الفصل 167 - أول الواصلين
تحوّلت المدينة بأكملها إلى خلية نحل مضطربة خلال أقل من ساعة.
أبراج المراقبة أُضيئت. الأجراس دُقّت. والجنود انتشروا فوق الأسوار بسرعة لم أشهد مثلها منذ وصولي إلى هذه المدينة.
توجّهت أنا وسكارليت مباشرة نحو البوابة الشرقية برفقة هاروك وبعض قادة الحرس. كان الليل قد ألقى ستاره بالكامل، ولم يكن هناك سوى ضوء المشاعل والقمر الباهت ينعكس فوق الأسوار الحجرية الضخمة.
بمجرد وصولنا إلى أعلى السور، وجدنا عشرات الجنود متجمعين حول أحد المراقبين. كان شاحب الوجه بشكل واضح. وبمجرد رؤية هاروك صاح فوراً:
“سيدي!”
أخذ هاروك المنظار من يده ونظر نحو الأفق. تغيّرت ملامحه تدريجياً. ثم أعطى المنظار إلى أدريان الذي وصل قبل دقائق.
راقب الأخير المشهد طويلاً.
دقيقة. دقيقتين. ثلاثاً.
ثم أنزل المنظار ببطء. ولأول مرة منذ لقائه شعرت أن وجهه أصبح أكثر جدية.
“كم يبعدون؟”
سأل هاروك.
“حوالي عشرين كيلومتراً.”
تبادل الجميع النظرات. كان ذلك قريباً للغاية.
أخذت المنظار بنفسي ووجهته نحو الظلام البعيد.
في البداية لم أرَ شيئاً. ثم بدأت تظهر الظلال. الكثير من الظلال. آلاف. لا، عشرات الآلاف.
شعرت بقشعريرة تمر في جسدي. كان المشهد أشبه بنهر داكن يتحرك فوق الأرض. بشر، أو ما يُشبه البشر، يتقدمون بخطوات بطيئة منتظمة. لم يكن بينهم حديث ولا فوضى ولا أصوات. مجرد صمت ثقيل، كأن شيئاً واحداً يُسيّرهم جميعاً معاً.
أنزلت المنظار ببطء:
“اللعنة…”
همست دون وعي.
وقفت سكارليت بجانبي:
“هل هم مصابون؟”
هززت رأسي:
“لا أستطيع التأكد.”
لكن شيئاً بداخلي كان يعرف. الجميع تقريباً كان يُفكّر في الشيء نفسه. هؤلاء لم يكونوا لاجئين ولا جيشاً نظامياً. كانوا شيئاً آخر.
قطع هاروك الصمت:
“أرسلوا الكشّافة.”
نظر إليه أحد الضباط بصدمة:
“الآن؟”
أومأ هاروك:
“نحتاج معلومات. إذا كانوا سيصلون خلال ساعات فلا يمكننا البقاء عُمياً.”
تحرك ثلاثة من أفضل فرسان الحرس فوراً، غادروا المدينة من بوابة جانبية صغيرة، ثم اختفوا داخل الظلام.
مرّت الساعات ببطء شديد. لم يُغادر أحد السور ولم ينم أحد. كل العيون كانت معلّقة بالأفق.
وذلك النهر الداكن كان يقترب أكثر فأكثر.
وفجأة عاد أحد الفرسان.
وحده.
اندفع عبر البوابة بسرعة، حصانه مغطى بالعرق، والفارس نفسه يبدو وكأنه رأى شيئاً لا يستطيع عقله تصنيفه. ترنّح وسقط من على حصانه قبل أن يصل الجنود إليه.
انحنى هاروك أمامه:
“أين الآخران؟”
رفع الفارس رأسه بصعوبة. كانت عيناه مليئتين بالخوف.
“ماتا…”
ساد الصمت.
“كيف؟”
سأل أدريان.
ارتجف الرجل:
“اقتربنا أكثر مما ينبغي.”
ابتلع ريقه:
“لم يكونوا أمواتاً.”
تجمّد الجميع.
أكمل بصوت مرتعش:
“كانوا أحياء. كلّهم.”
شعرت بشيء بارد يستقر في صدري.
“ماذا تقصد؟”
سأل هاروك.
“يتنفسون. يتحركون. ينظرون. لكن…”
توقف وكأنه عاجز عن إيجاد الكلمة المناسبة.
“لا توجد حياة داخل أعينهم.”
ساد الصمت.
أكمل:
“ثم رأونا.”
قبض على يديه:
“وفجأة ركضوا نحونا. جميعهم. في اللحظة نفسها.”
اتسعت أعين الجنود المحيطين به.
“عشرات الآلاف. كأنهم عقل واحد. إرادة واحدة.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. هذا أسوأ بكثير مما توقعت. لو كانوا مجرد مصابين عشوائيين لكان الأمر مفهوماً ضمن إطار معروف. لكن ما يصفه هذا الرجل أشبه بجيش يُسيطر عليه قائد واحد، وعي واحد موزّع على آلاف الأجساد.
أكمل الفارس:
“تمكنّا من الهرب.”
خفض رأسه:
“لكن ليس الجميع.”
ساد الصمت مجدداً.
ثم سأل أدريان السؤال الأهم:
“هل رأيت الطاعون؟”
هزّ الفارس رأسه:
“لا.”
لكن إجابته لم تنتهِ. رفع رأسه ببطء:
“رأيت شخصاً آخر.”
تبادلت النظرات مع سكارليت فوراً.
“من؟”
سألت.
ارتجفت شفتا الرجل:
“كان يقف فوق تلّ بعيد. يُراقبنا فقط.”
تسارعت نبضات قلبي:
“كيف كان شكله؟”
أجاب بصوت خافت:
“رجل يرتدي معطفاً رمادياً، يُحيط به رماد غريب. وشعره أسود طويل.”
تجمّدت ملامحي.
نظرت إليّ سكارليت مباشرة.
لأننا عرفنا الإجابة قبل أن ينطق بها أحد.
نول.
كان هناك. يُراقب. وينتظر. وكأنه يعلم أننا نُشاهده أيضاً.
في تلك اللحظة ارتفعت الرياح فوق الأسوار، بينما كان ذلك الجيش الهائل يُواصل تقدّمه البطيء نحو المدينة.
مدينة واحدة.
ضد عشرات الآلاف.
ورجلان يقفان خلفهم: الطاعون، ونول.
أما الأسوأ، فكان الشعور الذي بدأ يتسلل إلى داخلي رويداً رويداً.
شعور بأن هذا الجيش ليس سوى المقدمة.
وأن العدو الحقيقي لم يبدأ اللعب بعد.