الفصل 162 - الطاعون
تكلّم هاروك أخيراً.
لكن صوته لم يكن صوت قائد حراس معتاد على أن يُصدر أوامره ويُلقي تقاريره. كان صوت رجل يحمل فوق كتفيه شيئاً أثقل من المنصب وأقدم من الأيام الحالية. شيء رافقه لعقود ولم يستطع وضعه في مكان مريح.
كان صوته منخفضاً ومليئاً بشيء يشبه الندم.
“حدث هذا قبل أكثر من عشرين سنة…”
ساد الصمت داخل المكتب بطريقة أسكتت معها حتى الضوضاء القادمة من خارج المبنى. كأن ما سيقوله يستحق أن يُسمع دون منافسة.
خفض هاروك نظره نحو الطاولة قبل أن يكمل ببطء:
“في ذلك الوقت كانت الإمبراطورية قد بدأت بالفعل أولى مراحل انهيارها.”
قبض يده فوق الأوراق المبعثرة أمامه.
“يمكنك القول إن كل شيء بدأ بعد فقداننا… لمبجلنا.”
اتسعت عيناي قليلاً دون إرادة.
‘مبجلهم.’
شعرت بشيء ينقبض في صدري. فكرة أرادت أن تصبح كلمة لكنني أمسكتها قبل أن تخرج.
‘هل يقصد أرين؟’
لم أتكلم. لم أُقاطع. جلست وعيناي على هاروك وكل شيء فيّ يستمع.
سكارليت أيضاً بقيت صامتة لكنني رأيت التوتر يتشكّل في عينيها ببطء. كان في طريقة حديث هاروك شيء يجعل الكلمات تبدو أثقل من مجرد تاريخ قديم. كأنها تحمل أوزاناً ليست خاصة بها بل بما فعلته في الواقع.
رفع هاروك رأسه قليلاً وتابع:
“كانت الإمبراطورية في حالة مزرية. الموارد تتناقص، القوة العسكرية تضعف، والنفوذ الذي حكم القارة لقرون بدأ يتآكل ببطء.”
ابتسم ابتسامة فيها مرارة حقيقية:
“كنا مثل عملاق يحتضر واقفاً.”
تنهّد طويلاً.
“ثم ظهر الأمل.”
توقفت عيناه فوقنا للحظة كأنه يتأكد أننا ما زلنا نستمع.
“الأطباء. العلماء. الباحثون. جاؤوا إلينا بمشروع قالوا إنه لن يعيد مجد الإمبراطورية فقط، بل سيغير العالم بأسره.”
اعتدلت سكارليت في جلستها قليلاً.
قال هاروك:
“حينها… صدّقناهم.”
ثم قال الكلمة التي غيّرت جو المكتب بالكامل:
“لقد اقترحوا صنع… إكسير.”
قطّبت حاجبيّ فوراً.
“إكسير؟”
كانت الكلمة غريبة بشكل جعلني أكرّرها كأنني أختبر وزنها.
“ما هذا أصلاً؟”
التفتّ نحو سكارليت. بدت حائرة مثلي تماماً. عيناها تُعبّران عن ذلك الارتباك الصادق لمن يسمع شيئاً لأول مرة ويُحاول تصنيفه في مكان من ذاكرته فلا يجد مكاناً.
ظل هاروك صامتاً للحظات. ثم قال:
“أعتقد أنني بحاجة لشرح شيء آخر أولاً.”
رفع نظره نحونا وسأل بهدوء:
“هل تعرفان شيئاً عن الحضارات؟”
رمشت.
“حضارات؟”
قبل أن يُكمل هاروك، تحدثت سكارليت بنبرة هادئة فيها ذلك الثقل المعرفي الذي يخرج من شخص يحبّ ما يعرفه ويعرف أنه يحبّه:
“إنه يقصد العصور التي حكمت العالم قبل عصرنا.”
التفتّ نحوها وهي تبدأ بالشرح.
“الحضارة لا تعني مجرد شعب أو دولة. بل حقبة كاملة يصل فيها مجتمع ما إلى ذروة تطوره. كل حضارة تبدأ ضعيفة، تنمو تدريجياً، تبلغ قمتها، ثم تنهار في النهاية.”
رفعت عينيها نحوي:
“وعندما تسقط حضارة يولد عصر جديد فوق أنقاضها.”
أكملت:
“حضارتنا الحالية تعتبر ما تزال في بدايتها. بدأت بعد الحرب العظمى قبل خمسمائة عام. أما الحضارة السابقة فكانت تُعرف بحضارة الميكانيكا.”
ظهرت لمعة في عينيها وهي تتكلم عن هذا:
“يُقال إنهم بلغوا مستوى مرعباً من التطور التكنولوجي. آلاتهم وأسلحتهم كانت تفوق ما نراه اليوم بمئات السنين.”
ثم أكملت:
“وقبلهم جاءت حضارة السحر.”
ارتفع حاجباي.
“السحر؟”
أومأت سكارليت:
“نعم. رغم أن أغلب المؤرخين يعتقدون أن ما سمّوه بالسحر لم يكن إلا فهماً متقدماً جداً للإرادة. كل ما اكتُشف عنهم يشير إلى أنهم بلغوا مستويات خيالية في التحكم بالطاقة والإرادة.”
خفّضت صوتها قليلاً كأنها تحكي شيئاً لا تزال هي نفسها تجد صعوبة في استيعابه:
“يُقال إن بعضهم كان قادراً على تغيير الطبيعة نفسها.”
مرّت قشعريرة خفيفة في ظهري.
“حضارة الميكانيكا استمرت ما بين ألفين إلى ألفين وخمسمائة سنة تقريباً. أما حضارة السحر فأطول قليلاً، ربما ألفين وسبعمائة سنة.”
ظل هاروك يستمع بصمت حتى انتهت. ثم أومأ برأسه:
“معرفتك ممتازة حقاً.”
لكن ملامحه سرعان ما أصبحت أكثر جدية.
“ومع ذلك… هناك حضارة أقدم من كل ما ذكرتِه.”
ساد الصمت.
قال هاروك بصوت منخفض كأنه يُلفظ شيئاً يحمل وزناً مختلفاً عن الكلمات العادية:
“حضارة النجوم.”
حتى الاسم وحده كان غريباً. غامضاً. قديماً بطريقة يصعب وصفها. كأنه ينتمي إلى زمن لم تتشكّل فيه اللغة التي نستخدمها بعد.
أكمل هاروك:
“كل ما نعرفه عنها قليل جداً.”
رفع عينيه نحو السقف كأنه يُحاول رؤية زمن اندثر منذ آلاف السنين:
“لكن المؤكد أنها استمرت لأكثر من خمسة آلاف سنة.”
تباطأت أنفاسي قليلاً دون قصد.
خمسة آلاف سنة.
الرقم لا يُستوعب بسهولة. يمكن قوله لكن استيعابه حقاً، تصوّر ما يعنيه ذلك من أجيال وحروب وذكريات وأشياء ضاعت ولم يعد لها أثر، كان أمراً مختلفاً.
قال هاروك:
“بلغوا مستوى من المعرفة والتطور جعل البشر في عصرهم يعتقدون أنهم لمسوا السماء نفسها.”
ثم انخفض صوته أكثر:
“وفي تلك الحضارة… وُجد شيء يُسمى بالإكسير.”
ساد الصمت.
“لا نعرف كيف صنعوه. ولا كيف اكتشفوه. ولا حتى ماهيته الحقيقية.”
رفع نظره نحونا مباشرة. وكانت في عينيه لحظتها نبرة لا تُقال لكن تُرى:
“لكننا نعرف شيئاً واحداً.”
تصلّبت ملامحه.
“كان قادراً على تقوية البشر بشكل مرعب.”
أكمل ببطء مقصود:
“المقاتل الذي يحتاج عشرات السنين ليبلغ المستوى الرابع…”
رفع إصبعه.
“يمكن للإكسير اختصار كل ذلك إلى عشرة بالمئة فقط من الوقت.”
اتسعت عيناي.
حتى سكارليت لم تستطع هذه المرة إخفاء الذهول على وجهها. وكان ذهولها أصدق لأن سكارليت لا تُظهر ما تُريد إخفاءه عادةً.
لكن هاروك لم يبدُ سعيداً وهو يتحدث.
بل على العكس. كلما استمر بالكلام ازداد وجهه قتامة. كأن كل كلمة كانت تُقرّبه من شيء لا يريد الاقتراب منه.
تنهّد طويلاً:
“عندما سمعنا بهذا المشروع… ظننا أن العالم ابتسم لنا أخيراً.”
أطلق ضحكة قصيرة خالية تماماً من أي فرح حقيقي:
“أغرقنا العلماء بالأموال. بالسلطة. بالحماية. كل شيء طلبوه منحناه لهم.”
ثم رفع عينيه نحونا ببطء شديد:
“وكان ذلك… أكبر خطأ ارتكبناه.”
ساد صمت ثقيل.
قبض هاروك يده حتى برزت عروقها.
“لكن العلماء…”
توقفت كلماته للحظة. وكان في التوقف ذاك شيء يُشبه الاشمئزاز من ذكرى لا تطيب.
“كان لديهم مشروع آخر.”
أصبحت نبرته أبرد درجة:
“أو بتعبير أدق… تجربة أخرى.”
شعرت بأن الجو داخل المكتب أصبح خانقاً فجأة. كأن الأوراق المبعثرة والخرائط المفتوحة والضوء الباهت كلها قرّرت في نفس اللحظة أن تصمت وتستمع.
قال هاروك:
“لم يكن هدفهم صنع بشر أقوى فحسب…”
ثم رفع نظره نحونا مباشرة:
“بل خلق كائنات تتجاوز المستوى الخامس.”
تقلّصت حدقتاي فوراً.
وسمعت سكارليت تشهق بخفوت إلى جانبي.
واصل هاروك بنبرة باردة مقصودة:
“لا نعرف من الذي شجّعهم. ولا من الذي موّلهم سراً. ولا حتى كيف تمكّنوا من إخفاء الأمر كل تلك السنوات.”
أطبق فكّيه:
“لكننا نعرف شيئاً واحداً.”
ثم قالها:
“لقد أجروا التجارب على البشر.”
قشعريرة باردة تزحف في الجسد ببطء لا يُوقف.
أما هاروك فبدا وكأنه عاد بتفكيره إلى ذلك الزمن فعلاً. كأن ما يقوله لم يعد مجرد تاريخ يرويه بل ذاكرة يعيشها من جديد.
“في البداية لم نلاحظ شيئاً.”
“ثم بدأت الشائعات.”
“اختفاء أطفال.”
“تقارير مزيفة.”
“مختبرات مغلقة.”
“جنود يختفون.”
كل جملة كانت تخرج منه أثقل من سابقتها. كأنه يرفع حجارة لا ينتهي وزنها.
“لكن عندما أدركنا أن هناك خطباً ما…”
أغلق عينيه للحظة.
“كان الوقت قد فات.”
الصمت الذي تلا هذا كان من النوع الذي يجعل صوت أنفاسك مسموعاً لك.
ثم قال هاروك أخيراً بصوت خافت يشبه الاعتراف أكثر مما يشبه الرواية:
“مئات الأطفال… ماتوا أثناء التجارب.”
شعرت بشيء ينقبض في معدتي.
لكنه أكمل بلا توقف:
“البعض فقد عقله. البعض تحوّل إلى وحوش. والبعض… تمنّوا الموت.”
قبضت سكارليت يديها. شحب وجهها تدريجياً بطريقة لا تختارها بل تحدث بمفردها.
وكانت فيّ برودة غريبة تزحف داخل صدري وتجلس.
ثم قال هاروك برفع رأسه ببطء:
“لكن…”
توقفت أنفاسي.
“ثلاثة عشر طفلاً نجوا.”
ساد الصمت.
“الاثنا عشر الأوائل اعتُبروا فاشلين. عينات ناقصة.”
ثم أصبحت عيناه مظلمتين بشكل يختلف عن أي تعبير ظهر فيهما منذ دخلنا:
“لكن العينة الثالثة عشرة…”
شعرت بأن الهواء نفسه أصبح أثقل.
“كانت مختلفة.”
“مثالية.”
“ناجحة بالكامل.”
توقف هاروك.
وكان في توقفه تلك اللحظة شيء لم يكن في أي توقف سابق.
خوف حقيقي.
ليس قلقاً ولا تردداً. خوف حقيقي ظهر في عينَي رجل اعتاد أن لا يُظهره.
ثم قال بصوت بالكاد خرج من فمه:
“لقد هرب.”
ساد الصمت.
الصمت الذي يجعل قلبك يُصدر صوته لأن كل شيء آخر توقف عن إصداره.
ثم نطق هاروك بالاسم أخيراً.
ارتجفت نبرته حين قاله. ليس ارتجاف الضعف بل ارتجاف من يقول شيئاً يُدرك تمام الإدراك ما الذي يعنيه:
“اسمه الآخر…”
“الطاعون.”