلاحاً للقتال الفردي فحسب، بل كانت سلاحاً مرعباً في الحروب واسعة النطاق بالذات.
كانت إرادتها تنتشر بين الأعداء كضباب خفي لا يُرى ولا يُحسّ إلا بآثاره. تزرع التردد والارتباك وتُشوّه الإدراك وتكسر التنسيق. رغم أن أتباع الطاعون أظهروا مقاومة ملحوظة لتأثيراتها، إلا أنهم لم يكونوا محصّنين بالكامل. وذلك وحده كان كافياً.
حين يفقد آلاف المقاتلين جزءاً بسيطاً من تركيزهم، تبدأ الفجوات. وحين تبدأ الفجوات تبدأ المجازر.
اعتمد العدو كما توقعنا على سياسة الدروع اللحمية.
الصف الأول كان محيطاً من الأجساد البشرية، أكثر من مئتي ألف شخص في مقدمة الاندفاع. لكن أغلبهم لم يمتلكوا أي قوة حقيقية. مجرد بشر عاديين، ضحايا، أو أتباع فقدوا إرادتهم منذ زمن.
وبالنسبة لمقاتل من المستوى الثالث، كان قتلهم أسهل مما ينبغي.
أطلقت إرادتي داخل جسدي. وشعرت بالمسارات الجديدة تستجيب فوراً بطريقة مختلفة عما اعتدته، أسرع وأنقى وأقوى.
قبضت على جارح الظل.
لاح به مرة واحدة.
انطلق هلال أسود عبر الهواء ومزّق عشرات الأجساد في طريقه. سقطوا دفعة واحدة كأنهم سنابل قمح مرّ أمامها منجل عملاق.
خطوة. ضربة. استدارة. ضربة أخرى.
لكنني لم أشعر بأي انتصار.
لأن هؤلاء لم يكونوا جنوداً. كانوا ضحايا.
ثم رأيتها.
طفلة صغيرة، لم يتجاوز عمرها العاشرة. تمشي نحوي بخطوات هادئة ومنتظمة كخطوات الجميع في هذا الجيش. وجهها شاحب وعيناها فارغتان خاليتان من أي حياة. لا خوف ولا غضب ولا حتى كراهية. فقط ذلك الفراغ المرعب الذي لا يُشبه الموت لأن الميت لا يمشي.
شعرت بقلبي ينقبض.
ولوهلة قصيرة ترددت.
ثم أجبرت نفسي على الحركة. لو سمحت لها بالوصول إلى صفوفنا فقد تقتل أحد الجنود أو تنقل ذلك المرض.
أغمضت عيني للحظة.
ومرّ جارح الظل عبر جسدها.
وسقطت.
واصلت التقدم دون أن أنظر خلفي. لكن شيئاً ثقيلاً استقر داخل صدري لم يغادره.
الحرب دائماً قبيحة.
أما هذه الحرب فكانت أسوأ بكثير.
مع مرور الوقت لاحظت أمراً غريباً.
دماء أتباع الطاعون لم تكن طبيعية. كانت زرقاء داكنة، وفي بعض الحالات سوداء بالكامل، كأنها تعفّنت منذ زمن طويل قبل أن يُصاب أصحابها بأي جرح.
في البداية ظننت أن جارح الظل سينفر منها أو يرفض امتصاصها.
لكنني كنت مخطئاً.
دوّى ذلك الصوت المقرف داخل رأسي. صوت السيف. تلك الضحكة الغليظة المقزّزة:
“هاهاهاهاها! استمر أيها الفتى! أطعمني أكثر! هذه الدماء شهية للغاية!”
قطّبت حاجبيّ.
‘شهية؟’
كدت أتعثر من شدة الكلام.
‘يمكن وصفها بكل شيء إلا أنها طبيعية.’
جاء الصوت من جديد، أكثر حماساً:
“يا فتى! إنها وليمة! وليمة ملكية! لا تدع قطرة واحدة تضيع!”
أطلقت زفرة طويلة.
‘تبّاً لك. كان خطأً مني أن أتحدث معك أصلاً.’
ضحك السيف بجنون وواصلت القتال.
مرّت الساعات.
ساعة. ثم أخرى. ثم أخرى.
استمر القتال بلا توقف. ومع مرور الوقت بدأت الجثث تتراكم فوق بعضها حتى تحوّلت بعض المناطق إلى تلال صغيرة من الأجساد. لكن رغم الخسائر الهائلة لم يتوقف جيش الطاعون. كانوا يتقدمون باستمرار وكأن الموت لا يعني لهم شيئاً ولا يصل إليهم كمعلومة.
في المقابل بدأ الإرهاق يظهر على قوات المدينة. فتم تطبيق الخطة المتفق عليها مسبقاً. كلما تعب قسم من الجنود تراجع للخلف وتقدّم قسم آخر ليحلّ مكانه. بهذه الطريقة حُوفظ على القدرة القتالية لأطول مدة ممكنة.
أما أنا وسكارليت فبقينا في الخطوط الأمامية. لأن المقاتلين من المستوى الثالث كانوا حجر الأساس الذي لا يمكن تدويره بنفس الطريقة.
في إحدى اللحظات رفعت رأسي نحو ساحة القتال البعيدة.
لمحت ومضات من معارك المستوى الرابع.
كل تصادم بينهم كان يهزّ الأرض. كل انفجار للإرادة كان يمحو عشرات الأمتار حوله. كانت معاركهم أشبه بكوارث طبيعية أكثر منها قتالاً بين بشر.
لكن حتى هناك لم يكن أحد يحقق تفوقاً واضحاً.
الطاعون تقاتل أدريان. جارير يواجه غارث. ونول مستمر في مواجهة إيلينا.
الجميع عالقون. والجميع ينتظر لحظة الحسم التي لم تأتِ بعد.
ظهرت سكارليت بجانبي فجأة.
كانت تلهث قليلاً لكن عيناها الرماديتان الحادتان لم تفقدا تركيزهما لحظة.
“دارون.”
التفتّ إليها.
أشارت نحو عمق جيش الطاعون دون كلام إضافي.
ضيّقت عيني.
في البداية لم أفهم. ثم رأيتهم.
صفوف جديدة بدأت تتحرك ببطء من العمق نحو الأمام. ليس بالاندفاع العشوائي المعتاد لأتباع الدروع اللحمية. بل بترتيب منظم هادئ مرعب. وهالاتهم كانت مختلفة عن كل ما واجهناه حتى الآن. أثقل. وأقوى. وأكثر خطورة بفارق لا تُخطئه الحواس حين تتعلّم قراءة هذه الأشياء.
شعرت بالهواء يبرد حولي درجة.
تنهّدت ببطء:
“أخيراً.”
همستها لنفسي.
لأنني عرفت ما الذي أراه.
انتهت الموجة الأولى. تلك التي كانت مصنوعة من الضحايا والأتباع الذين لا يعرفون من أين يأتون ولا إلى أين يذهبون.
أما الآن فكانت الموجة الثانية على وشك الوصول.
الموجة التي تضمّ النخبة الحقيقية لجيش الطاعون. المقاتلين الذين يعرفون ماذا يفعلون. الذين اختارهم الطاعون وهيّأهم لهذه اللحظة بالذات.
الموجة التي ستحدد نتيجة هذه الحرب.