الفصل 159 - الرسالة الأولى
ساد الصمت داخل القاعة بثقل يمكن الإحساس به جسدياً.
حتى احتكاك القفازات المعدنية للجنود وهم يُحكمون قبضاتهم على مقابض سيوفهم كان يُسمع بوضوح في الهواء الراكد.
الرجل المقيد أمامهم لم يكن يصرخ. لم يكن يرتجف. لم تبدُ عليه تلك الفوضى الحركية التي حولت المصابين الآخرين إلى شيء لا يُشبه البشر. جلس بهدوء تام — بهدوء من يختاره لا من يُفرض عليه — وعيناه تحملان ذلك الصفاء الغريب لشخص لا ينظر إلى ما هو أمامه بل إلى شيء في مستوى آخر.
وهذا وحده جعله أكثر رعباً بكثير من كل ما رآه دارون في الشارع.
تقدم هاروك خطوة. عيناه ضيّقتا ببرود من تعلّم ألا يُظهر ما يشعر به أمام الخطر.
“من هم؟”
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة.
“هل تعتقد حقاً أنني سأجيب؟”
اندفع أحد الجنود برفع سيفه — الغريزة قبل العقل. أوقفه هاروك بإشارة واحدة من يده دون أن يحول نظره عن الرجل.
“أنت لا تبدو كشخص فقد عقله.”
ضحك الرجل بخفوت — ضحكة قصيرة تحمل شيئاً لا يُناسب المكان ولا اللحظة.
“ومن قال إنني لم أفقده؟”
كانت عيناه غريبتين بطريقة يصعب تحديدها. هادئتان بشكل لا يُشبه البشر — كأنهما لا تنظران إلى ما في القاعة بل تنظران إلى شيء وراءها أو تحتها، شيء لا يراه أحد آخر.
قال دارون بهدوء:
“أنت مصاب. لكن المرض لا يهاجمك.”
تحوّل الهدوء في عيني الرجل إلى شيء آخر — شيء يشبه الاهتمام الحقيقي لمن وجد أخيراً من يستحق الكلام.
“أخيراً شخص يستخدم عقله.”
ثم رفع نظره نحو دارون مباشرة — وفي تلك النظرة المباشرة شيء يجعل الجلد يُدرك الخطر قبل أن يُعالجه العقل.
“هذا المرض ليس خطأ. إنه اختيار.”
توقفت القاعة.
حتى الباحثون الذين كانوا يكتبون رفعوا رؤوسهم.
قال هاروك بالبرود الذي يأتي بعد سنوات طويلة من تعلّم عدم إظهار ردود أفعال غير محسوبة:
“اشرح.”
أخذ الرجل نفساً عميقاً — نفس شخص على وشك قول شيء يعرف أنه سيُغير شيئاً.
“إنه يبحث.”
“عن ماذا؟” قال دارون فوراً.
“عن الأشخاص المناسبين.”
انقبض شيء ما في معدة دارون — ليس من كلمة واحدة بل من الطريقة التي قيلت بها. الثقة الكاملة في الصوت. غياب أي تردد. كأن الرجل لا يُخبر بمعلومة بل يصف حقيقة يعرفها منذ وقت طويل.
قال أحد الباحثين بصوت متوتر:
“سيدي — معدل نشاط المرض داخل جسده يرتفع.”
لكن الرجل لم يلتفت.
“الضعفاء يفقدون عقولهم فوراً.” تابع بهدوء. “أجسادهم لا تتحمل ما يحمله المرض — تنهار تحت ثقله.” بدأت عروق سوداء بالظهور ببطء على عنقه وصعدت نحو فكّه كأنها تتذكر طريقها. لكن وجهه لم يتغير. “أما الأقوياء…”
توقف.
ثانية واحدة.
“فيستطيعون سماعه.”
كرااااش!!
انفجرت القيود المعدنية — لكن ليس من قوة جسدية. المعدن نفسه بدأ يتآكل من الداخل، يتحول لوناً بلون إلى السواد ويتفتت كشيء قديم فقد تماسكه فجأة. القيود سقطت كرماد.
قفز الجنود للخلف. اندفع اثنان منهم نحوه.
رفع الرجل رأسه.
وفتح فمه.
خرج منه صوت.
ليس صرخة — شيء آخر. أشبه بآلاف الأصوات تصدر في اللحظة ذاتها من مصدر واحد، كموجة تضغط على الداخل قبل أن تصل إلى الأذن.
اخترق ألم حاد رأس دارون كشيء حاد يخترق الجدار لا يطرقه. أحكم فكّه وثبّت نفسه. أحد الجنود سقط أرضاً — يداه على أذنيه والدم يتسرب من بينهما بخيوط حمراء تسقط على الحجارة.
“تبًا!” صرخ هاروك وسحب سيفه.
لكن دارون لم يتحرك.
لأنه رأى شيئاً.
الهواء مباشرة حول الرجل — لم يكن يتحرك بشكل طبيعي. كأن وجوده أصبح ثقيلاً بما لا يُرى، كأن المساحة التي يحتلها تُقاوم ما حولها بدلاً من أن تنسجم معه.
الواقع نفسه يشعر بوجوده.
تحرّك الرجل فجأة — بالسرعة التي لا تنتمي للجسد الذي يُحمله، سرعة الشيء الذي لم تعد قوانين الكتلة تحكمه بالطريقة المعتادة. ظهر أمام أحد الجنود مباشرة وأسند يده على وجهه.
وفي أقل من ثانية — بدأ الجلد يتغير تحت أصابعه. ليس بالسرعة الفجائية لجرح بل بالبطء المرعب لشيء يتآكل من الداخل للخارج.
صرخة الجندي مزّقت الهواء.
اندفع هاروك وضربة واحدة حادة قطعت الذراع عند الكتف.
تناثر الدم الأسود — الدم الذي لم يعد دماً — على الأرض. وسقطت الذراع. والرجل لم يصرخ. لم يتألم. رفع ما تبقى منه ونظر إليه بتلك العيون الهادئة المُرعبة.
ثم ضحك.
ليس ضحكة مجنون — أسوأ من ذلك. ضحكة شخص يرى شيئاً جميلاً حقاً لكن الجمال الذي يراه لا يُشاركه إياه أحد.
“إنه جميل… أليس كذلك؟”
التفت نحو دارون مباشرة.
“هل تشعر به؟”
تحرّكت الطاقة داخل جسد دارون تلقائياً — ليس قراراً، بل استجابة لشيء يُحسّه قبل أن يُسمّيه. عقله الفعّال يُحاول قراءة خيوط الإرادة ويجد… شيئاً آخر. ليس إرادة بالمعنى الذي تعلّم قراءته. شيء أعمق وأكثر فوضى وفي نفس الوقت أكثر هدوءاً.
الرجل رأى التغيّر في عيني دارون.
واتسعت ابتسامته.
“آه. الآن فهمت.”
بدأ جسده يتغير — الأعماق تدفع نحو السطح. الجلد يتشقق في خطوط منتظمة بشكل مقلق كأنه يُقسَّم لا يُمزَّق. وتحت الشقوق — شيء يضيء وينطفئ بإيقاع.
صرخ الباحث:
“إنه ينهار! الجميع ابتعدوا!”
لكن الرجل لم ينظر إلى أحد.
فقط إلى دارون.
وقال بصوت بدأ يتشقق ويتقطع كأن صوتاً آخر يتداخل معه من تحت:
“لقد بدأ…”
توقف.
ثانية.
“سيّد الرماد.”
اتسعت عينا دارون.
تلك الكلمتان — لم يكن فيهما تهديد ولا تحذير. كان فيهما شيء أسوأ من ذلك. الاعتراف. كأن شخصاً يُعلن اسم شيء كان يعرف وجوده لكنه كان ينتظر أن يُقال بصوت عالٍ ليصبح حقيقياً.
وفي الثانية التالية —
انفجر الجسد.