الفصل 151 - الخطيئة
لم يتحرك أحد.
حتى الرياح القادمة من خارج البوابة — تلك الرياح التي كانوا يحلمون بها طوال الأيام الماضية — بدت وكأنها توقفت باحترام مشوّه أمام ما حدث.
ضوء الشمس يسقط فوق جثة ألبرت. فوق الرجل الذي انحنى أمام طفلة وقال لها لكننا سنحاول. الرجل الذي وقف كالجدار وحيداً. الرجل الذي أدار ظهره للأمام في آخر لحظة يملكها ووثق.
رأسه منفصل عن جسده.
وعيناه لا تزالان مفتوحتين — كأنهما لم تستوعبا في اللحظة الأخيرة ما حدث، كأن جزءاً منه لا يزال ينتظر تفسيراً.
والدماء تنتشر على الحجارة قرب حافة الضوء الذي لم يصله.
أما دارون — فواقف بصمت. جارح الظلال في يده والدماء تقطر من نصله ببطء وثقل. قطرة. ثم أخرى. كإيقاع لا يعتذر ولا يتوقف.
كانت سكارليت ترتجف.
ليس خوفاً — الخوف يحتاج وضوحاً، يحتاج عدواً واضحاً. ما كان بداخلها أكثر تشتتاً وأكثر إيلاماً. صدمة. ألم. غضب من ذلك النوع الذي لا يعرف أين يتجه فيختار أن يحترق في مكانه.
انفجرت أخيراً:
“أجبني!!”
ارتدّ صوتها في النفق وعاد إليها كأنه يسألها هي نفس السؤال.
“لماذا؟!”
لم يرفع دارون صوته. لم يتغير في وجهه شيء.
“لأنني رأيت ما يكفي.”
“هذا ليس جواباً!” تقدمت نحوه بعيون تحمل الدموع لكنها لم تسمح لها بالسقوط — من العناد أو من شيء آخر لا تعرف تسميته. “لقد خاطر بحياته لأجلنا! أنقذ العبيد! وقف وحيداً ضد إيفيلين وهو يعرف أنه قد لا يخرج! حتى—”
“وكان قاتلاً جماعياً.”
توقفت.
قالها دارون بنفس النبرة. لم يقلها دفاعاً ولا هجوماً. قالها كحقيقة لا تنتظر موافقة.
“رجل قتل مئات الأشخاص. رجل امتلك قدرة تتضاعف كلما تألم الناس بالذنب — وأمضى سنوات يُغذّيها عمداً. رجل أقنع نفسه طوال ذلك الوقت أنه الحق المطلق وأن ما يفعله مقدس.”
نظر نحو جثة ألبرت.
“هذا النوع من الجرح لا يُشفى ببضعة أيام من الندم.”
ساد الصمت.
لكن سكارليت لم تتراجع.
“لكنه تغيّر.”
أغمض دارون عينيه للحظة واحدة — فقط لحظة. وحين فتحهما كان فيهما شيء لم تره فيهما من قبل. ليس البرود المعتاد. شيء أعمق وأقدم. شيء متعب بطريقة تختلف عن إرهاق الجسد.
شيء يشبه الكراهية.
لكن ليس تجاه ألبرت.
تجاه العالم الذي يجعل هذه القرارات ضرورية.
“الناس لا يتغيرون بهذه السهولة.”
انخفض صوته درجة واحدة.
“وأنا أعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر.”
تجمّدت سكارليت.
وبدأ دارون يتكلم ببطء — ليس بطء من يبحث عن الكلمات، بل بطء من يختار أي منها يُطلق وأيها يُبقي.
“في الساحة…” نظر إلى يديه. يد تمسك سيفاً وأخرى فارغة. “كنت أقتل لأعيش. وفي البداية كنت أقول لنفسي إنني مضطر. إن لا خيار. إن هذا مختلف.”
توقف.
ثم ضحك — ضحكة قصيرة فارغة، من تلك التي تصدر حين يُدرك الإنسان سخرية لا يجد لها كلمات أفضل.
“ثم توقفت عن التفريق.”
لم يتكلم أحد.
حتى يوجين — الذي كان صامتاً منذ سقط الرأس ولم يُصدر صوتاً واحداً — لم يتكلم.
“عندما تبقى طويلاً داخل الجحيم…” رفع نظره ببطء نحوهم. “…يبدأ الجحيم بالدخول إليك. لا تشعر باللحظة التي يحدث فيها. لا تسمع صوتاً. لا تُقرر. فقط يوم ما تنظر إلى نفسك وتفهم أن شيئاً ما تغيّر وأنك لا تعرف متى.”
نظر نحو جثة ألبرت.
“ألبرت كان مثلي.”
اتسعت عينا سكارليت.
“وهذا بالضبط سبب قتلي له.”
تجمّد الهواء.
“الناس يظنون أن الوحوش هي من تستمتع بالقتل. من تفعله بلا سبب. من تضحك وهي تؤذي.” قبض على جارح الظلال قليلاً — ليس من توتر، بل من عادة لا يُدركها. “لكن أخطر الوحوش هي التي تبدأ بإيجاد مبررات جيدة له. التي تُصبح أفعالها منطقية في داخلها. التي يُصبح القتل قراراً عقلانياً لا اندفاعاً.”
تذكّرت سكارليت.
ندم ألبرت. دموعه. رغبته في التكفير. انحناءته أمام الطفلة.
ثم — رأت ما كانت تتجنب رؤيته.
قدرته تتغذى على الذنب. على ألم الآخرين بسببه. وكلما أذنب أكثر — في نظره أو في نظر من يتألمون — ازدادت القدرة. وفي عالم لا ينتهي فيه الذنب ولا يتوقف فيه الألم…
كانت دوامة لا قرار لها.
اقترب دارون ببطء من رأس ألبرت.
وقف فوقه للحظة. في وجهه لا نصر ولا راحة — فقط ذلك الثقل الذي يحمله من يفعل ما يعتقد أنه ضروري ويعرف في نفس الوقت أن هذا الاعتقاد وحده لا يكفي ليجعله صحيحاً.
“لو تركته يعيش…” قال بصوت أهدأ الآن، مجرّد من كل شيء يمكن الاختباء وراءه. “…كنت سأراقبه طوال حياتي. وإذا انهار مجدداً؟ إذا عاد ليُؤمن أنه القاضي؟ إذا قتل طفلاً آخر بنفس المبررات التي استخدمها في البداية وستبدو مختلفة لأنه يبكي هذه المرة وهو يفعل؟”
ارتجفت شفتا سكارليت.
لم تجد جواباً.
لأنه لم يكن هناك جواب نظيف.
“أنا لا أملك رفاهية الإيمان بالناس.”
قالها دون مرارة. مجرد حقيقة يعيش معها منذ وقت طويل وتوقف منذ فترة عن محاولة تغييرها.
أدار وجهه بعيداً.
ولاحظت سكارليت عندها التناقض بكامله.
دارون الذي أنقذ العبيد دون أن يُطلب منه. دارون الذي رفض قتل الحراس متى استطاع وضرب بدلاً من ذلك حتى يُفقدهم الوعي. دارون الذي منح ألبرت فرصة بعد فرصة وهو ينظر إلى ما يحمله.
هو نفسه من قطع الرأس دون تردد مرئي.
كأنه يقسم العالم بطريقته الخاصة — لا طريقة ألبرت القديمة بالمقدس والملوث، بل بطريقة أخرى. أشخاص يمكن إنقاذهم. وأشخاص خطر وجودهم أكبر من حقهم في الاستمرار. وهو وحده من يرسم الخط بين الفئتين.
والفرق بينه وبين ألبرت — بدأ يضيق.
لاحظ دارون نظرتها.
وفهم. بسرعة. كعادته.
ابتسم ابتسامة صغيرة فارغة — من تلك التي تعني أعرف ما تُفكرين فيه ولن أُجادله.
“أعرف.”
اتسعت عيناها قليلاً.
“أعرف أنني منافق. أقول إن لا أحد يملك حق الحكم على الآخرين…” نظر إلى الدماء على السيف. “…ثم أحكم عليهم بنفسي. أقول إن القتل ليس حلاً ثم أختاره.”
أغمض عينيه لحظة.
“لكن هذا هو الواقع. أحياناً لا يوجد خيار نظيف. فقط خيارات بدرجات مختلفة من الوساخة.”
رفع رأسه نحو الخارج.
الشمس كانت تشرق على الأفق. أول شروق حقيقي يراه منذ دخل الساحة الأبدية.
لكن نظرته لم تحمل ما تحمله نظرات الناس عند شروق الشمس بعد ليل طويل. لم تحمل راحة ولا امتناناً. حملت شيئاً أبعد وأكثر إرهاقاً.
طريق لا يعرف نهايته ولا يعرف إن كان سيكون مختلفاً عما خلّفه وراءه.
“الساحة الأبدية لم تكن سوى جزء صغير.” قال بصوت منخفض. “هناك أشخاص صنعوا هذا المكان. أشخاص يبيعون البشر ويستفيدون من وجود الوحوش ويتركون العالم يتعفن لأن العفن مربح.”
قبض على جارح الظلال.
“إذا بقيت الأمور كما هي…” نظر للمرة الأخيرة إلى جثة ألبرت — الرجل الذي تغيّر ولم يُعطَ وقتاً كافياً ليُثبت ذلك أو يُكذّبه. “…سيولد ألف ألبرت آخر. في أماكن أخرى. بقدرات أخرى. وبمبررات أجمل.”
بدأ يمشي نحو ضوء الخارج.
وتوقف قبل أن يعبر العتبة. لم يلتفت.
“لهذا…”
نظر إلى الأفق البعيد — إلى شيء لا يراه أحد غيره.
“…سأقوم بقتل الجذر نفسه.”
وخطا إلى الضوء.
والشمس سقطت على وجهه بلا دفء يُذكر.