الفصل 169 - نور سيرال
في اللحظة التي لمست فيها آخر خيوط الإرادة داخل المسارات…
انفجر شيء ما داخل عقلي.
لم يكن ألماً. ولم يكن شعوراً جسدياً. كان أشبه بانهيار سد ضخم احتجز خلفه محيطاً من الذكريات، ثم قرّر في لحظة واحدة أن يُفرغ كل شيء في وقت واحد.
ظهرت الصور أمامي دون توقف.
وجوه. مدن. نجوم. حروب. أصوات لا حصر لها، صرخات وضحكات وولادات وموت. مشاهد لا يمكن لعقل بشري استيعابها. عشرات السنين، ثم مئات السنين، ثم ما تجاوز كل ذلك بما لم أعد أستطيع قياسه.
كأن شخصاً ما حشر حياة كاملة داخل رأسي. ثم حياة أخرى. ثم آلاف الحيوات فوق بعضها في آنٍ واحد.
لم أعد أعرف أين أنا ولا من أنا ولا حتى ما هو الواقع. كل ما كنت أراه تلك الذكريات المتدفقة بلا نهاية.
ومع ذلك، واصلت إرادتي التحرك. واصلت المسارات الاكتمال واحداً تلو الآخر. كأن جزءاً مني يعمل بصورة مستقلة عن وعيي المتهاوي.
ثم سمعته.
“دارون!”
صوت سكارليت.
“أيها الفتى!”
هاروك.
وكمن انتُشل من أعماق البحر فجأة، فتحت عيني بعنف وشهقت بقوة. تدفقت أنفاسي بشكل متقطع هستيري وجسدي بأكمله مغطى بالعرق وقلبي يضرب صدري كأنه يريد الخروج.
حدّقت حولي بتشوّش.
السماء. السور. الجنود. المدينة. كل شيء عاد إلى مكانه.
رفعت يدي نحو رأسي وحاولت تذكر ما رأيته. لكنه كان يتلاشى بسرعة مخيفة. كلما حاولت الإمساك بذكرى اختفت، وكلما اقتربت من استعادتها ضاعت أكثر.
بعد دقائق لم يتبقَّ شيء. فقط إحساس غامض وصداع خفيف وشعور غير مريح بأنني فقدت شيئاً مهماً للغاية.
“هل أنت بخير؟”
سألت سكارليت بقلق حقيقي.
أومأت ببطء:
“أعتقد ذلك.”
وقفت على قدميّ بصعوبة. ثم شعرت بشيء مختلف. شيء داخل جسدي. أغمضت عيني للحظة وتفقّدت وعائي ومساراتي.
وتجمّدت.
اكتملت. كلها.
المسارات التي يحتاج معظم المقاتلين شهوراً وربما سنوات لإنشائها، أصبحت مكتملة بالكامل. من العمود الفقري إلى الأطراف إلى أصغر التفرعات.
وصلت أخيراً إلى الخطوة الأولى من التحكم المتقدم.
كان ينبغي أن أشعر بشيء. فرحاً أو فخراً أو أي شيء يليق بلحظة كهذه.
لكن أصوات الأبواق الحربية كانت تدوي في كل مكان.
فتحت عيني ونظرت نحو السهول.
على امتداد الأفق، كبحر داكن لا نهاية له، كان جيش الطاعون يقف هناك. عشرات الآلاف ثم مئات الآلاف. أعداد كبيرة لدرجة أن العين تعجز عن تقديرها.
أمام أسوار المدينة وقف خبراء عائلة سيرال الثلاثة، أدريان وغارث وإيلينا، جنباً إلى جنب كأنهم الجدار الأخير بين المدينة والفناء.
ثم لاحظت شخصاً يتحرك من صفوفنا.
امرأة.
ترتدي رداءً أبيض بسيطاً، وشريط أسود يغطي عينيها. لم تكن تحمل درعاً ولا تبدو مقاتلة. ومع ذلك كان الجنود يُفسحون لها الطريق بصمت واحترام، صمت من يعلم ما يشهد ولا يُريد أن يزعجه بأي صوت.
التفتّ نحو هاروك:
“من هذه؟ كاهنة؟ وما الذي تفعله في مقدمة الجيش؟”
نظر هاروك نحوها للحظات. ثم أخرج سيجارة جديدة وأشعلها بهدوء.
“دارون.”
قالها بصوت منخفض:
“أنت تعلم أنه من المستحيل علينا الانتصار على جيش بهذا الحجم، صحيح؟”
لم أُجب. لأنني كنت أعلم.
“لذلك سنُقلّص أعدادهم أولاً.”
قطّبت حاجبيّ:
“كيف؟”
تنهّد:
“بواسطة أثر. أحد أعظم كنوز عائلة سيرال. رمز العائلة وإرث توارثته الأجيال.”
أشار نحو الكاهنة:
“والشخصان الوحيدان المسموح لهما باستخدامه هما رب الأسرة… وحاملة النور.”
نظرت مجدداً نحو المرأة.
كانت تسير بهدوء تام. لا خوف ولا تردد. فقط ذلك الهدوء الغريب الذي يحمله من قبل مصيره منذ وقت طويل.
في يدها ظهر خنجر فريد. صُنع مقبضه من الذهب والفضة معاً وتوسّط نصله رمز شمس متألقة.
واصلت السير. مرّت بجوار خبراء المستوى الرابع ثم تجاوزتهم وواصلت التقدم حتى لم يبقَ بينها وبين جيش الطاعون سوى السهل المفتوح.
توقفت.
وساد صمت غريب. حتى الرياح خفتت كأن العالم كله توقف عن التنفس لحظة واحدة ينتظر فيها ما سيحدث.
رفعت الكاهنة الخنجر نحو السماء. وكان صوتها حين تكلّمت واضحاً بصورة لا يُفسّرها البُعد ولا الرياح. وصل إلى كل جندي وكل مقاتل وكل شخص فوق الأسوار كأنه يصل مباشرة إلى الأذن لا إليها:
“أنا حاملة نور سيرال.”
ساد الصمت.
“كاهنة حملت على عاتقها أرواح الأبرياء.”
ارتفعت نبرتها قليلاً:
“عشت حياتي مكرّسةً لخدمة الحق.”
ثم أغمضت عينيها المغطيّتين بالشريط الأسود.
“واليوم…”
ابتسمت. ابتسامة هادئة مطمئنة لا يحمل فيها أي خوف.
“أدفع حياتي ثمناً لنور الأمل.”
بدأ الضوء يظهر حولها.
ذهبي. نقي. لم يكن ضوء شمعة ولا ضوء مشعل. كان ضوءاً ينبع من شيء أعمق من المادة.
“فلتشرق شمس العدالة.”
ازداد الضوء. تحوّلت حولها هالة باتت تُضيء السهل بأكمله.
“وليمنحنا نورها…”
تحوّلت المرأة إلى شمس صغيرة تقف على الأرض.
“راحة الغد.”
ثم همست بصوت لم يكن يُسمع وكان مع ذلك يصل:
“وأمل المستقبل.”
وفي اللحظة التالية، انفجر النور.
لم يكن انفجاراً عادياً. لم يكن له صوت. ولا حرارة. ولا ضغط يُشعر به. فقط نور. نور هائل غمر العالم بأكمله، غطى السهول والسماء والجيش والمدينة وكل شيء.
أغمض الجميع أعينهم. حتى أنا.
وبقي النور لثوانٍ بدت أطول من حقيقتها.
ثم اختفى.
فتحت عيني ببطء.
وشعرت بأن أنفاسي توقفت.
لأن المشهد أمامي كان مختلفاً.
الكاهنة اختفت. لم يبقَ منها أثر. لا خنجر ولا رداء أبيض ولا أي دليل على أن شخصاً وقف هناك قبل لحظات.
وكذلك اختفى جزء هائل من جيش الطاعون.
فجوة ضخمة امتدت وسط البحر الداكن. فراغ هائل كأن يداً عملاقة محت قطعة كاملة من العالم. مئتا ألف. ربما أكثر. اختفوا تماماً. لا جثث ولا دماء ولا بقايا. فقط الفراغ ذاته.
وقفت مذهولاً، غير قادر على استيعاب ما حدث.
ثم التفتّ نحو هاروك.
كانت عيناه مثبّتتين على المكان الذي وقفت فيه الكاهنة.
وأجاب بصوت هادئ يحمل احتراماً عميقاً لا تصنّع فيه:
“إنه أثر سيرال.”
تناثر الدخان من فمه مع كلماته الأخيرة:
“هجوم شامل مقابل تضحية نبيلة.”
صمت للحظة ثم أضاف:
“استخدام واحد فقط.”
أعاد نظره إلى السهل. إلى المكان الذي اختفت فيه. وظهرت على وجهه ابتسامة حزينة لا تُشبه أي ابتسامة رأيتها على وجهه من قبل:
“لكن…”
أخذ نفساً طويلاً:
“على الأقل… ستبقى حاضرة في قلوبنا.”
ولأول مرة منذ وصول جيش الطاعون، ساد الصمت في صفوف العدو.
كأن حتى ذلك الجيش اللامتناهي الذي لا يعرف خوفاً ولا تردداً، قد صُدم مما رآه.
وفوق الأسوار، لم يتكلم أحد.
كانت التضحية أكبر من أي كلمات.