الفصل 156 - الامبراطورية
وقف دارون أمام الخريطة.
لم يتكلم. لم يكن بحاجة إلى ذلك — الخريطة تتكلم عن نفسها بصوت أعلى من أي شرح. العلامات الحمراء كانت بكثافة تجعل بعضها يتداخل مع بعض في المناطق الحدودية، كجروح مفتوحة فوق جسد القارة لم تجد وقتاً كافياً للتندب قبل أن تُفتح جروح جديدة.
حصون ساقطة. مدن محاصرة. طرق تجارية مقطوعة — تلك الشرايين التي تحمل الطعام والسلاح والرجال بين الأجزاء الحية من الإمبراطورية. والأسهم — تلك التي تُشير نحو الداخل لا نحو الخارج — كانت الأكثر إزعاجاً.
أمضى الرجل العجوز دقيقة كاملة صامتاً قبل أن يتكلم. ينظر إلى الخريطة بعيون طبيب يرى مريضاً يعرف أنه لن يُشفى لكنه لم يُقرر بعد كيف يُخبره.
“الجميع يظن أن إمبراطورية الشفق الذهبي لا تُهزم.”
ضحك. ضحكة قصيرة وفارغة تماماً — من تلك التي تصدر حين يُصبح الألم أكبر من أن يُعبَّر عنه بوجه جاد.
“لأنهم لا يرونها من الداخل.”
أخذ هاروك قدحاً معدنياً من فوق الطاولة وشرب منه شرباً طويلاً ثم وضعه بثقل وجلس — جلوس رجل يحمل وزناً على كتفيه ولم يجد سبباً يستحق الوقوف من أجله.
“في الشمال نخسر الرجال.” قال بصوت رتيب ومُعتاد على ما يقوله. “في الشرق نخسر المدن. في الغرب نخسر العقول — القادة الذين يتركون الجبهات لأنهم لا يرون في البقاء أي معنى.”
رفع نظره نحو دارون.
“أما الجنوب…”
توقف.
“…الوحوش بدأت تتحرك.”
تقلّصت عينا دارون قليلاً. وحوش؟ في سياق كل هذا — كل هذا الحديد والدماء والحدود المتهاوية — وحوش تبدو إضافةً مبالغاً فيها. لكن وجه هاروك لم يكن يمزح.
فتح دارون فمه ليسأل —
انفتح الباب.
جندي شاب. لهاثه مرئي قبل أن يتكلم — صدره يصعد ويهبط بسرعة من ركض، ووجهه يحمل لون من رأى شيئاً لم يستعد له.
“الكابتن!”
التفت الجميع.
“ظهرت إصابة جديدة.”
الصمت الذي تلا هذه الجملة كان مختلفاً عن صمت المفاجأة — كان صمت من سمعوا هذا من قبل ولا يزالون يخشونه بنفس القدر في كل مرة.
“أين؟” قال العجوز بصوت بطيء.
ابتلع الجندي ريقه.
“الحي الشرقي.”
نهض هاروك بعنف — ليس من غضب، من حاجة. أمسك خوذته من الطاولة وبدأ يتحرك نحو الباب في حركة من يفعل هذا كثيراً ولا يزال يكره كل مرة.
“ما الذي يحدث؟” سأل دارون.
توقف هاروك. التفت إليه لثوانٍ كأنه يُقرر مقدار ما يقوله.
“الفساد الرمادي.”
انخفض الهواء في القاعة.
لم يكن إحساساً مجازياً — الجنود الجالسون في الزوايا تحاشوا النظر مباشرة عند سماع الاسم، كما يتحاشى الناس النظر إلى الشيء الذي يخشونه أكثر.
اقترب العجوز من الخريطة ببطء. رفع يده وأشار بإصبعه نحو الحدود الشمالية الغربية — نحو الجزء الذي يُسمّى بالاسم الذي لا يُقال بصوت عالٍ.
أرض الموت الأبيض.
“بدأ هناك.” قال بنبرة من يُملي تاريخاً يودّ لو لم يعرفه. “في البداية كان الجنود العائدون يُظهرون تغيرات بسيطة. أرق لا يُفسَّر. هلوسات في أوقات اليقظة. عدوانية مفاجئة تجاه رفاقهم.”
توقف.
“ثم أصبحت الأجساد تتغير.”
قال العجوز بصوت أكثر هدوءاً مما ينبغي:
“اللحم يصبح رمادياً — ليس كالرماد الميت، بل كلون حي يتحول. العروق تسودّ تحت الجلد، تنتفخ كأنها تحمل شيئاً آخر غير الدم. والعقل…” أغمض عينيه للحظة. “يتآكل. ببطء في البداية. ثم بسرعة.”
“مرض؟” قال دارون.
“مرض.” تردد العجوز. “أو لعنة. أو شيء بينهما لا نملك له اسماً نثق به.”
“وإذا وصل لمرحلة متقدمة؟” سأل دارون.
نظر هاروك إلى يوجين الذي كان يسمع بعيون واسعة. ثم نظر إلى دارون.
“إذا وصل للمرحلة الأخيرة — لا يبقى مما كان هناك إنساناً شيء يُذكر. يتحول إلى شيء آخر. سريع. عدواني. ولا يُمكن إيقافه بالطرق العادية.” توقف. “لذا حين تظهر إصابة داخل المدينة، القرار واحد فقط.”
“قتله فوراً.” قال العجوز بهدوء مريح لشيء مروّع.
“قتله؟!” قال يوجين.
نظر إليه هاروك بتلك النظرة التي ينظر بها الجندي المحترب إلى من لم يرَ ما رآه بعد — ليس باستهزاء، بل بشيء يشبه الأسف على ما سيرى لاحقاً.
لم يُجبه.
ثم جاء الصراخ من الخارج.
ثم الانفجار.
خرجوا جميعاً.
الشارع كان قد أفرغ من نفسه بسرعة — الناس يركضون في الاتجاه البعيد من الصوت، مدفوعين بتلك الغريزة التي لا تنتظر التفكير. وفي الطرف الآخر، جنود يُشكّلون طوقاً حول مدخل زقاق ضيق، أسلحتهم مرفوعة لكن أقدامهم ثابتة في مكانها — وهذا وحده يخبر شيئاً عن طبيعة ما في الداخل.
اقترب دارون.
ورأى.
كان رجلاً في يوم ما.
الجسد لا يزال يحمل شكل إنسان — القامة، الأطراف، التناسب العام. لكن كل شيء آخر تغيّر. الجلد رمادي بذلك اللون الذي وصفه العجوز — ليس رماد الميت البارد، بل لون شيء حي يتحول إلى شيء آخر ويُقاوم التحول ويخسر. والتشقق — خطوط عميقة تشق الجلد كأرض جفّت فجأة وسريعاً، ومن بينها تنتفخ العروق السوداء كخريطة جريان تحت الجلد تحمل شيئاً أثقل من الدم وأغمق.
وعيناه.
هذا ما أوقف دارون للحظة أكثر من أي شيء آخر.
لم يكن فيهما عدوانية. لم يكن فيهما ألم بالمعنى الذي يُقرأ في عيون المتألمين. لم يكن فيهما شيء يُشبه ما يُبحث عنه حين تُلتقي عينا شخصين — ذلك الشيء الذي يجعل المرء يقول هناك شخص هنا.
كانتا فارغتين. لكن بطريقة لا تُشبه فراغ عيون فالريك — فالريك اختار إفراغها. هذا لم يتبقَّ له ما يملأها.
كان يصرخ — صراخاً بلا كلمات، بلا هدف، كصوت آلة تُحاول الاشتغال بعد أن تُكسر. ويُمزق جلده بأظافره التي لم تعد أظافر بالكامل — تمتد وتتشقق في آنٍ واحد.
ثم رفع رأسه.
وتوقف الصراخ.
وفي الصمت الذي تلا ذلك — الذي لم يدم أكثر من ثانية — شعر دارون بذلك الثقل الذي سبق الخطر الحقيقي في حياته.
“ابتعدوا!” صرخ.
لكن الشيء تحرك.
بووووم!!
اختفى وظهر في مكان آخر في جزء من ثانية — ليس بسرعة إنسان متحكم في إرادته، بل بالفوضى الكاملة لشيء لا يُخطط بل يندفع. الجندي الأقرب انهار تحت المخالب الرمادية قبل أن يُتم رفع درعه — الحديد تشقق كأنه ورق.
انفجرت الدماء.
اندفع الجنود — وتراجعوا في الوقت ذاته.
اشتغل العقل الفعال داخل دارون تلقائياً.
الخيوط.
ظهرت. لكن —
تجمّدت عيناه.
لم تكن خيوطاً. كانت… فوضى. عشرات المسارات المتناقضة تنبع من نفس الجسد في آنٍ واحد، لا يُلغي بعضها البعض بل يتشابك دون منطق. كأن شيئاً ما يُحرك هذا الجسد لكنه لا يفهم كيف تعمل الأجساد.
إرادة محطمة.
لا يوجد عقل يُصدر نية واضحة — فقط دافع خام وأعمى كموجة تجد ثغرة وتندفع نحوها.
وهذا — هذا الغياب الكامل لأي شيء يمكن قراءته — جعله أخطر من أي خصم واجهه دارون من قبل. القدرة تقرأ النية. والنية تحتاج عقلاً.
لاحظ هاروك وجه دارون.
ثم رفع سيفه ببطء وعيناه لا تتركان الشيء في وسط الشارع.
قال بصوت منخفض — بصوت من لا يُخبر بشيء جديد بل يُؤكد ما كان يعرفه:
“الآن فهمت.”
وأضاف، كأنه يتحدث إلى الخريطة المعلقة في القاعة وراءهم لا إلى دارون:
“لهذا تخسر الإمبراطورية.”