الفصل 161 - العدو
كان اليوم الثاني أكثر صخباً.
ليس لأن المدينة استيقظت بحيوية جديدة، بل لأن القلق نفسه بات يمشي في شوارعها. ذلك النوع من القلق الذي لا يبقى في الصدور بل يخرج إلى الخطوات وإلى طريقة حمل الأسلحة وإلى الطريقة التي ينظر بها الجنود فوق أكتافهم وهم يمشون.
منذ ساعات الفجر الأولى لم تهدأ الحركة.
الجنود ينتشرون في كل مكان، يحملون الصناديق والأسلحة والأوامر المتضاربة. أصوات الخطوات الثقيلة تملأ الأزقة وصرير العربات لا يتوقف وصيحات القادة تتقاطع في الهواء دون أن تتفق على اتجاه واحد. كان الضجيج الناتج عن هذا كله ضجيج شيء يستعد لا ضجيج شيء يعمل، وكان الفرق واضحاً لمن أمضى وقتاً كافياً في أماكن يستعد فيها الناس لأشياء لا يريدون أن تأتي.
حتى الهواء بدا متوتراً.
الناس في الشوارع يراقبون بوجوه شاحبة ونظرات تلتقط كل تفصيلة دون أن تُصرّح بشيء. بعضهم يتهامس وبعضهم يلتزم الصمت ذلك الصمت الذي يُشعرك أن الكلام نفسه صار شيئاً يُحسب ثمنه.
استيقظت باكراً كعادتي.
غسلت وجهي بالماء البارد محاولاً طرد ما تبقّى من ثقل الليل، ثم نزلت إلى الطابق السفلي.
كانا هناك.
يوجين يلتهم طعامه بتلك الطريقة التي تجعلك تتساءل كيف يبدو العالم من زاوية من لا يزال يجد في الطعام مناسبة للحماس. وسكارليت تجلس بصمتها المعتاد، عيناها تمسحان الغرفة بتلك المسح الهادئ الدائم. مجرد النظر إليها كان كافياً لمعرفة أنها لم تنم بما يكفي.
تناولنا الإفطار وسط صمت متقطع. لم يكن هناك ما يستحق قوله. كل واحد منّا يعلم ما يعلمه والمعلومات المشتركة لا تزيد من ثقلها بقولها مرة أخرى.
نهضت سكارليت حين انتهت وعدّلت سيفها المعلق عند خصرها بحركة معتادة:
“لنذهب.”
أومأت. وألقيت نظرة نحو يوجين.
كان ينظر إلينا بتلك النظرة. نظرة الطفل الذي يتوقع أن يُدعى ويُحضّر نفسه للدعوة قبل أن تأتي.
تجاهلت النظرة وتحركت نحو الباب.
إشراك طفل في أمر كهذا لن يُفيد. وجوده سيصرف انتباهاً لا نستطيع الآن صرفه.
تركناه خلفنا.
كلما اقتربنا من مقر الحراس ازدادت الفوضى.
الحراس يدخلون ويخرجون دون توقف. وجوه متعبة وعيون حمراء من سهر أو من قلق أو من الاثنين معاً. حتى من يُفترض أن يُمثّلوا الهدوء المؤسسي بدوا وكأن شيئاً ما في الهواء كان يُضغط عليهم من الداخل.
انتظرنا. ثم سُمح لنا بالدخول إلى مكتب هاروك.
كان المكتب بحالة تكشف أنه لم يُفكّر في ترتيبه منذ الليلة الماضية. أوراق مبعثرة وخرائط مفتوحة على أكثر من مكان وعليها علامات وملاحظات بخط يد متعجّل لا يُشبه خط من يأخذ وقته.
رفع هاروك رأسه حين دخلنا وأطلق زفرة طويلة قبل أن تُرسم على وجهه ابتسامة فيها شيء من الاعتذار:
“آسف لاستقبالكما بهذه الحالة أيها الشابان. الأمور خارجة عن السيطرة قليلاً.”
تقدمت خطوة للأمام دون مقدمة:
“ما زلت لا أفهم سبب سماحك لشخص عادي مثلي بالمشاركة فجأة.”
رفعت سكارليت حاجبها قليلاً.
وتوقف هاروك عن ترتيب أوراقه للحظة. نظر إليّ بطريقة تقيس لا تُجيب. ثم انفجر ضاحكاً.
ضحكة عالية وصريحة، غريبة في سياقها، تلك الضحكة التي تجعلك تتساءل إن كان صاحبها فعلاً مستغرباً أم يُعطي نفسه لحظة قبل أن يُجيب.
“يا فتى… أنت حذر بشكل مبالغ فيه حقاً.”
مسح أثراً خفيفاً من دموع الضحك في زاوية عينه:
“لكن بصراحة؟ هذه خصلة ممتازة لمقاتل.”
مال إلى الخلف على كرسيه واستعاد نبرة أكثر جدية:
“أما السبب فبسيط جداً. انظر حولك. نحن في وضع مزرٍ. المدينة بأكملها تستعد لكارثة محتملة، وأي قوة إضافية، حتى لو كانت صغيرة، قد تصنع فرقاً.”
توقفت عيناه فوقي:
“مقاتل إضافي من المستوى الثالث لن يضر.”
في اللحظة التي أنهى فيها جملته، كان شيء ما قد تحرك في رأسي.
لم يكن مجرد ملاحظة. كان شيئاً أحكم أكثر وأبرد.
‘لقد أخطأ.’
‘هو يعرف العدو بالفعل.’
المستوى الثالث.
كيف عرف؟ لم نُخبره بمستواي. لم يسأل. لم يجرِ أي فحص من أي نوع. وأي شخص يصف مقاتلاً يريد ضمّه بمستوى محدد دون أن يملك الأساس المعرفي لذلك الوصف، فهو يملك معلومة جاءته من مكان آخر.
ثبّت نظري على هاروك بنبرة خالية من الانفعال:
“هذا غريب.”
ساد الصمت لثوانٍ.
أكملت وأنا أُحدّق مباشرة في عينيه:
“عائلة سيرال تملك عشرات المقاتلين من المستوى الثالث. بل وأفراداً من المستوى الرابع. حتى في غياب رب العائلة ما تزال قوتهم كافية لسحق معظم التهديدات.”
توقفت.
“ومع ذلك… تذهبون لضم مرتزق عشوائي مثلي؟”
اختفت ابتسامة هاروك.
تدريجياً. ليس دفعة واحدة. كما يختفي شيء حين يُدرك صاحبه أن الوضع تغيّر قبل أن يُقرّر كيف يتعامل مع التغيّر.
لأول مرة منذ دخولنا بدا متوتراً فعلاً. تحرّكت أصابعه فوق المكتب بعصبية طفيفة قبل أن يُجيب:
“كما قلت… وجود مقاتلين إضافيين مجرد إجراء احترازي.”
تنهّدت بخفة.
“هل أبدو لك أحمق يا هاروك؟”
تجمّدت ملامحه للحظة.
واصلت بنفس النبرة الهادئة التي كانت تجعل كل كلمة فيها تحمل وزناً يزيد على ظاهرها:
“أنت تعرف العدو.”
ساد الصمت.
حتى سكارليت التي كانت تتحرك قليلاً توقفت. عيناها الرماديتان ضيّقتا وبقيتا على هاروك.
انحنيت قليلاً للأمام:
“والسؤال الحقيقي… إلى متى كنت تنوي الاستمرار في التظاهر بالغباء؟”
نظر هاروك إليّ.
وكانت في نظرته تلك اللحظة كل ما كان يُحاول إخفاءه يُعيد تنظيم نفسه. كأن من كان يراقب لعبة شطرنج ظنّ أنه يُتقن إخفاء خطواته القادمة ثم اكتشف أن الطرف الآخر كان يرى اللعبة من زاوية مختلفة.
‘تبّاً.’
هذا ما كانت تقوله ملامحه حرفياً.
أغلق عينيه لثانية طويلة. ثم أطلق زفرة ثقيلة، تلك الزفرة التي يُصدرها الشخص حين يُقرّر أن الاستمرار في الاتجاه الحالي سيكلّفه أكثر من التوقف.
“أنت محق.”
قالها بهدوء.
اختفت محاولات المراوغة من صوته اختفاءً كاملاً.
رفع نظره نحونا ببطء:
“نعم. أنا أعرف العدو.”
ساد صمت ثقيل داخل المكتب.
حتى الضوضاء القادمة من خارج المبنى بدت وكأنها ابتعدت فجأة. كأن الغرفة الصغيرة بأوراقها المبعثرة وخرائطها المفتوحة قرّرت في تلك اللحظة أن تنفصل عن كل ما حولها لتستوعب ما كان عليها استيعابه.
تبادلت نظرة مع سكارليت. لم تكن نظرة طويلة لكنها كانت كاملة.
بدا هاروك وكأنه يُقرّر من أين يبدأ. مرّر يده على وجهه بإرهاق حقيقي، إرهاق من يحمل شيئاً لوقت طويل ويُدرك أن الحمل انتهى لكنه لم يُقرّر بعد كيف يضعه.
أشار نحو الكرسيَين المقابلَين لمكتبه:
“اجلسا أولاً.”
نظرت إلى سكارليت. أومأت بصمت.
جلسنا.
وبقيت عيني على هاروك دون أن أرمش تقريباً. كنت أعلم أن ما سيأتي سيحتاج إلى الانتباه الكامل لا الاستماع العادي. الفارق بين الاثنين هو الفارق بين سماع ما يُقال وفهم ما لا يُقال.
ساد صمت قصير.
ثم فتح هاروك فمه أخيراً. صوته كان منخفضاً بطريقة تُشعرك أن ما يُلقيه ثقيل على لسانه لا لأنه يُفضّل إخفاءه بل لأن قوله يُعيد تحريك أشياء اعتاد على أنها ثابتة في مكانها:
“كل شيء… بدأ قبل عشرين عاماً.”