الفصل 164 - الكارثة الوشيكة
ساد التوتر أرجاء المدينة منذ وصول الخبر.
ثلاث مدن.
ثلاث مدن كاملة اختفت من الوجود دون أن تترك خلفها جثة واحدة أو ناجياً واحداً. حتى الجنود الذين اعتادوا رؤية الموت في ساحات المعارك، أولئك الذين لا يُفترض أن يُربكهم شيء بعد كل ما رأوه، كانوا يتناقلون الشائعات فيما بينهم بأصوات منخفضة وعيون لا تستقر.
أما داخل قاعة الاجتماعات الرئيسية التابعة لعائلة سيرال، فكان الجو أثقل من أي مكان آخر في المدينة.
جلسنا، أنا وسكارليت وهاروك، حول طاولة مستديرة ضخمة من خشب أسود نادر تلمع تحت الضوء بصقل العمر. ووقف عشرات الحراس حول القاعة في حالة تأهب قصوى، أيديهم على أسلحتهم بشكل لا إرادي رغم أنه لا عدو في الغرفة سوى الأخبار نفسها.
لم يطل الانتظار.
فُتح الباب.
ودخل الثلاثة.
شعرت بالضغط فوراً.
لم يكن ضغطاً متعمداً، لم يكن أحدهم يُحاول إرهاب الغرفة. كان مجرد نتيجة طبيعية لما يحملونه. ثلاثة خبراء من المستوى الرابع في مكان واحد، ثلاثة كانوا ليُعتبروا في أي مكان آخر من العالم شخصيات أسطورية يُروى عنها لا يُجلس معها.
تقدم أولهم.
رجل طويل القامة، شعره فضي قصير مشذّب بدقة، وعيناه حادتان كحدّ السيف. كانت هالته باردة بطريقة جعلت المكان يبدو أكثر صمتاً، كأن وجوده وحده يسحب الحرارة من الهواء حوله. درعه خفيف لكنه فاخر، تفاصيله دقيقة تكشف صنعة لا تُتاح لكل مقاتل.
“أدريان سيرال.”
تبعه رجل ضخم البنية. كان جسده يكاد يُمزّق قميصه من اتساع كتفيه وضخامة ساعديه. شعره بني داكن ولحيته القصيرة مرتبة بعناية تُناقض ضخامته الجسدية. ورغم هيئته المخيفة، كانت عيناه هادئتين بشكل لا يتناسب مع الانطباع الأول.
“غارث سيرال.”
ثم الأخيرة.
امرأة في أواخر ثلاثينياتها. شعرها الأسود الطويل ينسدل خلف ظهرها بانسيابية، وعيناها الرماديتان تمسحان الغرفة بدقة تُحصي كل تفصيل. لم تحمل سلاحاً ظاهراً. لكن وجودها وحده كان كافياً ليجعل معظم المقاتلين في الغرفة يشعرون بشيء قريب من التوتر.
“إيلينا سيرال.”
جلس الثلاثة دون إضاعة الوقت في المجاملات.
كان واضحاً أنهم تلقّوا تقريراً أولياً قبل دخولهم. بدأ أدريان الحديث مباشرة:
“لن نُضيع الوقت بالمجاملات.”
وضع عدة أوراق فوق الطاولة بحركة منهجية:
“درسنا التقارير القادمة من المدن الثلاث.”
تغيّرت ملامحه قليلاً، تضييق طفيف في العينين:
“والنتائج… سيئة.”
صمت الجميع.
تابع غارث بصوته العميق:
“في البداية اعتقدنا أن المدن تعرّضت لهجوم مباشر.”
أشار إلى إحدى الخرائط المنتشرة فوق الطاولة:
“لكن حجم الدمار لا يدعم هذه الفرضية.”
قطّبت حاجبيّ:
“ماذا تقصد؟”
أجاب أدريان:
“لو هاجم الطاعون المدينة بالقوة وحدها، لوجدنا آثار مقاومة. مبانٍ منهارة. معارك. جثث. آثار هروب.”
هزّ رأسه:
“لكننا لم نجد شيئاً.”
تدخّلت إيلينا لأول مرة. صوتها كان هادئاً بشكل مخيف:
“الأمر أشبه بمدينة نامت ذات ليلة…”
توقفت.
“ثم اختفى سكانها جميعاً في الصباح.”
شعرت بقشعريرة تمر في ظهري.
سأل هاروك:
“إذاً كيف حدث الأمر؟”
تبادل خبراء سيرال نظرات قصيرة.
ثم قال غارث:
“توصّلنا إلى عدة استنتاجات.”
رفع إصبعاً واحداً:
“أولاً. الطاعون لم يعمل وحده.”
ساد الصمت.
أكمل:
“تنفيذ عملية بهذا الحجم في ثلاث مدن مختلفة خلال فترة قصيرة شبه مستحيل لشخص واحد. حتى لو كان في المستوى الخامس.”
أومأ أدريان موافقاً:
“شخص ما ساعده. أو ربما منظمة كاملة.”
شعرت باسم نول يمرّ في رأسي مجدداً. لكنني لم أتحدث.
رفع أدريان إصبعاً ثانياً:
“ثانياً. أصيبت المدن بالمرض قبل سقوطها.”
تجمّدت أنظار الجميع عليه.
“نحن لا نتحدث عن انتشار طبيعي. بل انتشار مخطّط له مسبقاً.”
فتح خريطة مليئة بعلامات حمراء متناثرة كأنها بقع دم على ورق أبيض:
“حسب التقديرات، كان المرض موجوداً داخل المدن منذ أسابيع.”
اتسعت عينا هاروك:
“أسابيع؟!”
أومأت إيلينا:
“نعم. عندما بدأ الهجوم الفعلي كانت الغالبية العظمى من السكان مصابة بالفعل.”
أكمل أدريان:
“بمعنى آخر، المدينة كانت ميتة قبل أن تُدرك ذلك.”
ساد الصمت داخل القاعة.
شعرت بالصورة تتشكّل ببطء قاسٍ.
الطاعون لم يكن يهاجم المدن. كان يزرع الموت داخلها أولاً، يتركه يعمل بصمت أسابيع، ثم يحصد النتائج لاحقاً حين يحين الوقت المناسب.
رفع غارث إصبعاً ثالثاً:
“أما الاستنتاج الأخير…”
ولأول مرة بدت الجدية على وجهه بثقل لا يُخطئه أحد:
“فهو الأكثر رعباً.”
شعرت بالجميع يتوترون. حتى سكارليت التي بقيت صامتة طوال الاجتماع.
قال غارث ببطء:
“لا توجد جثث.”
لم يتكلم أحد.
أكمل:
“لا توجد مقابر جماعية. لا توجد بقايا. لا توجد عظام. لا توجد آثار حرق.”
“لا شيء.”
بدأت إيلينا تُقلّب بعض الأوراق:
“بحثنا عن كل الاحتمالات.”
عدّت على أصابعها بحركات سريعة دقيقة:
“هل التهمت الوحوش الجثث؟ مستحيل. هل تم إحراقها؟ لا توجد آثار. هل نُقلت؟ يتطلب ذلك جيشاً كاملاً.”
رفعت نظرها نحونا. ولأول مرة منذ دخولها ظهر التوتر على وجهها بوضوح:
“لا نستطيع تفسير اختفائها.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل حتى بدا الهواء نفسه قد توقف عن الحركة.
بدأ الجميع يغرق في أفكاره الخاصة. هاروك. سكارليت. خبراء سيرال الثلاثة. وأنا.
كنت أُحاول إيجاد تفسير منطقي. أي تفسير. لكن كل الاحتمالات التي تمر بذهني بدت مستحيلة، واحدة تلو الأخرى تُلقى جانباً لأنها لا تُفسّر الغياب الكامل.
ثم…
تذكّرت شيئاً.
التجارب.
الأطفال.
حديث هاروك عن العينة الثالثة عشرة.
الطاعون.
الكائن الذي صُنع لتجاوز حدود البشر.
وفجأة شعرت بقشعريرة باردة تعبر جسدي بأكمله.
رفعت رأسي ببطء:
“انتظروا…”
التفت الجميع نحوي. حتى خبراء المستوى الرابع.
شعرت بقلبي يبدأ بالنبض بقوة غير معتادة. كلما فكّرت في الأمر أكثر، أصبح الاحتمال أكثر منطقية. وأكثر رعباً في نفس الوقت.
“هل…”
خرج صوتي خافتاً:
“هل يُعقل أن سبب عدم وجود الجثث…”
ساد الصمت.
كنت أرى التوتر يتسلل إلى الوجوه حولي تدريجياً، وجهاً بعد وجه، كأن كل واحد منهم يرى نفس الطريق الذي أمشي فيه ويخاف من الوصول إلى نهايته.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
ثم قلت أخيراً:
“أن الطاعون لم يقتلهم أصلاً؟”
تجمّدت القاعة بالكامل.
اتسعت عينا سكارليت.
بدا هاروك وكأنه لم يفهم قصدي بعد، عيناه تنتقلان بيني وبين الآخرين بحثاً عن تفسير.
أكملت بصوت أثقل من السابق:
“ماذا لو حوّلهم إلى أتباعه؟”
في تلك اللحظة اختفى اللون من وجه إيلينا.
تصلّبت ملامح أدريان.
أما غارث فنهض من مقعده دفعة واحدة، والكرسي خلفه ارتطم بالأرض بصوت حاد.
ولأول مرة منذ بداية الاجتماع، بدا الخوف على وجوه خبراء المستوى الرابع.
ليس قلقاً مهنياً. خوفاً حقيقياً.
شعرت بمعدتي تنقبض. لأنني أدركت شيئاً مرعباً يكتمل أمامي قطعة قطعة.
إذا كان هذا صحيحاً، فإن المدن الثلاث لم تختفِ.
تحوّلت.
إلى جيش.
جيش يضم مئات الآلاف. جيش لا يشعر بالتعب، ولا بالخوف، ولا بالألم. جيش لا يحتاج إلى أن يأكل أو ينام أو يتراجع.
رفعت نظري نحو الجميع.
ثم قلت الكلمات التي جعلت الصمت أكثر رعباً من أي صراخ:
“إذا كان الأمر كذلك…”
توقفت للحظة، والكلمة التالية كانت تحمل ثقلاً لا يحمله أي شيء قلته من قبل في هذه الغرفة:
“فنحن لا نواجه كارثة.”
شعرت بقلبي يهبط إلى أعماق صدري.
“نحن على وشك مواجهة حرب شاملة.”