الفصل 152 - الوجهة الجديدة
مرّ أسبوع.
أسبوع كامل منذ سقوط الساحة الأبدية — منذ الضوء الزمردي الذي انطفأ، ومنذ الرأس الذي تدحرج على الحجارة قرب حافة الحرية.
لم تعد سكارليت تنظر إلى دارون بنفس الطريقة.
كانت ما تزال تسير معه. تحمي يوجين معه. تقاتل معه حين يتطلب الأمر. لكن شيئاً ما انكسر بينهما — ليس بصوت، بل كالزجاج الذي يتشقق ويبقى في مكانه حتى تلمسه فيتفتت.
أحياناً كانت تراه جالساً قرب النار ليلاً، عيناه في اللهب كأنه يرى أشباحاً لا ترى هي غيرها. وأحياناً — حين يهدأ كل شيء وتبقى الأفكار وحدها — كانت تتذكر رأس ألبرت وهو يسقط، وعيناه مفتوحتان، والضوء ينتشر حوله على الحجارة.
وتشعر بالبرد.
أما دارون — فلم يشرح أكثر. لم يتراجع. لم يُبرر. كأن القرار انتهى والكلام انتهى معه. وهذا بحد ذاته كان أكثر ما يُقلقها.
العربة الخشبية تتحرك ببطء فوق الطريق الترابي الطويل، عجلاتها تطحن الأرض بإيقاع ناعس لا يتغير. جلس دارون قرب النافذة الجانبية وعيناه على الخارج — على السهول التي تمتد بلا نهاية مرئية، تتخللها غابات رمادية ضخمة لا تبدو من بُعد كأشجار بل كجدران حجرية خضراء داكنة، وأطلال أبراج قديمة تنتصب هنا وهناك كأسنان وحش مات منذ قرون ولم يجد من يدفنه.
أما السماء — فكانت مغطاة بغيوم من لون الذهب الباهت، ذهب قديم لم يُصقل. لهذا سُمّيت تلك الأراضي باسم الشفق الذهبي — ليس لأنها جميلة بالضرورة، بل لأن ضوءها يبدو دائماً كأنه على وشك الغروب حتى في الصباح.
دخّن سائق العربة غليونه القديم في صمت مريح لرجل يعرف طرق هذه الأرض منذ وقت طويل. ثم قال دون أن يلتفت:
“إذا واصلنا بهذا المعدل… سندخل حدود الإمبراطورية خلال يومين.”
لم يُجب دارون فوراً.
أخرج من جيبه قلادة — معدن باهت اللون، بسيط في شكله، لا يبدو ثميناً لمن لا يعرف ما تحمله. قلادة أرين. القطعة الوحيدة الباقية من رجل دفن في الساحة الأبدية دون قبر يُذكر.
انعكس الضوء الذهبي الخافت فوقها.
“أوصلها… إلى كاستر.”
أغلق يده عليها ببطء. المعدن بارد في راحته.
‘كاستر.’ اسم كان يعرفه قبل أن يعرف شيئاً عن هذه الأراضي. اسم أرين قاله بالطريقة التي يقول بها الناس أسماء من يثقون بهم ثقة لا تحتاج شرحاً.
الفارس الكبير.
هذا هو السبب الذي يقوده إلى الأمام.
كانت إمبراطورية الشفق الذهبي — بحسب ما سمعه دارون في الساحة من التجار والمقاتلين الذين مروا قبل أن يموتوا أو يُشتروا — أضخم قوة بشرية في القارة الغربية. إمبراطورية نمت على الحديد والدم ومعاهدات أُكرهت أطرافها على التوقيع. لكن حجمها لم يجلب لها السلام — جلب لها الأعداء على كل جانب.
خمس جبهات. خمسة أنياب تُمسك بها من كل اتجاه.
في الشمال — مملكة الثلج الرمادي، حيث الحروب تمتد لعقود لأن البرد يُحافظ على الجثث ويُذكّر الناس بمن خسروا. في الشرق — اتحاد المدن السوداء، تحالف تجاري بوجه مدني وقبضة عسكرية خلفه. في الجنوب الشرقي — مملكة السهول الحمراء، سُمّيت كذلك بسبب لون تربتها لا بسبب الدماء، رغم أن الدماء باتت تتنافس مع التربة على اللون. في الغرب — أراضي القديسين، التي لا يصفها أحد بالدقة نفسها مرتين.
وفي الشمال الغربي — أرض الموت الأبيض.
كان السائق قد ذكرها مرة في الليلة الأولى وتوقف عند الاسم، وكأن مجرد النطق به يكلّف شيئاً. قليلون يعودون منها. وأولئك الذين يعودون لا يُكثرون الكلام.
إمبراطورية تعيش على الحرب. محاصرة بخمسة أنياب. ولهذا لم تتوقف عن التوسع لأن التوقف يعني الانهيار.
وحش محاصر يجعله الخوف أكثر خطورة، لا أقل.
“أنت ذاهب للجنوب إذاً؟”
رفع دارون نظره نحو السائق.
“ذكي.” بصق السائق جانب الطريق. “الطرق الشرقية صارت جحيماً. قطاع الطرق، الوحوش، والمرتزقة الهاربون من الجبهات الذين لم يجدوا ما يفعلونه بأيديهم المتعودة على القتل.” أشار بعصاه نحو البعيد. “أما الجنوب…” ظهرت على وجهه المتجعد ابتسامة من تلك التي تحمل تجارب شخصية أكثر من حكمة مجردة. “…فهو الطريق الوحيد الذي ما يزال آمناً نسبياً. أو على الأقل، أقل احتمالاً للموت المفاجئ.”
غرباً أولاً نحو مدن التجارة الساحلية. ثم شمالاً نحو الحدود الجنوبية للإمبراطورية. طريق أطول وأبطأ. لكن طريق يصل إلى نهايته.
بقي دارون صامتاً. نظره على الأفق لا على الطريق. لم يكن يفكر في الطريق.
كان يفكر فيما ينتظره.
إمبراطورية تعيش على الحرب تنتج نوعاً معيناً من الناس — نوعاً يجيد القتال لأنه لم يتعلم كيف يفعل شيئاً آخر. وداخل كل هذا، في الفوضى التي يخلقها الحصار الدائم والحرب الدائمة والموت الدائم — تنمو المنظمات التي تبيع البشر وتصنع الوحوش وتستفيد من كل هذا الألم.
عالم أكبر بكثير من الساحة الأبدية.
لكن نفس الجذر.
ثم تذكر — لا يعرف لماذا في تلك اللحظة بالذات — وجه ألبرت في اللحظة الأخيرة.
لم يصرخ. لم يقاوم. لم يرجُ.
فقط تلك النظرة — تلك الصدمة الهادئة لمن يرى شيئاً لم يتوقعه من مصدر لم يتوقعه — والتساؤل الذي لم يُنطق: لماذا.
أغلق دارون عينيه للحظة.
ثم تنهّد — هادئاً، عميقاً، من ذلك النوع الذي يخرج حين يحمل الجسد شيئاً لا يستطيع التعبير عنه بكلام.
لاحظت سكارليت ذلك من الجهة المقابلة. كانت تراقبه بين حين وآخر منذ أسبوع دون أن تعترف بذلك لنفسها، تبحث في ملامحه عن شيء ما — ندم، بُعد، أي شيء يمكن تفسيره. لم تجد ما يكفي. فسألت أخيراً:
“…هل ندمت؟”
فتح عينيه ببطء.
ساد الصمت في الداخل — حتى صوت عجلات العربة بدا فجأة أبعد، كأن العالم تراجع خطوة وترك المسافة بينهما وحدها.
ثم أجاب دون أن ينظر إليها:
“كل يوم.”
تجمّدت.
ليس لأنها توقعت إجابة مختلفة — بل لأنها لم تكن تتوقع هذه الصراحة. هذا النوع من الإجابات التي تُريك شيئاً حقيقياً ثم تُغلق الباب قبل أن تتمكني من الدخول.
فتحت فمها لتقول شيئاً —
توقفت العربة فجأة بعنف.
شهق الحصانان بخوف حيواني خالص — ذلك الخوف الذي لا يحتاج تفكيراً.
شحب وجه السائق فورأً وأحكم قبضته على العصا.
“تبًا…”
رفع دارون نظره نحو الطريق الأمامي.
وسط الضباب الذهبي البعيد — الضباب الذي يجعل كل شيء يبدو كأنه على حافة اختفاء — كانت تقف صلبان خشبية على جانبي الطريق. عشرات منها. متباعدة بانتظام مقصود كأن من نصبها أراد أن تُرى من بعيد. وعليها — جثث. بعضها قديم ومتيبس بفعل الهواء البارد، وبعضها أحدث من ذلك.
وفي المنتصف — فوق صخرة كبيرة كأنها مُختارة لأجل هذا —
جلس رجل.
درع أسود ممزق في أماكن كثيرة لا تُخفي الممزق بل تُظهر تاريخاً من الضربات التي استقبلها ولم تُسقطه. رمح طويل مغروس في الأرض أمامه يُمسك به كأنه عكاز أو حد فاصل أو كلاهما.
رفع رأسه ببطء حين توقفت العربة.
وحين ظهرت عيناه من تحت الخوذة الجزئية —
أحسّ دارون بشيء غريب يسري في ذراعيه.
ليس الخطر العادي الذي يعرفه جيداً ويعرف كيف يتعامل معه. شيء مختلف — أعمق وأقدم، كالإحساس الذي تشعر به أمام شيء مرّ بما لا تستطيع أنت تخيّله والبقاء واقفاً.
هذا الرجل قاتل الكثير.
ليس تخميناً. يقيناً.