الفصل 155 - الشفق الذهبي
تحركت العربة مع حلول الليل.
لكن الصمت بداخلها كان من نوع مختلف عن صمت التعب — أثقل وأكثر إرادة، كصمت من اختاروا عدم الكلام لأن الكلام لن يُغير شيئاً.
سكارليت تنظر من النافذة إلى الظلام المتحرك خارجها. يوجين نام أخيراً بذلك الاستسلام الكامل للجسد حين يبلغ حدوده — رأسه مائل، تنفسه منتظم، كأن ما رآه وما فعله في الساعات الماضية لم يصل بعد إلى أحلامه.
أما دارون — فكان فوق السطح.
جلس على خشب العربة المتحرك وأمامه الليل كله. الريح الباردة تضرب وجهه دون أن يدير رأسه بعيداً عنها. السماء فوقه بلا سحب — نجوم كثيرة ومتباعدة كأضواء مدينة بعيدة جداً.
رفع يده ببطء أمامه.
الظلال تحركت بين أصابعه كدخان يتشكل ثم يتفرق. بقايا الاندماج الوحشي — ألم هادئ في العضلات أعمق من السطح، وإرهاق من النوع الذي لا ينتهي بنوم ليلة بل يحتاج وقتاً أطول. تجاهله. الجسد يتعلم ما يحتمله حين لا يُعطى خياراً آخر.
عقله كان في مكان آخر.
ألبرت. الرجل الذي تغيّر ثم مات قبل أن يُثبت ذلك أو يُكذّبه.
فالريك. الذي تذكّر أنه كان إنساناً ودفع ثمن ذلك التذكر.
الرجل صاحب الرمح. الذي لا يعرف كيف يكون شيئاً سوى ما صنعته منه الحرب.
كلهم امتلكوا شيئاً مشتركاً — ليس القوة، بل المصدر. الحرب. الساحة. الاضطرار المتواصل إلى القتل حتى يُصبح القتل الشيء الوحيد الذي يعرفه الجسد والعقل. هذا العالم لا يصنع البشر بالطريقة التي ينبغي.
يصنع أدوات تعتقد أنها بشر.
تنهّد دارون ببطء وأغلق عينيه.
ثم فتحهما.
الرائحة وصلت قبل الضوء.
دخان. ليس دخان خشب أو طعام — دخان مدينة. ذلك النوع الثقيل المركّب الذي يصنعه آلاف المداخن والأفران والأجساد المتكدسة في مساحة واحدة.
رفع نظره نحو الأفق.
وظهرت المدينة.
مدينة الرماد الأبيض — الاسم صادق بشكل مزعج.
الأسوار بيضاء باهتة من الحجر المُعالج، لكن البياض كان من ذلك النوع الذي يبدو كالرماد المضغوط لا كالنقاء. الأبراج الحجرية الطويلة تقف على المسافات كأصابع يد ضخمة تمسك بالمدينة من الأطراف. والمداخن — عشرات منها تُخرج دخانها في خطوط رمادية مستقيمة نحو السماء الليلية حتى تختلط مع النجوم وتُعتّمها.
أول مدينة كبيرة قبل الحدود الجنوبية للإمبراطورية.
“سنبيت هنا الليلة.” قال السائق من أسفل دون أن يلتفت. ثم بصق جانب الطريق. “آخر مكان شبه آمن قبل أن يبدأ ما لا يُسمّى شبه آمن.”
مع اقترابهم من البوابة، لاحظ دارون أولاً.
الجنود.
في كل مكان. فوق الأسوار يمشون بخطوات سريعة لا خطوات حراسة روتينية. عند البوابات في أعداد تتجاوز المعتاد. وداخل الشارع الخارجي — يمرون بين الناس بتعابير لا تُشبه تعابير من يحمي بل تُشبه تعابير من يُراقب باباً قد يُوصد.
كلهم يحملون شعار الشمس الذهبية على الدروع.
شعار الإمبراطورية.
لكن تعابيرهم — كانت تعابير رجال أُرهقوا من شيء لا ينتهي ويعرفون أنه لن ينتهي قريباً.
حين دخلت العربة من البوابة الرئيسية ضربتهم الفوضى كموجة.
الشوارع تعج بأناس يتحركون بالسرعة التي يتحرك بها من يُريد الوصول قبل أن يُغلق شيء ما. تجار يُحكمون أقفال متاجرهم بأيدٍ سريعة. مرتزقة مدججون بأسلحة لم تُنظَّف من استخدام قريب. وفي بعض الزوايا — مجموعات من الناس يجلسون على أمتعتهم بنظرات من وصلوا من مكان آخر ولا يعرفون بعد إلى أين.
رفع يوجين رأسه من النوم بعينين لا تزالان بين الحالتين.
“ما الذي يحدث هنا؟”
أجاب السائق بصوت منخفض كمن يُخبر بشيء يُفضّل عدم قوله بصوت عالٍ:
“الحرب تقترب.”
رفع دارون نظره نحوه.
“قبل أسبوعين سقط حصن الفجر.”
توقفت سكارليت عن النظر من النافذة.
حصن الفجر — حتى هي تعرف الاسم. أحد أهم الحصون الجنوبية، مبني على ارتفاع يُسيطر على ثلاثة طرق رئيسية في آنٍ واحد. سقوطه لا يعني هزيمة في معركة — يعني أن ما خلفه أصبح مكشوفاً.
“منذ ذلك الوقت واللاجئون يتدفقون.” تابع السائق. “والجيش يجند كل من يستطيع حمل سيف أو يقنعه بحمله.” توقف. ثم ضحك — ضحكة قصيرة ومرّة من تلك التي لا تحمل أي فرح. “إمبراطورية الشفق الذهبي تحترق ببطء. وأبناؤها يتجادلون على من يحمل الماء.”
توقفت العربة قرب نزل قديم واسع — النوع الذي كان جميلاً يوماً وتوقف عن الاهتمام بذلك. الزحام بداخله مرئي من الخارج، أصوات متداخلة وضوء يتسرب من كل شق.
نزل دارون.
وشعر بالأنظار فوراً.
ليس نظرات الفضول العادية — نظرات من يجلسون يحسبون الأشياء باستمرار وتعلّموا كيف يُصنّفون من أمامهم بسرعة. هذا الرجل خطر. هذا لا. هذا مفيد. هذا مشكلة. حسابات الناجين.
وحين نظروا إلى دارون — استمروا في النظر ثانية أطول من المعتاد.
اقترب رجل.
ضخم الجثة، درعه الحديدي به تشققات وطبقات من الإصلاح القديم — درع شخص لا يستبدل ما يكسر بل يُصلح ويُكمل. وعلى وجهه ندبة طويلة تبدأ من تحت عينه اليسرى وتنتهي عند العنق في خط ليس مستقيماً تماماً — خط سيف أُمسك في آخر لحظة.
نظر إلى دارون بعيون تُقيّم لا تتودد.
“أنت مقاتل.”
لم يكن سؤالاً.
“ربما.” قال دارون.
ضحك الرجل — صوت خشن وقصير.
“ربما.” كرّرها. ثم اقترب خطوة. “الناس العاديون لا يمتلكون تلك الطريقة في الوقوف. كأنك تحسب المسافات حتى حين تقف ساكناً.”
مدّ يده.
“هاروك.”
صافحه دارون.
“دارون.”
تقلّصت عينا هاروك لثانية واحدة — قياس سريع لشيء ما.
“لست من الإمبراطورية.” قال بصوت أخفض. “النبرة. طريقة الوقوف. لا تتطابق مع أي جبهة أعرفها.”
لم يُنكر دارون ولم يُؤكد. ابتسم بخفة من تلك التي تعني صحيح، وماذا بعد؟
أشار هاروك برأسه نحو الداخل.
“تعال. هناك شيء يجب أن تراه قبل أن تقرر إلى أين ستذهب.”
القاعة الداخلية كانت واسعة بما يكفي لعشرين شخصاً وبها نصف ذلك العدد — رجال ونساء بملابس تحمل علامات جبهات مختلفة، يتحدثون بأصوات منخفضة أو يصمتون ويشربون أو يحدقون في لا شيء بعيون قررت أن تستريح ولو من الرؤية.
لكن ما جعل دارون يتوقف عند الباب لم يكن الناس.
كانت الخريطة.
ضخمة. تغطي الجدار كاملاً تقريباً. القارة بأكملها — جبالها وأنهارها وممالكها ومدنها — رُسمت بدقة شخص أمضى وقتاً طويلاً يتعلم كيف يُدركها. وفوقها — عشرات العلامات الحمراء. بعضها دوائر تعني حصوناً ساقطة. بعضها خطوط تعني جبهات متقدمة. وبعضها — سهام تشير نحو الداخل.
نظر دارون إلى الخريطة بذلك التركيز الهادئ الذي يأتي حين يقرأ العقل شيئاً ويبدأ في تصنيفه.
الإمبراطورية تخسر.
ليس في جبهة واحدة. في كلها. الخطوط الحمراء لا تُشير نحو الخارج بل نحو الداخل، تضيق تدريجياً كحبل يُشدّ من كل أطرافه في آنٍ واحد.
“خمس جبهات.”
صوت جاء دون مقدمة.
عجوز يقف قرب الخريطة — يرتدي زي ضابط إمبراطوري قديم، نظيف رغم كل شيء بالطريقة التي يهتم بها الإنسان بالأشياء الأخيرة التي تبقى له. لم يلتفت حين تكلم. كان يتابع نقطة معينة على الخريطة بعيون تُدرك ما ترى ولا تجد في ذلك أي راحة.
“خمس جبهات.” كرّر. “وخمس هزائم متتالية.”
ثم رفع عينيه أخيراً نحو دارون.
والتعب في تلك العيون كان أعمق من التعب الجسدي بكثير — تعب من يعرف النهاية ويواصل رغم ذلك لأنه لا يعرف كيف يتوقف.
“أهلاً بك في الشفق الذهبي.”
نظر نحو الخريطة مجدداً.
“الأرض التي تموت واقفة.”