الفصل 163 - بداية الكارثة
جلسنا لعدة دقائق في صمت مطبق.
لم يتحدث أحد.
حتى هاروك، الذي كان قبل لحظات يروي ما رواه، بدا وكأنه استنزف جزءاً من شيء داخله لا يُستعاد بسهولة. كانت يداه لا تزالان فوق الطاولة، لكنهما لم تتحركا. كأن قول القصة بصوت عالٍ بعد عشرين عاماً من حملها صامتة كان له ثمن جسدي لا يقل عن الثمن النفسي.
وأنا.
كنت أُحاول استيعاب كم هائل من المعلومات أُلقي عليّ دفعة واحدة.
حضارة النجوم.
الإكسير.
التجارب على البشر.
الأطفال الذين ماتوا في المختبرات.
والطاعون.
العينة الثالثة عشرة. الكائن الذي نجح فيما فشل فيه المئات.
كلما حاولت ترتيب الأفكار في رأسي ازداد الأمر تعقيداً، كأن كل قطعة معلومة تجلب معها سؤالاً جديداً قبل أن تُغلق ما كان يجب أن تُغلقه.
حتى دارون التزم الصمت بشكل غير معتاد. كأنه هو الآخر يُحاول إعادة تجميع الصورة الكاملة من قطع لا تزال منثورة.
مرت دقائق قبل أن أكسر الصمت.
“إذاً…”
خرج صوتي أجشّ قليلاً:
“أنت تقول إن عدونا هو الطاعون.”
رفعت نظري نحو هاروك:
“هل لديك تقدير لمستوى قوته؟”
ساد الصمت للحظة. بدا السؤال أثقل مما توقعت أن يكون.
تنهّد هاروك طويلاً:
“لا أملك رقماً دقيقاً.”
توقف قليلاً.
“لكن بناءً على المعلومات التي جمعناها خلال السنوات الماضية…”
أصبحت ملامحه أكثر قتامة:
“فهو على الأرجح في ذروة المستوى الرابع.”
شعرت بمعدتي تنقبض.
لكنه لم ينتهِ.
“بل…”
صمت لثانية.
“من المحتمل أنه تجاوز ذلك بالفعل وبلغ عتبة المستوى الخامس.”
ساد الصمت داخل المكتب.
هذه المرة كان مختلفاً. ثقيلاً وخانقاً، صمت من يُدرك أن خصمه قد يكون أقوى مما يستطيع التعامل معه بكل ما يملك.
التفتّ نحو سكارليت.
كانت نظراتها متجمدة، ويداها قد انقبضتا فوق ذراعَي الكرسي دون أن تشعر.
عدت بنظري نحو هاروك:
“إذا كان الأمر كذلك…”
أخذت نفساً عميقاً:
“فالوضع أسوأ بكثير مما توقعناه.”
قطّب حاجبيه:
“ماذا تقصد؟”
أطلقت زفرة طويلة:
“هناك أمر آخر عليك معرفته.”
ظهر التردد على وجهه فوراً.
تابعت مباشرة:
“الطاعون ليس وحده.”
تجمّدت ملامح هاروك.
“هناك شخص متحالف معه.”
بدأ القلق يظهر تدريجياً في عينيه:
“من؟”
أجبته بهدوء:
“شخص أعرفه جيداً.”
توقفت للحظة. ثم قلت الاسم الذي جعل الهواء في الغرفة يثقل فجأة:
“سيد الرماد.”
ارتجف حاجبا هاروك.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت مع الكلمة التالية:
“أو بالأحرى… نول.”
نهض هاروك فجأة حتى اصطدم كرسيه بالحائط خلفه.
“ماذا؟!”
كان صوته أعلى مما ينبغي:
“هل تقول إن هناك شخصاً آخر في قمة المستوى الرابع؟!”
حتى سكارليت بدت متفاجئة من ردة فعله العنيفة.
اكتفيت بالتنهّد:
“اهدأ.”
نظر إليّ وكأنه غير قادر على تصديق ما سمعه.
أكملت ببرود:
“إثارة الذعر لن تُفيدنا بشيء.”
أشرت إلى الكرسي خلفه:
“اجلس.”
ظل واقفاً لثوانٍ طويلة. ثم أجبر نفسه أخيراً على الجلوس. كان واضحاً أنه يُحاول استعادة رباطة جأشه قطعةً قطعة.
قلت بهدوء:
“أنت قائد الحرس يا هاروك. إذا كنت ستفقد أعصابك كلما سمعت خبراً سيئاً فلن يثق بك أحد.”
ظهرت ابتسامة مريرة على وجهه. مرّر يده فوق عينيه بإرهاق:
“ربما أنت محق.”
تنهّد بعمق:
“لكن هذه الأخبار كارثية.”
ساد الصمت مجدداً.
ثم قال:
“إذا كان الطاعون موجوداً فعلاً، وإذا كان نول يقف إلى جانبه…”
هزّ رأسه ببطء:
“فالقوة الموجودة داخل هذه المدينة لن تكون كافية.”
أخذ ورقة من فوق مكتبه بسرعة:
“علينا التواصل مع عائلة سيرال فوراً.”
قالها دون تردد:
“سنحتاج إلى خبرائهم الثلاثة من المستوى الرابع.”
ثم أضاف بعد لحظة:
“وربما…”
توقفت يده فوق الورقة.
“ربما يتدخل رب الأسرة بنفسه.”
رفعت سكارليت رأسها عند سماع هذا.
سألته:
“هل هو قوي لهذه الدرجة؟”
أومأ هاروك ببطء.
“رب أسرة سيرال…”
ظهرت في عينيه لمعة احترام لا تُخطئها:
“يُصنّف في بداية المستوى الخامس.”
ساد الصمت.
لكن هذه المرة لم يكن صمت الخوف. كان صمت الترقّب.
لأن الجميع أدرك شيئاً واحداً في نفس اللحظة: إذا اضطر شخص بمكانة رب أسرة سيرال إلى التدخل شخصياً، فهذا لا يعني أزمة عابرة. يعني كارثة قادرة على إعادة رسم مصير المنطقة بأكملها.
وفجأة…
دوّى صوت انفجار هائل في مكان بعيد.
اهتزت نوافذ المكتب بعنف، وزجاجها كاد ينفصل عن إطاراته من قوة الموجة. تبع الانفجار هدير، أشبه بزئير وحش عملاق، عميق ومُمتد بطريقة لا تُشبه أصوات المدينة المعتادة.
نهضنا جميعاً في اللحظة نفسها.
“ما هذا؟!”
صرخت سكارليت.
قبل أن يُجيب أحد، اندفع حارس إلى داخل المكتب.
كان وجهه شاحباً وأنفاسه متقطعة بسرعة من ركض بأقصى ما يستطيعه جسده.
“سيدي!”
تجمّدت عيناه حين رأى الجميع ينظرون إليه دفعة واحدة. ثم قال بصوت مرتجف:
“وصلت رسالة طارئة من العاصمة.”
قطّب هاروك حاجبيه:
“ماذا حدث؟”
ابتلع الحارس ريقه بصعوبة.
ثم نطق بالكلمات التي غيّرت كل شيء:
“لقد اختفت ثلاث مدن حدودية بالكامل.”
ساد الصمت.
“ماذا تقصد باختفت؟”
سأل هاروك ببطء، كأن الكلمة نفسها كانت تحتاج إلى وقت لتُهضم.
ارتجف صوت الحارس:
“لا يوجد ناجون.”
“لا يوجد سكان.”
“لا توجد جثث.”
“لا يوجد شيء.”
شحب وجه هاروك.
وشعرت بقشعريرة باردة تسري في ظهري. لم تكن قشعريرة الخوف من شيء معروف. كانت قشعريرة من شيء غامض، شيء يمحو كل دليل على وجود ما كان موجوداً، شيء لا يترك حتى الأثر الذي يسمح للأحياء بالحداد على من فقدوهم.
أكمل الحارس بصوت يكاد ينهار:
“والتقارير تُشير إلى أن شخصاً واحداً شوهد يُغادر آخر مدينة قبل ساعات من اختفائها.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل. مرعب.
ثم سأل هاروك السؤال الذي كان الجميع يعرف إجابته مسبقاً:
“من هو؟”
رفع الحارس رأسه ببطء.
وقال:
“الطاعون.”
وفي تلك اللحظة، جلستُ هناك بين هاروك المصدوم وسكارليت التي تجمّدت يداها على ذراعَي الكرسي والحارس الذي لا يزال يلهث من الركض، وأدركت شيئاً واحداً بوضوح لا يقبل الجدل.
ما كنا نواجهه حتى الآن لم يكن سوى بداية الكارثة.
أما الحرب الحقيقية…
فقد بدأت للتو.