الفصل 170 - اصطدام الجيوش
لم يستمر الصمت طويلاً.
لثوانٍ معدودة فقط ظل جيش الطاعون متوقفاً بعد اختفاء مئات الآلاف من أتباعه. ثم عاد كل شيء كما كان. وكأن شيئاً لم يحدث. وكأن مئتي ألف روح لم تُمحَ من الوجود قبل لحظات.
بدأت الصفوف الداكنة بالتحرك مجدداً. خطوة. ثم أخرى. ثم أخرى. بذلك الإيقاع المرعب نفسه الذي لا يتسارع ولا يتباطأ، لا يحمل عجلة ولا قلقاً، إيقاع شيء يعلم أن الوجهة ستبقى هناك بانتظاره بغض النظر عن الوقت.
لا صراخ. لا هتافات. لا أصوات.
فقط وقع مئات الآلاف من الأقدام تضرب الأرض في وقت واحد، كطبل هائل يعزف من تحت الأرض.
وقف أدريان في مقدمة الجيش. كانت عيناه مثبّتتين على الأفق، لا يحملان هلعاً ولا تردداً، فقط ذلك التركيز البارد الذي يكون عليه خبير المستوى الرابع حين يرى ما يجب رؤيته ولا يُضيف عليه شيئاً.
رفع يده عالياً.
“استعدوا.”
كلمة واحدة. لكنها كانت كافية لإيقاظ كل من كان لا يزال يحتاج إلى إيقاظ. اختفى الذهول. اختفى التردد. واختفت كل الأحلام الساذجة حول تجنّب ما كان قادماً.
لقد بدأت الحرب.
قفزت من فوق السور برفقة هاروك وسكارليت. وسرعان ما انضممنا إلى القوات الرئيسية.
عشرة آلاف مقاتل.
هذا كل ما تمكّنت المدينة وعائلة سيرال من جمعه. عشرة آلاف في مواجهة مئات الآلاف. لكن القوة في هذا العالم لم تكن تُقاس بالأعداد وحدها.
خلف صفوفنا وقف خمسة وأربعون مقاتلاً من المستوى الثالث تابعين لعائلة سيرال. كل واحد منهم قادر على مواجهة مئات المقاتلين العاديين. وبين حراس المدينة سبعة من المستوى الثالث أيضاً، من ضمنهم هاروك نفسه.
لكن للأسف، عدونا لم يكن جيشاً طبيعياً.
التقارير أكّدت وجود ما يقارب ثلاثين تابعاً من المستوى الثالث داخل جيش الطاعون. وأعداد المستوى الثاني فيه مرعبة، أكثر من ثلاثين ألفاً. بينما لم نمتلك سوى ثلاثة آلاف تقريباً.
عشرة أضعاف.
قبضت على سلاحي وهمست لنفسي:
“إذاً هكذا ستكون الأمور.”
في المقدمة بدأت المسافة بين الجيشين تتقلّص.
ثلاثمئة متر. مئتان. مئة.
ثم اختفى خبراء سيرال الثلاثة.
بلغة أدق، اندفعوا بسرعة جعلت العين تعجز عن متابعتهم. انفجرت الأرض تحت أقدامهم وتشكّلت ثلاث موجات صدمة هائلة اجتاحت السهل. وصلوا إلى جيش الطاعون في اللحظة التالية.
ثم انفجر الجحيم.
كل ضربة من المستوى الرابع كانت تمحو عشرات الأتباع دفعة واحدة. سياسة الدروع اللحمية كانت عديمة الفائدة أمام وحوش بهذا المستوى. واصل الثلاثة تقدّمهم بلا توقف، كمناجل عملاقة تشقّ بحراً من القمح.
ثم وصلوا إلى قلب الجيش.
وفي اللحظة التالية وقعت ثلاثة تصادمات هزّت ساحة المعركة بأكملها.
بووووووم!!
اهتزّت الأرض وارتفعت سحب الغبار إلى السماء.
في الجهة اليمنى، توقف غارث.
أمامه وقف ما لم تستطع العين تصنيفه بسهولة. رجل عملاق، أطول من غارث برأسين كاملين، عضلاته منحوتة كالحجر وبشرته الرمادية تعطيه مظهر جثة حيّة. قفازاته الحديدية الضخمة مغطاة بشقوق قديمة ودماء لم تُمسح. وعيناه كانتا فارغتين. ميّتتين. بلا روح ولا مشاعر ولا أي شيء يُشير إلى أن هناك من لا يزال يسكن في ذلك الجسد.
تصلّبت ملامح غارث للحظة. ثم ظهر في عينيه حزن حقيقي غريب في مثل هذه اللحظة:
“جارير…”
خرج الاسم بصعوبة.
“هل هذا حقاً ما آلت إليه حالك؟”
لم يأتِ أي ردّ. فقط ذلك التحديق الفارغ.
تنهّد غارث وأخفض رأسه قليلاً:
“لا تقلق يا صديقي.”
قبض قبضتيه ببطء:
“سأُحرّرك من هذا العذاب.”
وعندها فقط اتخذ جارير وضعيّته القتالية.
في المنتصف، توقف أدريان.
وكانت عيناه مثبّتتين على المرأة الواقفة أمامه. شعر رمادي طويل يلامس الأرض. بشرة بيضاء بصورة غير طبيعية، أشد بياضاً من الثلج. لكن ما جذب الانتباه حقاً كانت الندوب التي تغطي جسدها بالكامل، وجهها وعنقها وذراعيها وكل جزء ظاهر منها، كأنها تعرّضت للتشريح عشرات المرات ثم جُمعت من جديد.
أدرك أدريان الحقيقة فوراً:
“إذاً… أنتِ الطاعون.”
رفعت المرأة رأسها ببطء. وظهرت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها، ابتسامة باردة خالية من أي دفء إنساني:
“الطاعون…”
ردّدت الاسم وكأنها تتذوّقه لأول مرة:
“اسم غريب.”
أمالت رأسها قليلاً:
“لكنه أفضل من الرقم ثلاثة عشر.”
اتسعت عينا أدريان.
والمرأة استمرت في الابتسام.
في الجهة اليسرى، وقفت إيلينا بصمت.
أمامها مباشرة وقف الرجل الذي عرفته من وصف سمعته. شعر أسود طويل. بشرة شاحبة. عباءة رمادية. وحوله كان الرماد يدور كإعصار صامت بطيء لا يتوقف. حتى الهواء بدا مشوّهاً بالقرب منه كأن المكان نفسه يرفض الاسترخاء في وجوده.
لم يتكلم نول.
ولم تتحرك إيلينا.
ثانية. ثانيتان. ثلاث. وكل منهما يقرأ الآخر بعيون لا تتحرك.
قالت إيلينا أخيراً:
“سيد الرماد.”
أجاب بهدوء مطلق:
“إيلينا سيرال.”
ضاقت عيناها:
“يبدو أنك تعرفني.”
“أعرف كل من يمكن أن يشكّل تهديداً.”
ساد الصمت لحظة.
ثم ارتفعت هالة الرماد حوله وأصبحت السماء فوقهما رمادية كأن السحاب نفسه اتخذ جانباً.
ابتسم نول ابتسامة خفيفة لا تحمل أي تسلية:
“دعينا نرَ إن كنتِ تستحقين تلك المكانة.”
في تلك اللحظة التقى أقوى مقاتلي الجيشين في ثلاث نقاط متفرقة من الساحة. أما بقية الساحة فكانت على وشك أن تنفجر هي الأخرى.
بدأ جنود الطاعون بالركض للمرة الأولى منذ ظهورهم. بدأ البحر الداكن بالاندفاع بكل ثقله وعدده.
وفي الجهة المقابلة، رفع هاروك سيفه عالياً. ثم أطلق صرخة هزّت صفوف الجيش من طرف إلى طرف:
“للمدينة!”
ارتفعت آلاف الأصوات خلفه في لحظة واحدة:
“للمدينة!!”
اهتزّت الأرض تحت الأقدام المتحركة في كل اتجاه.
قبضت على سلاحي.
وشعرت للمرة الأولى بالإرادة تتدفق داخل مساراتي الجديدة بطريقة مختلفة كلياً عما كنت أعرفه. كأن القنوات التي كانت ضيّقة اتسعت. كأن الطريق الذي كان يتسرب منه الجهد صار يحتفظ به.
نظرت إلى أمامي.
إلى البحر الداكن المندفع نحونا.
وقلت لنفسي بهدوء:
‘المعركة الكبرى قد بدأت.’
ولم يعد هناك أي طريق للعودة.