الفصل 160 - سيد الرماد
سيد الرماد.
كان الاسم صاعقة.
ليس المجاز الذي يُستخدم بسهولة حين يريد المرء وصف المفاجأة. كانت صاعقة حقيقية بالمعنى الذي تتوقف فيه كل الأشياء في لحظة واحدة قبل أن تُدرك أنها توقفت. شعرت بأفكاري تتجمد في أماكنها كأنها كانت تجري ثم وجدت جداراً زجاجياً لم تره.
ثم فاضت.
عادت الذكريات كما تعود الأشياء التي دفعتها بعيداً باجتهاد. المدن التي رأيتها بعد أن مرّ بها. ليس الهدم الذي يُخلّف أطلالاً تحكي قصة ما كان. ذلك الهدم المختلف الذي لا يُخلّف قصة لأنه يُخلّف رماداً. رماد لا يحكي ما كان لأنه أتقن محو ما كان.
والضحايا.
الذين دفعوا ثمناً لم يطلبوه لخيار لم يختاروه في حرب لم يكونوا طرفاً فيها.
وذلك اليوم عند الجرف.
ذلك الحوار.
لا أزال أتذكر كل كلمة فيه بالتسلسل والنبرة والمسافة التي كانت بيننا. أتذكر شعور الغضب الذي كان يُصدر ضغطاً خلف عيني وأنا أقف أمامه وأعلم أن ما بيدي لا يكفي. أتذكر لحظة إدراك أنه سيذهب. أنه سيُفلت. أن اليوم لن يكون يوم النهاية رغم كل شيء.
وأفلت.
الذاكرة صادقة في أسوأ اللحظات.
والآن.
في هذه المدينة.
قبضت يدي. شعرت بأظافري تجد راحة كفّي وتضغط عليها كأنهما يبحثان عن شيء يُمسكانه. تشنّج فكّي من تلقاء نفسه.
لم أكن من يكره بسهولة. الكراهية تعب. وأنا كنت دائماً أُفضّل توجيه الطاقة إلى ما يُنجز لا إلى ما يُشعل.
لكن سيد الرماد كان استثناء.
كان من النوع الذي يترك ندبة في الذاكرة لا لأنه قوي بل لأنه لا يُبالي. القوي الذي يُبالي يمكن فهمه في نهاية المطاف. أما من لا يُبالي بما يتركه خلفه فهو من النوع الذي لا ينتهي مع الوقت لأنه لم يبدأ من نقطة يمكن تتبّعها.
تنهّدت ببطء. سيطرة على ما يريد الخروج.
والآن عليّ مواجهته مرة أخرى.
أطلقت لعنة منخفضة قبل أن أُدير نظري نحو هاروك.
كان واقفاً بصمت.
لكن شيئاً في وجهه لم يكن على ما يجب.
الارتباك الذي يُحاوَل إخفاؤه يصنع تعبيراً خاصاً، تعبير من يُنسّق ما سيقوله قبل أن يقوله. والتنسيق المسبق يجعل الإجابة تخرج في وقت مختلف قليلاً عن الوقت الطبيعي. ويكفي هذا الاختلاف الصغير لمن تعلّم الانتباه إليه.
نظرت إليه مباشرةً وسألت بصوت حاولت أن يبدو هادئاً:
“هل تعرف شيئاً عن الوضع الحالي يا هاروك؟”
رمش عدة مرات.
“أنا؟”
ثم هزّ رأسه:
“لا. لا أعلم شيئاً عما يقصده ذلك الرجل.”
راقبته بصمت.
كان الجواب سريعاً بمقدار يزيد على الطبيعي. الشخص الذي لا يعلم شيئاً يحتاج لحظة ليُفكّر في ما لا يعلمه. أما من يعلم ويريد أن يقول إنه لا يعلم فقد حضّر الإجابة مسبقاً.
أكمل هاروك:
“لكن يمكننا الجزم بشيء واحد على الأقل.”
“وما هو؟”
“هذا المرض ليس طبيعياً. شخص ما تسبب به عمداً.”
ثم أضاف بنبرة وضعت فيها جدية مقصودة:
“ومن الواضح أن عدونا يحمل كراهية شديدة للإمبراطورية.”
أبقيت عيني عليه ثوانٍ.
ثم أدرت وجهي.
خرجت من القاعة بخطوات منتظمة.
سكارليت وأخوها يتبعانني دون أن أطلب.
حين ابتعدنا عن أسماع الآخرين ووصلنا إلى الممر الأكثر هدوءاً، أطلقت سكارليت زفرة طويلة:
“هذا الوضع غريب جداً.”
ثم هزّت رأسها:
“بصراحة، أنا لا أفهم شيئاً مما يحدث.”
نظرت إليها للحظة وأكملت السير:
“لن نفهم شيئاً حتى يُخبرونا بما يُخفونه عنّا.”
توقفت سكارليت فجأة:
“ماذا؟ ما الذي تقصده بما يُخفونه؟ ولماذا أنت متأكد أصلاً؟”
خفضت صوتي:
“لأن تصرفات هاروك لم تكن طبيعية.”
رفعت حاجبها.
“هل رأيت تعبيره عندما سألته؟ لم يكن تعبير شخص يجهل ما يحدث. كان يُحاول اختيار كلماته بعناية.”
صمت قصير.
ثم:
“وهناك شيء آخر. افتراضه أن العدو يكره الإمبراطورية.”
عبست سكارليت:
“ألا يبدو ذلك منطقياً؟”
هززت رأسي:
“ليس تماماً. فكّري بالأمر. لماذا افترض فوراً أن الدافع هو الكراهية؟ لماذا لم يقل إن العدو يسعى للدمار فقط؟ أو أنه يختبر سلاحاً؟ أو أنه مجنون؟”
ساد الصمت.
أكملت:
“الكلمات التي استخدمها تشبه كلمات شخص يعرف عدوه بالفعل.”
بدأت سكارليت تُفكّر في الأمر بجدية.
ثم:
“وهناك نقطة أكثر أهمية.”
“ماذا؟”
“سيد الرماد.”
ارتسمت الجدية على وجهها فوراً.
“أنا أعرف ذلك الرجل شخصياً.”
لم يكن الاعتراف مريحاً لكنه كان ضرورياً.
“لقد واجهته من قبل. وأنا متأكد تقريباً أنه لا يمتلك أي قدرة تسمح له بنشر مرض بهذا الحجم.”
فتحت سكارليت فمها:
“ماذا يعني ذلك؟”
“يعني أن هناك شخصاً آخر.”
توقفت خطواتها.
“شريك؟”
أومأت.
زفرت سكارليت بضيق ولوّحت بيدها:
“أنت تُبالغ في التفكير.”
ثم أشارت إليّ بإصبعها:
“سواء كان هاروك يعرف شيئاً أم لا، وسواء كان هناك شريك أم لا، فهذا لا يُغيّر شيئاً.”
رفعت كتفيها بثقة.
“المرض له سبب.”
ثم ضربت قبضتها بكفّها بحركة من اتخذت قراراً:
“ونحن نقتل السبب.”
تقدّمت عدة خطوات أمامي ثم استدارت نحوي. وعلى وجهها تلك الابتسامة الواثقة التي لا تكلّف نفسها عناء الشك:
“نعثر على هذين الشخصين، نقتلهما، وينتهي كل شيء. الأمر بسيط.”
لم أستطع منع الضحكة الخفيفة.
“خطة رائعة.”
رفعت ذقنها بفخر:
“أعرف ذلك.”
“لكن هناك مشكلة صغيرة.”
“ما هي؟”
“لن نكون قادرين على فعل أي شيء تقريباً.”
اختفت ابتسامتها.
“هاه؟”
قلت بهدوء:
“سيد الرماد في ذروة المستوى الرابع.”
تجمّدت.
“أما شريكه، فمن المستبعد أن يكون أضعف منه بمستويات.”
انفجرت:
“ماذاااا؟!”
تردّد صداها في الممر.
“اثنان من المستوى الرابع؟! هذا جنون!”
رفعت يدها نحو السماء وكأنها تُسجّل اعتراضاً على العالم بأكمله.
أومأت:
“جنون. نعم. لكنه الوضع.”
ثم أشرت نحو قلب المدينة:
“هذه المدينة هي مقر عائلة سيرال. العائلة تمتلك ثلاثة خبراء من المستوى الرابع.”
“ثلاثة؟”
“وعشرات من المستوى الثالث.”
بدت الصدمة طبقات على وجهها. طبقة تُضاف على طبقة مع كل رقم.
“أما رئيس العائلة…”
توقفت لحظة.
“فهو على أعتاب المستوى الخامس.”
الصمت الذي تلا هذا كان من نوع مختلف.
ثم أضفت:
“في الحقيقة، إذا أراد شخص مهاجمة عائلة بهذه القوة، فإن وجود مقاتلين في ذروة المستوى الرابع ليس مبالغة. إنه الحد الأدنى.”
ظلّت سكارليت صامتة ثوانٍ كاملة.
ثم رفعت رأسها:
“لديك معلومات كثيرة بشكل مريب.”
ابتسمت:
“لو أنكِ استمعتِ إلى سائق العربة طوال الطريق بدلاً من النوم لما اضطررت إلى شرح كل هذا.”
احمر وجهها فوراً:
“كنت أُريح جسدي!”
“طوال الرحلة؟”
“نعم.”
“كنتِ تشخرين.”
“لم أكن أفعل!”
“كنتِ تفعلين.”
“لم أفعل شيئاً!”
“أخفتِ الحصان مرتين.”
اتسعت عيناها:
“هذا افتراء فاضح!”
ضحكت.
وكانت المرة الأولى منذ سماع ذلك الاسم.
ورغم أن الغيوم السوداء لا تزال تُخيّم. ورغم أن سيد الرماد في مكان ما يفعل ما يفعله. ورغم كل الأسئلة التي لا تزال بلا إجابات.
كان الجدال السخيف مع سكارليت يجعل ثقل ذلك الاسم أخف قليلاً.
وأحياناً كان “أخف قليلاً” كافياً للمضي قدماً.