الفصل 153 - مقاتل مرعب
هبط الصمت فوق الطريق الذهبي كما يهبط الثلج — ببطء، وبشكل كامل، حتى يُغطي كل شيء.
الريح الباردة مرّت بين الصلبان الخشبية وحرّكت الجثث المعلقة بإيقاع لا يُريح — ليس هرباً من الريح، بل طاعة لها، كما يُطيع الميت كل شيء. وبعضها كان قديماً بما يكفي ليكون مجرد ملابس ممتلئة بالهواء، وبعضها لم يبرد بعد.
الرجل فوق الصخرة لم يتحرك.
عيناه على العربة فحسب — تلك العيون الحادة بطريقة تأتي من مكان محدد جداً. ليس حدة الغضب ولا حدة الجنون. حدة الشخص الذي عاش في أماكن لا يكون فيها الخطأ بأكثر من خطأ واحد.
نزل دارون من العربة بهدوء، قدماه على الطريق الترابي، عيناه على الرجل.
خلفه مباشرة شدّت سكارليت نفسها — ليس نحو خنجرها هذه المرة، بل نحو يوجين الذي اقترب منها غريزياً بذلك الإحساس الذي يجعل الجسد يطلب القرب دون إذن العقل.
أما السائق — فكان شاحباً بالكامل. أحكم قبضته على العصا التي لن تفيده شيئاً ولم يتركها.
همس بصوت لا يكاد يُسمع:
“…إنه من الجبهة.”
رفع الرجل رمحه قليلاً — لا هجوماً، بل كمن يُعدّل وضع يده في شيء معتاد.
“أحتاج الطعام.”
قالها بصوت خشن ومتعب. لكن دارون لم يتحرك ليُجيب.
كان هناك شيء خاطئ.
ليس في الكلمات — في الجسد. في الطريقة التي يجلس بها الرجل فوق الصخرة. في توزيع ثقله. في التنفس الذي يصل إلى مسافة أقرب مما ينبغي لشخص جالس. رجل جائع يكون مرتخياً من الضعف. هذا الرجل كان مشدوداً كوتر — حيوان ينتظر لحظة الانقضاض ويُخفي ذلك بكلام بسيط.
ثم رأها دارون.
تدفّقت قدرة العقل الفعّال بهدوء داخله — ليس انفجاراً، بل كمن يفتح عيناً ثالثة كانت موجودة دائماً. والعالم من حوله أصبح أبطأ. أهدأ. أكثر وضوحاً. وظهرت أمامه الخيوط.
خيوط الإرادة.
شفافة ودقيقة كخيوط عنكبوت في ضوء الصباح — لا يراها من لا يعرف أين ينظر. تخرج من كل نقطة حيوية في جسد الرجل وتمتد في الهواء كمسارات لحركات لم تحدث بعد.
الكتف الأيمن — مائل بزاوية خاصة.
القدم اليسرى — ثقلها مُوزَّع للأمام.
العين — تتبع نقطة بعينها على جسد دارون.
التنفس — يتباطأ قبل الهجوم، لا يتسارع.
كل هذا يحدث قبل الفعل نفسه بجزء من ثانية — هامش صغير، لكنه كافٍ لمن يعرف كيف يقرأه.
ضيّق دارون عينيه.
متحكم أولي. المستوى الثالث. مثله تماماً.
لاحظ الرجل فوق الصخرة نظرته — تلك اللحظة الصغيرة من التركيز التي لا تشبه نظرة من يقيس خطراً عادياً.
وابتسم. ابتسامة باردة ومعرفة.
“هاه.”
وقف ببطء، كأن الوقوف نفسه تمرين مألوف، وأمسك الرمح بيد واحدة بالطريقة التي يُمسك بها من يحمل الشيء ذاته منذ سنوات.
“إذن أنت أيضاً لست شخصاً عادياً.”
انضغط الهواء.
لم يكن إحساساً — كان حقيقياً. شعرت به سكارليت في صدرها كموجة خافتة تسري تحت الجلد، وأمسك يوجين ذراعها دون أن يقول شيئاً.
“من أنت؟”
سأل دارون بهدوء. لم يرفع سيفه بعد — لأن رفعه قبل الوقت يُخبر الخصم بأشياء لا يجب إخباره بها.
ضحك الرجل بخفة. ثم أشار برمحه نحو الصلبان — إيماءة من لا يحتاج للنظر نحو ما يُشير إليه لأنه وضعها هو.
“هؤلاء؟ قطاع طرق. قتلوا قافلة لاجئين أسبوعاً قبل أن أجدهم.”
نظر إليهم — لا بنظرة من يتفاخر ولا بنظرة من يندم. نظرة حساب.
“فعلت بهم ما يستحقونه.”
ثم رفع عينيه نحو دارون.
“لكن المشكلة…”
بدأ ينزل من الصخرة ببطء. كل خطوة موضوعة بدقة. “…أن الناس يخلطون دائماً بين العدالة والوحشية.”
تجمّدت سكارليت للحظة.
هذه الكلمات.
كانت قد سمعت شيئاً مشابهاً في نفق تحت الأرض. من رجل آخر. في ظروف أخرى. وتذكّر الكلمات في هذا الوقت لم يكن مريحاً.
لاحظ دارون شيئاً في الوقت ذاته — شيئاً أهم من الكلمات.
خيوط الإرادة لا تزال تتدفق. والرجل لم يتوقف عن القراءة منذ فتح فمه.
كان يتحدث — وفي الوقت ذاته يبحث.
ثم اختفت الخيوط.
اتسعت عينا دارون.
لا خيوط يعني—
بووووم!!
اصطدم الرمح الأسود بسيف دارون الذي سحبه في جزء من ثانية — لحظة واحدة متأخرة عن اللحظة المثالية، لكنها كافية. الموجة الصادمة عن الاصطدام انفجرت في الهواء وشقّت الأرض الترابية تحتهما في خطوط متفرعة.
تراجع دارون نصف خطوة — نصف خطوة فقط.
أما الرجل — فنظر إليه وعلى وجهه ابتسامة من تلك التي تعني أنه وجد ما كان يبحث عنه.
“مثير.”
واختفى مجدداً.
لكن هذه المرة — رأى دارون الخيوط قبل الاختفاء.
القدم اليمنى تتحمل الثقل للانطلاق. التواء في الكتف يُحدد الزاوية. والنية — تلك الخيط الأعمق والأصعب قراءة — تشير نحو أسفل يسار الرقبة.
انعطف دارون دون أن يُفكر.
تشششش!!
مرّ طرف الرمح بجانب عنقه — قريباً بما يكفي ليُحسّ بالهواء المُشقّق.
اقترب الرجل وأبقى نفسه قريباً جداً، صوته هامس بالطريقة التي يهمس بها من يجري تجربة لا من يهدد:
“أنت ترى الحركات مسبقاً.”
ليست سؤالاً. ملاحظة مُقيَّدة.
قفز دارون للخلف وأعاد المسافة بينهما.
ضاقت عيناه.
في ضربتين فقط — فهم طبيعة قدرته.
مقاتل حرب. ليس قاتل شوارع يعتمد على الوحشية، ولا مقاتل ساحة يعتمد على الجمهور. شخص تعلّم القتل في أماكن لا يُسمح فيها بالأخطاء المتكررة — ويبحث عن أنماط وثغرات بسرعة لا تليق إلا بمن عاش على هذا.
أدار الرجل رمحه ببطء بين راحتيه — حركة معتادة ومريحة كأنه يتنفس.
“قدرة إدراك؟ أم قراءة نية؟”
لم يُجب دارون.
لكن ذهنه كان يعمل بسرعة مرعبة. يُحلّل. يُقيّس. يُخطط.
القوة — أعلى من المتوقع لحجمه. السرعة — يُخفيها عمداً. زوايا الهجوم — يبدّلها بسرعة لا تُشبه التدريب بل التجربة الفعلية. طريقة التنفس — لا يتسارع أثناء الهجوم، يُبطئ.
هذا ليس شخصاً تعلّم القتال.
هذا شخص قتل كثيراً.
انطلقت الخيوط من جديد — هذه المرة بالعشرات في آنٍ واحد.
هجوم وهمي يبدأ بالكتف الأيسر. طعنة سفلية بعد الخطوة الثالثة. التفاف جانبي نحو النقطة العمياء اليمنى.
قرأها دارون في أقل من ثانية.
لكن —
اتسعت عيناه.
كانت هناك خيوط أخرى. مختلفة. أرفع وأعمق، كأنها من طبقة أخرى تحت الطبقة المرئية. وقد رآها لكن متأخراً.
اندفع الرمح من زاوية ميتة — من الجهة التي لا يتوقعها المدافع لأن جسد المهاجم لا يُشير إليها بالطريقة المعتادة.
اخترق طرفه كتف دارون.
تراجع فوراً وأحكم قبضته على سيفه والدم يتناثر فوق الطريق الذهبي بقطرات مُتفرقة.
وابتسم الرجل — ابتسامة مختلفة عن السابقة. ليست ابتسامة من يستعرض، بل ابتسامة من يُسجّل اكتشافاً.
“وجدتُك.”
الثغرة. تأخير جزء من ثانية في قراءة الخيوط الأعمق. عمياء واحدة في جدار لا يكاد يملك عمياء.
لكن واحدة تكفي.
توقّف دارون.
تنفّس ببطء — بوعي وتحكم، يُحسب الألم في كتفه كمعطى لا كعائق ويُدرجه في الحساب. الدم دافئ على جلده.
ثم رفع نظره.
نظر إلى الرجل بالطريقة التي ينظر بها إلى قليل من الأشياء — بذلك التقييم الهادئ الذي يأتي بعد أن ينتهي الدماغ من حساباته ويُصدر حكماً.
وابتسم.
ابتسامة صغيرة وخطرة — من تلك التي تعني أن شيئاً ما قُرّر وأنه لن يتغير.
لأن شيئاً واحداً أصبح مؤكداً الآن:
هذا الرجل يستطيع إخفاء خيوطه الأعمق عن القراءة.
وهذا يعني أنه لا يمكن الانتصار عليه بنفس الطريقة.
يعني أن ما سيأتي بعد هذا سيكون مختلفاً تماماً عن كل ما قبله.