الفصل 165 - الجنون
ساد الصمت داخل القاعة.
لم يكن صمتاً عادياً. كان ذلك النوع من الصمت الذي يولد حين يطرح أحدهم احتمالاً مرعباً لدرجة أن الجميع يخشون الاعتراف بإمكانية صحته.
“حوّلهم إلى أتباعه…”
ترددت كلماتي في القاعة لثوانٍ بدت أطول من حقيقتها.
بقي الجميع صامتين. حتى هاروك، الذي اعتاد التعامل مع الأزمات بكل أشكالها، بدا عاجزاً عن الرد.
أما خبراء عائلة سيرال الثلاثة فكانت ردود أفعالهم أكثر إثارة للملاحظة.
أدريان لم يتكلم. بدأ يطرق الطاولة بإصبعه ببطء، إيقاع منتظم يبدو وكأنه يُساعده على التفكير. إيلينا كانت تُحدّق في الخرائط أمامها دون أن ترمش، كأن عينيها توقفتا عن أداء وظيفتهما الطبيعية. وغارث بقي واقفاً مكانه، وكأن فكرة واحدة فقط تدور داخل رأسه دون توقف.
بعد ما يقارب الدقيقة، تحدّث أدريان أخيراً:
“كم عدد سكان المدن الثلاث؟”
أجاب هاروك فوراً:
“ما بين مئة وخمسين ألفاً إلى مئتي ألف لكل مدينة.”
تبادل الخبراء النظرات.
قالت إيلينا:
“أي أننا نتحدث عن أكثر من نصف مليون شخص.”
شعرت بثقل الرقم.
خمسمئة ألف.
حتى لو كان واحد بالمئة منهم فقط يمتلكون قدرة قتالية، فهذا يعني آلاف المقاتلين. أما لو تحوّل الجميع، فالأمر سيكون كابوساً لا يُشبه أي شيء واجهناه من قبل.
قال غارث بصوت منخفض:
“إذا كانت فرضيتك صحيحة…”
نظر نحوي:
“فنحن لا نواجه شخصاً واحداً.”
أومأت ببطء:
“بل جيشاً.”
أجاب:
“جيشاً لا يحتاج إلى الطعام. ولا الرواتب. ولا الراحة. ولا يعرف الخوف.”
ازدادت ملامح الجميع قتامة.
لكن أدريان رفع يده فجأة:
“هناك مشكلة.”
التفت الجميع إليه.
“ما زلنا لا نملك دليلاً.”
أشار إلى الخرائط:
“نعم، اختفاء الجثث مريب. ونعم، فرضية الأتباع ممكنة. لكنها تبقى مجرد فرضية.”
تنهّد هاروك:
“للأسف هو محق.”
شعرت بالإحباط قليلاً. فكرتي كانت منطقية. لكن المنطق وحده لا يكفي لاتخاذ قرارات عسكرية بهذا الحجم.
وفجأة تكلمت إيلينا:
“لدينا طريقة للتأكد.”
التفتت الأنظار إليها.
“نُرسل فريق استطلاع.”
قطّب غارث حاجبيه:
“إلى إحدى المدن؟”
أومأت:
“نحتاج رؤية ما حدث بأعيننا.”
صمتت قليلاً ثم أضافت:
“لأنني أشعر أن هناك شيئاً لا تُخبرنا به التقارير.”
رفع أدريان رأسه:
“وأنا أيضاً.”
نظر إلى إحدى الخرائط:
“هناك أمر غريب.”
اقتربنا جميعاً.
أشار إلى مواقع المدن الثلاث:
“انظروا.”
ضيّقت عينيّ. في البداية لم ألاحظ شيئاً. لكن بعد ثوانٍ، فهمت.
المدن الثلاث لم تكن موزعة عشوائياً.
بل شكّلت مثلثاً ضخماً على الخريطة.
تجمّدت ملامحي:
“هذا…”
أومأ أدريان:
“تماماً.”
تدخّلت سكارليت لأول مرة منذ بداية الاجتماع:
“هل تعتقدون أن الأمر متعمد؟”
أجاب أدريان فوراً:
“بلا شك. أي شخص يُسيطر على ثلاث مدن بهذا الشكل لا يفعل ذلك صدفة.”
أصبحت القاعة أكثر توتراً.
قال هاروك:
“إذن لديه هدف.”
“على الأرجح.”
أجاب أدريان. ثم أضاف:
“والأسوأ من ذلك… أننا لا نعرف ماهية هذا الهدف.”
بدأت أشعر بأن الصورة تزداد سوءاً كلما حصلنا على معلومات أكثر. في البداية كان هناك عدو مجهول. ثم أصبح الطاعون. ثم اكتشفنا وجود نول. ثم احتمال وجود جيش. والآن هناك خطة أكبر تتحرك في الخفاء.
فجأة قطع دارون صمته داخل رأسي.
‘هناك شيء آخر.’
قطّبت حاجبيّ.
‘ماذا؟’
جاء صوته هادئاً:
‘لو كان الطاعون قادراً على تدمير المدن بسهولة، فلماذا توقف عند ثلاث مدن فقط؟’
تجمّدت.
لأن السؤال كان منطقياً بشكل مرعب.
لو كان يملك فعلاً قوة تسمح له بالسيطرة على مئات الآلاف من البشر، فلماذا لم يهاجم العاصمة؟ لماذا لم يجتح الحدود بأكملها؟ لماذا ينتظر؟
شعرت بقشعريرة تمر في ظهري. كأنني اقتربت من إجابة لا أريد معرفتها.
قال دارون:
‘لأنه ما زال يجمع شيئاً.’
‘أو ينتظر شيئاً.’
قبل أن أتمكن من التفكير أكثر، دخل أحد الحراس مسرعاً، يلهث بشدة.
“سيدي!”
وقف هاروك فوراً:
“ماذا حدث؟”
“وصل رسول من عائلة سيرال الرئيسية.”
قطّب أدريان حاجبيه:
“من العاصمة؟”
“نعم.”
تغيّرت ملامح الحارس وكأنه لا يعرف كيف ينقل ما لديه:
“رب الأسرة قرأ التقارير.”
ساد الصمت.
“وأصدر أوامره.”
شعرت بالجميع يتوترون. حتى خبراء المستوى الرابع.
قال الحارس أخيراً:
“سيصل إلى هنا شخصياً.”
تجمّدت القاعة بالكامل.
شهقت سكارليت بخفوت.
نهض غارث فجأة. حتى أدريان الهادئ تغيّرت ملامحه.
همست إيلينا:
“لهذه الدرجة؟”
أجاب هاروك بصوت خافت:
“رب أسرة سيرال لم يغادر العاصمة منذ أكثر من سبع سنوات.”
نظر إلى الجميع:
“إذا قرر التحرك بنفسه…”
توقف قليلاً.
“فهذا يعني أن الوضع أخطر مما كنا نعتقد.”
وفي تلك اللحظة شعرت لأول مرة أن الفصل الجديد من هذه الحرب قد بدأ فعلاً.
لأن اللاعبين الحقيقيين بدأوا يدخلون إلى المسرح.