الفصل 150 - النهاية الغير متوقعة
اهتزّ النفق من الداخل كأن شيئاً في جوهره بدأ يتفكك.
الجدران الحجرية تتشقق في خطوط تتفرع وتتشعب، والحجارة تتساقط فوق الجميع بإيقاع لا يتوقف. والهواء نفسه — أصبح شيئاً آخر، ثقيلاً وحاداً على الرئتين، مشبعاً بتلك الطاقة الزمردية التي لا تعرف حدوداً حين تُطلق من يدٍ لا تعتاد على التحكم فيها بل على إطلاقها.
إيفيلين كانت تقف وسط كل هذا كأنها مصدره لا ضحيته. الدمار حولها لم يمسّها، الحجارة تتجنّبها. كارثة واقفة تنظر إليهم بعينين تحسبان لا تستعجلان.
تراجع العبيد بخوف حيواني خالص — الجسد يعرف الخطر قبل أن يُدرك العقل مصدره.
وقفت سكارليت أمام يوجين في حركة لم تُفكّر فيها. درعٌ بشرية من لحم وإرادة.
أما ألبرت — فثبّت نظره على إيفيلين بذلك الثبات الحزين لمن يرى الحقيقة ولا يجد فائدة من إنكارها.
‘انتهينا.’
كانت جريحة — نعم. كانت تنزّ الدم الزمردي من جانبها. لكن حتى وهي هكذا كانت لا تزال شيئاً تجاوزهم بمسافة لا تُقطع بالإرادة وحدها.
رفعت إيفيلين يدها ببطء.
الطاقة الزمردية تجمّعت حول كفّها — ليس كضوء بل كضغط مرئي، كأن الهواء حولها ينضغط ويتكثّف ويتشكّل في شيء يريد أن يُطلق.
“إذا لم أستطع استعادة لعبتي…”
ابتسامتها توسّعت — لكن ليس بالطريقة الجميلة التي اعتادتها. بطريقة مشوّهة قليلاً، طريقة امرأة خسرت شيئاً وقرّرت أن تدفع الثمن من غيرها.
“…سأدفنكم معها.”
أدرك ألبرت في تلك اللحظة ما ستفعله.
ليست ضربة. ليست مواجهة.
انهيار. هذا النفق بأكمله. الجدران، السقف، الأرض — كلها ستنغلق على من فيها كقبضة تُطبق على ما في داخلها.
شعر بالبرودة تسري من قدميه إلى صدره.
‘هذا هو النهاية.’
ثم —
توقّف جسد إيفيلين.
توقّف تماماً، كآلة سحب منها مصدر طاقتها في لحظة واحدة. والطاقة المتجمّعة حول كفّها تفرّقت في الهواء دون أن تجد وجهة.
اتسعت عيناها.
ببطء. بطيء جداً. كمن يُحاول فهم شيئاً يرفض جسده تصديقه.
ثم خرج النصل.
قرمزي. لامع. يشقّ الضوء الخافت للنفق في خط مستقيم من جانب جسدها إلى الجانب الآخر.
الصمت الذي تلا ذلك لم يكن مجرد غياب صوت — كان نوعاً مختلفاً تماماً. الصمت الذي يحدث حين يفهم الجميع في آنٍ واحد أن شيئاً ما لن يعود كما كان.
الدم الزمردي نزل فوق النصل في خيط بطيء — لونه يختلف عن أي دم رأوه من قبل، كأن ما يسري في عروقها ليس ما يسري في عروق البشر.
ارتجفت أصابع إيفيلين. يدها التي كانت ترفع الجبال لم تستطع الآن أن تُمسك بالهواء.
وألبرت —
نظر إلى ما وراءها.
‘مستحيل.’
وقف دارون خلفها مباشرةً. جسده مغطى بالدماء، ملابسه ممزقة بأكثر مما ينبغي لمعركة الممر، وعيناه الذهبيتان تحتفظان ببقايا ذلك الاندماج الوحشي الذي لم يكن أحد يعلم أنه جرى — كأومضة من شيء أُطلق ثم أُعيد حبسه.
ويُمسك سيفاً قرمزياً اخترق إيفيلين من جانبٍ إلى جانب.
الأمر الذي كان أكثر رعباً من الطعنة نفسها لم يكن أنه هزم قائد صائدي الأرواح — بل أنه اقترب منها. اقترب بما يكفي لهذا دون أن يشعر به أحد.
حتى هي.
حتى إيفيلين.
سعلت دماً — الزمردي يختلط بالأحمر في خيوط تسقط على الحجارة.
ثم نظرت للأسفل. إلى النصل الذي يخترقها. كأنها لا تزال تُحاول تفسير ما تراه بعقل رفض في البداية تصديق الإحساس الجسدي.
وللمرة الأولى منذ ظهرت — ظهر شيء حقيقي على وجهها.
ليس خوفاً. شيء أعمق وأكثر ندرةً بالنسبة لها.
الصدمة.
همست بصعوبة، صوتها لأول مرة بلا تلك الطبقة الملكية المحسوبة:
“…كيف…”
انحنى دارون قليلاً نحو أذنها. وقال بهدوء يشبه الحقيقة التي تُقال للمرة الأولى:
“أنتِ لم تكوني الوحش الوحيد داخل الساحة.”
وسحب السيف.
تشششش!!
سقطت إيفيلين على ركبتيها.
الضوء الزمردي بدأ يتلاشى من جسدها ببطء — ليس انطفاءً فجائياً، بل كموجة تنحسر وتترك الأرض جافة خلفها. وفي كل ثانية كانت تذهب فيها تلك الطاقة، كان شيء ما في حضورها الهائل يصغر ويصغر.
نظرت حولها بعيون تُحاول أن ترى كل شيء في الوقت الباقي لها.
إلى النفق. إلى الجدران المتشققة. إلى العبيد الذين لا يزالون يرتجفون. إلى الضوء البعيد خلف البوابة الذي لم تنظر إليه منذ وقت طويل.
ثم إلى دارون.
وقفت عيناها عليه لثانية أخيرة.
لم تكن نظرة كراهية. ولا مرارة. كانت نظرة من يرى شيئاً فهمه متأخراً جداً ليفعل به أي شيء.
سقط جسدها.
بلا صوت. بلا عظمة. كأن العالم الذي عاشت فيه قرّر ألا يمنحها ما منحت نفسها طوال حياتها.
واختفى الضغط.
كأن يداً غير مرئية كانت تضغط على الجميع من كل اتجاه رُفعت في لحظة واحدة. الهواء عاد هواءً عادياً. الجدران توقفت عن الارتجاف.
ساد الصمت — لكنه هذه المرة صمت مختلف. ليس صمت الخوف.
بكى بعض العبيد. ليس بكاء حزن بل بكاء الجسد حين يُفرج عنه فجأة مما احتمله طويلاً. سقط آخرون على الأرض دون أن يُحاولوا الوقوف.
ثم ضحك يوجين.
ضحكة مرتجفة، غير مُتحكَّم فيها، من تلك التي تأتي حين يفهم الإنسان أنه لا يزال حياً وعقله لم يستوعب ذلك تماماً بعد.
“نجونا…”
تنهّدت سكارليت تنهيدة عميقة طالت. حتى ألبرت أحسّ بثقل في ساقيه لم يُدركه إلا حين زال الخطر.
انتهى.
حقاً انتهى.
تحركوا نحو البوابة الأخيرة ببطء — ذلك البطء الذي يأتي حين يكون الجسد قد أعطى كل ما عنده وبقي يمشي على شيء آخر لا اسم له.
الضوء ينتظرهم خلف البوابة. ضوء الشمس الحقيقي — ليس الأضواء الحمراء الخانقة ولا الضوء الزمردي الميت. الشمس.
الحرية.
تقدّم ألبرت. بجانبه سكارليت ويوجين.
وأول ما أحسّه حين اقترب من الضوء — الهواء. ليس هواء الأنفاق المغلقة الثقيلة المشبعة بالعفونة والدم. هواء حقيقي. خفيف على الرئتين.
‘أستطيع التنفس.’
للمرة الأولى منذ وقت طويل جداً — أستطيع فعلاً التنفس.
ثم —
“أنا آسف.”
توقف ألبرت.
صوت دارون. مباشرة خلفه.
الكلمتان بسيطتان. هادئتان. وفيهما شيء لم يسمعه من دارون من قبل — شيء يشبه النهاية لا الاعتذار.
عبس ألبرت قليلاً والتفت نصف التفاتة.
“ماذا—”
تشششش!!
ومضة سوداء.
ثم —
سقط العالم.
رأى الأرض تدور ببطء غريب، كأن الزمن نفسه قرّر أن يُبطئ. رأى جسداً واقفاً في مكانه دون رأس. جسده. ورأى الضوء ينتشر أمامه — ذلك الضوء الذي اقترب منه للتو، الذي كان على بُعد خطوة واحدة فقط.
وآخر ما رآه —
دارون.
واقف خلف المكان الذي كان فيه.
يُمسك السيف الأسود.
ابتلع الظلام كل شيء.
تدحرج رأس ألبرت فوق الأرض الحجرية ببطء — ذلك البطء الذي يجعل كل شيء أكثر إيلاماً مما لو كان أسرع — وتوقف قريباً من حافة الضوء.
والدماء انتشرت حول ضوء الحرية التي لم يصلها.
تجمّد يوجين في مكانه. لم يُصدر صوتاً. وجهه لم يعرف أي تعبير يُناسب هذا.
أما سكارليت — فاتسعت عيناها بالطريقة التي تتسع بها حين يرى الجسد شيئاً ويرفض العقل تفسيره. نظرت إلى رأس ألبرت. إلى جثته. إلى دارون.
ارتجفت شفتاها.
ثم انفجرت:
“ما الذي فعلته؟!”
لم يتغيّر وجه دارون.
لم يتحرك عضلة واحدة في ملامحه. باردٌ بذلك البرود الذي ليس غياب المشاعر بل شيء آخر — قرار سبق اللحظة وانتهى منه قبل أن تبدأ.
“إنه خطير.”
تجمّدت سكارليت.
“لن أسمح له بالعيش أكثر من هذا.”
اهتزّت أنفاسها.
“لكنه…” نظرت نحو جثة ألبرت — الرجل الذي انحنى أمام طفلة وقال لها لكننا سنحاول. الرجل الذي وقف أمام الحراس وحده. الرجل الذي أدار ظهره للأمام ووثق. “…تغيّر.”
ساد الصمت.
ثم رفع دارون عينيه ببطء.
عينان فارغتان من كل ما كانت تبحث عنه فيهما.
“الوحوش الأكثر خطورة…”
نظر إلى الدماء على سيفه — بهدوء من يُقرأ شيئاً كتبه بنفسه.
“…هي التي تتعلم كيف تبدو بشرية.”
Sou: وشرايكم فنهاية الأرك توقعتوها؟