الفصل 168 - المسارات المنسية
وقفت أنا وهاروك فوق سور المدينة.
كانت الرياح الباردة تعصف بعباءات الجنود الواقفين على امتداد الأسوار، بينما امتدت السهول المظلمة أمامنا حتى الأفق البعيد. هناك، في مكان ما وسط ذلك الظلام، كان نصف مليون تابع يتقدمون نحونا.
مجرد التفكير في الرقم كان كافياً لإثارة القشعريرة. حتى الجيوش الإمبراطورية نادراً ما حشدت هذا العدد في معركة واحدة. أما نحن، فكنا مجرد مدينة حدودية تستعد لاستقبال كارثة.
تنهّدت وأنا أراقب الأفق، ثم التفتّ نحو هاروك. كان مستنداً إلى الحاجز الحجري ويُدخّن بصمت، وضوء المشاعل يتراقص فوق وجهه المتعب.
ترددت قليلاً قبل أن أسأل:
“أنت متحكم شامل، صحيح؟”
نظر إليّ بطرف عينه:
“صحيح.”
أكملت مباشرة:
“هل تعرف طريقة بلوغ التحكم المتقدم؟”
ارتفع حاجبه، ثم انفجر ضاحكاً:
“هووو؟”
أخرج سحابة من الدخان:
“لديك حماس الشباب فعلاً.”
هززت كتفيّ بلا مبالاة. تنهّد وأطفأ سيجارته فوق الحائط:
“حسناً.”
صمت لثوانٍ يُرتّب أفكاره، ثم بدأ الشرح:
“المتحكم الأولي يمتلك الوعاء.”
أومأت. كنت أعرف هذا. الوعاء هو مركز الإرادة، النقطة التي تتجمّع فيها الإرادة داخل الجسد.
“أما المتحكم المتقدم، فعليه إنشاء مسارات. مسارات تسمح للإرادة بالتحرك بحرية داخل الجسد، كالشرايين بالنسبة للدم.”
بدأ اهتمامي يزداد.
“تمتد هذه المسارات عبر الجسم بأكمله. العظام، الجهاز العصبي، المفاصل، وحتى بعض الأعضاء.”
ثم أضاف ببساطة:
“كل ما عليك فعله هو نحت هذه المسارات بإرادتك.”
رمشت:
“هذا كل شيء؟ يبدو أبسط مما توقعت.”
نظر إليّ هاروك. ثم انفجر ضاحكاً مرة أخرى:
“يا فتى… لو كان الأمر بهذه السهولة لكان نصف الإمبراطورية من المتحكمين المتقدمين.”
ابتسمت بسخرية:
“إذاً أين المشكلة؟”
اختفت الابتسامة من وجهه:
“بعد الانتهاء من المسارات، تأتي الخطوة الأصعب.”
ساد الصمت.
“تفجير الإرادة داخلها.”
تجمّدت ملامحي قليلاً.
“عليك دفع كمية هائلة من الإرادة عبر المسارات دفعة واحدة. إذا كانت المسارات غير مستقرة، فستنهار. وإذا انهارت…”
أطفأ ما تبقّى من سيجارته:
“فقد تموت.”
ساد الصمت.
“الكثير من المقاتلين قضوا بهذه الطريقة. البعض تمزّقت أجسادهم من الداخل. والبعض تحوّلوا إلى مشلولين. والبعض…”
تنهّد:
“لم يستيقظوا أبداً.”
أومأت بصمت. الآن أصبحت أفهم. هذا ليس مجرد اختراق بسيط. بل مقامرة بالحياة.
حوّلت نظري نحو السهول البعيدة:
“كم يحتاجون للوصول؟”
نظر إليّ هاروك باستغراب لا يفهم سببه، لكنه أجاب:
“إذا اندفعوا بأقصى سرعة فربما ساعتان.”
هزّ رأسه:
“لكننا سنُحاول إبطاء تقدمهم. سنُرسل فرق إزعاج، ونستخدم الحواجز، ونُغلق بعض الطرق.”
فكّر قليلاً:
“في أفضل الأحوال… ست ساعات.”
أومأت ببطء. ثم جلست فوق الحجارة الباردة، ساق فوق الأخرى، وأغلقت عينيّ:
“جيد.”
نظر إليّ هاروك:
“ماذا ستفعل؟”
ابتسمت بخفة:
“سأُحاول إنشاء المسارات خلال الساعات الست القادمة.”
شعرت بنظراته تستقر عليّ. فتحت إحدى عينيّ. كان يُحدّق بي وكأنني فقدت عقلي.
ثم ابتسم:
“يا لك من مغرور.”
ضحك بخفوت:
“أسرع شخص في تاريخ الإمبراطورية تمكّن من إنشاء مساراته احتاج ستين ساعة.”
توقفت للحظة:
“ستين ساعة؟”
أومأ:
“مبجّلنا العظيم.”
شعرت بالدهشة.
أرين نفسه؟ حتى أرين احتاج ستين ساعة؟
‘يا له من وحش.’
أغلقت عينيّ بالكامل وغصت داخل أعماق وعيي.
أعمق. وأعمق. وأعمق.
حتى اختفى كل شيء حولي. لم أعد أسمع الرياح ولا الجنود ولا المدينة. لم يبقَ سوى عالمي الداخلي.
وهناك، وجدته.
الوعاء.
ظهر أمامي ككرة هائلة من الإرادة المضغوطة. رغم حجمه الصغير نسبياً، بدا وجوده بلا حدود، كأنه نجم مضغوط داخل نقطة واحدة.
مددت يدي ولمسته.
فوراً بدأت الإرادة تتحرك، تدفقت من الوعاء نحو عمودي الفقري، وبدأت عملية النحت.
في البداية كنت حذراً، متوتراً، أتوقّع مقاومة أو ألماً.
لكن لم يحدث شيء من هذا.
انسابت الإرادة بسلاسة غريبة، وكأن الطريق موجود أصلاً.
توقفت. حاولت مجدداً. والنتيجة نفسها.
مرت الدقائق، وربما الساعات. لم أعد قادراً على التمييز.
نجحت في إنشاء أول مسار بمحاذاة عمودي الفقري. ثم الثاني. ثم الثالث. ثم العشرات.
لكن شيئاً ما كان خاطئاً. خاطئاً جداً.
فتحت عينيّ داخل عالمي الداخلي وركّزت على المسارات الجديدة.
عندها تجمّدت.
لأنني رأيت الحقيقة.
هذه لم تكن مسارات جديدة. أبداً.
كانت موجودة مسبقاً.
شعرت بقشعريرة باردة تسري في روحي. اقتربت أكثر وفحصتها بعناية.
كانت المسارات متآكلة. قديمة. باهتة. لكنها موجودة، بل وممتدة عبر كامل جسدي. تماماً كما لو أن شخصاً ما استخدمها لسنوات طويلة.
لا. لعقود ربما.
وكل ما كنت أفعله الآن هو إصلاحها. إعادة تنشيطها. إعادة فتح الطرق التي أُغلقت مع الزمن.
تسارعت نبضات قلبي.
مستحيل. هذا مستحيل. أنا لم أصل إلى التحكم المتقدم من قبل. لم أُنشئ هذه المسارات. لم أتدرب عليها.
إذاً من أين جاءت؟
بدأت أُفتّش جسدي الداخلي بإلحاح. ومع كل دقيقة تمر كنت أكتشف المزيد.
المسارات لم تكن موجودة فقط. بل كانت تُغطّي أجزاء من جسدي بطريقة مثالية، طريقة لا يصل إليها مبتدئ، طريقة شخص مارس استخدامها لزمن طويل جداً.
شعرت ببرودة حقيقية تتسلل إلى أعماقي.
ثم ظهر سؤال واحد في رأسي. سؤال جعل حتى ما يُشبه روحي يرتجف:
“لماذا…”
ابتلعت ريقي بصعوبة.
“لماذا أمتلك أصلاً مسارات متحكم متقدم؟”
وفي أعماق وعيي، لأول مرة منذ زمن طويل، شعرت وكأن الماضي نفسه بدأ يستيقظ.