الفصل 158 - بداية العفن
كانت شوارع المدينة في تلك الليلة هادئة بالطريقة الخاطئة.
ليس هدوء الراحة — بل هدوء المكان الذي يعرف أن شيئاً يقترب ولم يقرر بعد كيف يتعامل معه. حتى الريح التي تحمل عادةً ضجيج مدينة بهذا الحجم كانت غائبة، تاركةً خلفها صمتاً ثقيلاً يضغط على الصدر بطريقة لا يُفسرها العقل بسهولة.
مشى دارون بجانب هاروك عبر الشارع الرئيسي بينما تمر عربات الجنود بسرعة في الاتجاه المعاكس — صناديق خشبية وأكياس سوداء ووجوه جنود تحمل تعابير من اعتادوا على ما يحملون.
لم يكن بحاجة لسؤال عن المحتوى.
“عددها يرتفع.” قال هاروك بجمود.
لم يكن يشرح. كان يُسجّل.
ركض جندي نحوهما وانحنى بسرعة.
“سيدي هاروك. تم إغلاق البوابة الشرقية بالكامل. لكن هناك أعمال شغب قرب السوق السفلي.”
أغمض هاروك عينيه للحظة — ليس من تعب، بل من ذلك النوع من التركيز الذي يُخفف وطأة ما يسمعه الإنسان حين يحتاج ثانية قبل الاستجابة.
“السبب؟”
تردد الجندي.
“أحد الأطباء حاول تهريب عائلته خارج المدينة. الناس رأوه. والآن يعتقد الجميع أن الحكومة تخفي الحقيقة.”
تنهّد هاروك ببطء.
“بالطبع.” قالها بنبرة من لا يتفاجأ بل يُؤكد ما توقعه. “أعطِهم ما يكفي ليهدأوا. لكن لا تُطفئ الشغب بالقوة — هذا سيجعله أكبر.”
انصرف الجندي.
نظر هاروك إلى دارون.
“هل ترى الآن لماذا لا يمكننا كشف كل شيء؟”
لم يُجب دارون.
لأنه بدأ يرى — الخوف لا يحتاج حقيقة ليتضاعف. يحتاج فراغاً. والفراغ يملؤه الناس بما هو أسوأ من الحقيقة دائماً.
المبنى كان يقف في نهاية الشارع كشيء لا يريد أن يُلاحَظ لكنه يصعب تجاهله.
جدران سوداء تمتص الضوء المحدود من المشاعل المحيطة. أبواب معدنية سميكة كأن من صنعها كان يُفكر في الاحتواء لا في الدخول والخروج. وعشرات الجنود المدرعين في صمت مَن يُدرك أنه يحرس شيئاً لا يريد الخروج أو شيئاً لا يُراد تركه يخرج.
“لا تبدو الإمبراطورية وكأنها تثق بعلمائها كثيراً.” قال دارون.
“بعد ما حدث قبل عشرين عاماً؟” قاله هاروك وهو يتقدم نحو الباب دون أن يلتفت. “لا أحد يثق بالعلماء.”
توقف دارون خطوة.
“عشرين عاماً؟”
لكن هاروك كان قد وصل للباب. وتجاهله بطريقة لا تقول لا أسمعك بل تقول ليس الآن وليس هنا.
وهذا وحده كان كافياً لأن تستقر التفصيلة في مكان ما في ذهن دارون وتنتظر.
انفتحت الأبواب المعدنية الثقيلة ببطء — بالطريقة التي تُفتح بها الأشياء التي صُممت لتكون موصدة لا لتكون مفتوحة.
القاعة الداخلية واسعة، مضاءة بإضاءة صفراء باهتة تجعل الوجوه تبدو مرهقة أكثر مما هي عليه. باحثون وأطباء يتحركون بين الطاولات والأجهزة والأوراق. جنود يقفون عند الجدران بتوزع يُخبر أن وجودهم هنا ليس شرفياً. والهواء — رائحة الدم ممزوجة بالمطهرات، ذلك المزيج الذي لا يُخطئه أحد مرّ بمكان يُحاول الطب أن يُعالج فيه ما لا يعرف كيف يُعالجه.
ثم رأى دارون المصاب.
في منتصف القاعة. مقيد على كرسي معدني. جلده يحمل بدايات التحول الرمادي — الخطوط الداكنة تحت السطح. لكن خلافاً لكل ما رآه دارون في الشارع —
كان ساكناً.
لا رجفة. لا صراخ. لا تلك الفوضى الحركية التي رأى فيها انهيار كل ما هو إنساني. جلس بهدوء تام، يُحدق في الفراغ أمامه بابتسامة لم تكن ابتسامة ألم ولا ابتسامة جنون.
ابتسامة شخص ينتظر شيئاً توقّعه.
اقترب منهما باحث نحيف بشعر أبيض وعيون غارقة في الإرهاق بالطريقة التي لا تصنعها ليلة أو ليلتان.
“سيدي هاروك. حالته مستقرة منذ ثلاث ساعات.”
“مستقرة؟” قال دارون.
أومأ الباحث بسرعة. وفي وجهه شيء يُشبه الخوف الذي لا يعرف كيف يُعبّر عنه لأن ما يخاف منه لم يكن له اسم حتى اليوم.
“جميع المصابين السابقين فقدوا وعيهم خلال ساعات من الإصابة.” قال بصوت منخفض. “لكن هذا الشخص…” نظر نحو الرجل المقيد. “ليس فقط مستقراً. يبدو وكأنه يختار ذلك.”
اقترب دارون من الكرسي.
ببطء. بالتركيز الذي يُنشّطه حين يُقرر أن شيئاً ما يستحق كامل انتباهه.
وعينا الرجل — اللتان كانتا تُحدقان في الفراغ — تحركتا.
ببطء مُصطنع ومُحسوب.
نحوه.
ثم ابتسم — اتساع ابتسامة من وجد ما كان ينتظره.
سرت قشعريرة في ذراعي دارون. ليس من البرد ولا من الخوف المعتاد — بل من ذلك الإحساس الخاص الذي يأتي حين يُدرك الجسد قبل العقل أن ما أمامه ليس ما يبدو عليه.
“أخيرًا…” قال الرجل بصوت هادئ ومرتب كصوت شخص يُنهي محادثة بدأها منذ وقت طويل. “وصل الشخص المزعج.”
تجمّد الهواء في القاعة.
كل من كان يتحرك توقف — أحياناً التوقف يحدث قبل أن يُقرره العقل.
ضيّق دارون عينيه.
“هل تعرفني؟”
اتسعت الابتسامة.
“لا.”
مال الرجل برأسه قليلاً — حركة فضولية لا تناسب شخصاً مقيداً ومريضاً.
“لكنهم أخبروني أنك ستكون المشكلة الأكبر.”
تحرّك الجنود. ليس بأمر — بغريزة. أيادٍ على مقابض سيوف. أقدام تتغير مواضعها. عيون تتبادل نظرات تسأل ماذا يعني هذا؟
بقي دارون ثابتاً.
ينظر إلى الرجل المقيد.
في ذهنه الهادئ كانت الأجزاء تتجمع — المرض الذي لا ينتشر خارج الحدود. الرجل الذي يحتفظ بوعيه بينما يُفقده الجميع. والكلمات الأخيرة التي تُخبر بوضوح أن هناك هم — من يعرفون اسمه، ومن أرسلوا هذا الرجل، أو سمحوا له بالوصول.
هذا المرض لم يكن كارثة عشوائية.
لم يكن وباءً خرج عن السيطرة.
كان رسالة.
موجّهة. واضحة. ولها مُرسِل يعرف من يُخاطب.