الفصل 145 - الأمل
دوّت صفارات الإنذار عبر الأنفاق بذلك الصوت الذي لا يُشبه أي صفارة صنعها الإنسان — عميق ومتموّج، كعواء شيء كبير ينزف ببطء تحت الأرض. وتبعتها الأضواء الحمراء التي اشتعلت فوق الجدران الحجرية بإيقاع متقطع، تُحوّل الممرات إلى عالم قرمزي خانق — نوع الضوء الذي لا يُريح العيون ولا يكفي للرؤية الحقيقية، يجعل كل شيء يبدو كأنه يحترق من داخله.
وداخل القفص —
بدأت العيون الميتة تتحرك.
ليس هرباً. ليس ذعراً. بل شيء أبطأ وأكثر خطورة من ذلك.
الأمل.
وكان ذلك — في مكان كهذا، في لحظة كهذه — أخطر شيء يمكن أن يُولد. لأن الأمل الذي يُسحق لا يترك فراغاً. يترك يأساً من نوع لا يشفى منه أحد بسهولة.
اقترب ألبرت من القفل الأسود ببطء. كانت السلسلة الأثرية تنبض بضوء باهت ومتقطع، محفور عليها عشرات الرموز القديمة بعناية لا تليق بشيء مصمم للسجن — كأن صانعها أراد أن يُذكّر من يراها بأنها ليست مجرد قفل، بل حكم.
“قيود قمع .” همس لنفسه.
وضع يده عليها.
تشششش!!
احترق جلد كفّه في اللحظة ذاتها — ليس باحتراق النار العادية، بل بذلك الوخز العميق الذي يصل العظم قبل أن تُدرك الجلد. تراجع نصف خطوة وتصاعد دخان خفيف من كفّه المُحمرّ.
شهقت الطفلة داخل القفص بصوت مخنوق.
“ابتعد.”
قالتها سكارليت وهي تتقدم بخطوات ثابتة. ركعت أمام القفل ووضعت أذنها قربه بتركيز من يستمع لنبضات قلب مريض يُحاول تشخيصه.
أغمضت عينيها.
“هناك ذبذبات داخلية.” قالتها بنبرة الشخص الذي يتكلم لنفسه أكثر من تكلمه للآخرين. “طبقات متداخلة. ليست عشوائية.”
“يمكنكِ تعطيله؟” سأل دارون.
فتحت سكارليت عينيها ببطء. نظرت إلى القفل ثم إلى من خلفه.
“نعم.” ثم أضافت دون أن تُغيّر نبرتها: “لكن إذا أخطأت… سينفجر.”
ساد الصمت.
نظر دارون نحو العبيد داخل القفص — لم يُظهروا الصدمة. لا رعباً مفاجئاً، لا تراجعاً. فقط تلك النظرة التي يكتسبها الإنسان حين يُصبح الموت احتمالاً اعتادت عليه أعصابه بما يكفي ليتوقف عن الصراخ.
أومأ دارون.
ركعت سكارليت من جديد. وضعت أصابع يدها الأولى فوق المعدن الأسود — لم تلمسه بالكامل في البداية، بل خفّفت الضغط تدريجياً كمن يتحسس حافة شيء بالغ.
“صدى الموت.”
طنين خافت بدأ ينتشر، مختلف تماماً عن الانفجارات الصوتية التي استخدمتها قبلاً. هذا لم يكن هجوماً — كان حواراً. أصغر وأدق، يُحاول أن يُقنع الذبذبات الفوضوية بداخل القفل بأن تتراجع ببطء.
ارتجف القفل.
قطرة دم ظهرت على حافة أذن سكارليت، سالت ببطء نحو فكّها. ثم أخرى. ضغطت أسنانها بقوة حتى ابيضّت، ولم تفتح عينيها.
الذبذبات داخل القفل كانت فوضوية بشكل مدروس — مصمّمة لتكون كذلك، لتُعاقب من يُحاول العبث بها دون المفتاح الصحيح. أي انزلاق في التركيز، أي اهتزاز لا يُحسب بدقة —
وستنتهي قصتهم هنا تحت الأرض دون أن يعرف أحد.
“لدينا ضيوف.”
قال دارون بهدوء — بذلك الهدوء الذي لا يُطمئن بل يُنبّه.
رفع ألبرت رأسه.
أصوات خطوات. متعددة. سريعة. لا تُحاول الإخفاء لأنها لا تحتاج.
شتمت سكارليت بصوت لا يتجاوز شفتيها دون أن تُحرّك شيئاً آخر في وجهها.
ابتلع يوجين ريقه.
وظهرت الظلال في نهاية الممر — ستة حراس مدجّجون بأسلحة أثرية تبعث وميضاً خافتاً في الأضواء الحمراء، وجوههم تحمل تلك اليقظة الحادة لأشخاص وصلوا لأداء مهمة واضحة ولا يملكون وقتاً للأسئلة.
“إنهم هنا!”
صرخ أحدهم، وتحرّك اثنان فورًا نحو لوحة الإنذار الجانبية —
اندفع ألبرت.
بووم!!
اصطدم بأول حارس بعنف لا يُشبه رجلاً خرج من زنزانة قضى فيها أسابيع — عنف من يُسكت جسده عن كل شيء ويُعطي ما كان يحتفظ به. تحطّم الحارس في الجدار الحجري وانزلق أرضاً قبل أن يُدرك ما ضربه.
لكن البقية لم يتوقفوا.
تفرّقوا وتقدّموا في آنٍ واحد، بحرفية أشخاص تدرّبوا على هذا بالضبط.
وقاتل ألبرت.
لكن شيئاً كان مختلفاً — شيئاً لو رآه من عرفه قبلاً لتوقف في منتصف أي شيء كان يفعله. لا وجه مقدس بارد. لا تلك الكلمات عن التطهير والعدالة السامية. لا الغرور الهادئ لشخص يعرف أنه سينتصر.
فقط رجل يتصدّى لأشخاص يُحاولون الوصول إلى من خلفه.
تفادى رمحاً بصعوبة واضحة — تفادياً غير أنيق، قريباً أكثر مما ينبغي — ثم أمسك ذراع الحارس بكلتا يديه ولوى الجسم بعنف. صرخة ألم دوّت في الممر الضيق.
لكن في اللحظة ذاتها — طعنة اخترقت كتفه من الجانب.
اهتزّ جسد ألبرت. الألم حادّ وفوري وحقيقي بذلك الحضور الذي يُعيد الإنسان لجسده في ثوانٍ. سقط الدم على الأرض الحجرية بقطرات ثقيلة.
ابتسم الحارس بسخرية لا تُخفي شيئاً.
“أين قديسك الآن؟!”
تجمّد ألبرت.
قديماً — لم تكن لتكمل هذه الجملة. لم يكن الرجل ليُنهي فكرته. كانت الضربة القاتلة ستأتي في منتصف حرفها الأول.
لكن الآن —
نظر ألبرت إلى وجه الحارس. إلى عيونه بالضبط.
ورأى ما لم يُعوَّد على رؤيته فيمن يقف أمامه.
خوف.
الرجل خائف. تحت الاستفزاز وتحت الابتسامة الساخرة وتحت كل ذلك — كان خائفاً بالضبط كما كان ألبرت خائفاً الآن، بالضبط كالطفلة خلف القضبان، بالضبط كالجميع في هذا المكان المحفور تحت كل شيء.
‘أنت أيضاً سجين.’
ارتجفت يد ألبرت.
ولحظة واحدة فقط — أقصر مما ينبغي وأطول مما يمكنه تحمّله — توقف.
واندفع السيف نحو عنقه.
تشششش!!
سهم صوتي اخترق الحارس من الخلف وأسقطه في الحال.
“ركّز أيها الأحمق!”
صرخت سكارليت دون أن تفتح عينيها، الدم ينزل من أنفها الآن بخيطين متوازيين. يداها لم تتحركا. تركيزها لم يتزعزع.
لكن القفل بدأ يتشقق.
تحرّك دارون.
خطوة واحدة للأمام. ثم ضرب الأرض بقدمه بقوة مدروسة الاتجاه.
بووووم!!
تشقّق الحجر من نقطة الضربة في خطوط متفرعة، وانفجر الغبار بكل الاتجاهات كموجة تحت القدمين. اختلّ توازن الحراس في آنٍ واحد — ثانية واحدة فقط من عدم الاستقرار.
لكنها كانت كافية.
ظهر دارون بينهم.
لم يكن كالريح ولا كالبرق — كان أهدأ من ذلك وأخطر. ضربة دقيقة لأول حارس. ضربة أخرى للثاني قبل أن يسترد توازنه. سقطا.
أما الثالث — تراجع خطوتين وأمسك سلاحه بكلتا يديه.
أمسكه دارون من رقبته قبل أن يُكمل الحركة. نظر الرجل إليه بعيون تعرف أن ما يأتي بعد ذلك لن يكون جيداً.
“أرجوك—”
لم يُكمل.
لكن دارون لم يقتله. ضربه بقوة محسوبة حتى فقد الوعي وتركه يسقط.
لاحظ ألبرت ذلك — وهو يضغط على كتفه المُصاب بيده الأخرى، يراقب — ولم يقل شيئاً. لكن شيئاً ما في وجهه تغيّر.
حتى هنا. حتى في هذا.
دارون يرفض القتل متى كان له اختيار.
كرااااش!!
انفجر القفل الأسود أخيراً.
لم يكن انفجاراً — كان تفككاً. السلسلة الأثرية انفرطت وتساقطت قطعها على الأرض الحجرية بأصوات متتالية ثقيلة، والضوء الباهت الذي كان ينبض منها مات في الحال.
سقطت سكارليت على يدها لثانية. ثم استعادت توازنها ببطء، مسحت الدم من أنفها بظهر كفّها، ولم تقل شيئاً.
داخل القفص — لم يتحرك أحد في البداية.
وقفوا كأن الحرية شيء يحتاج إذناً قبل أن يُصدَّق عليه.
ثم اقتربت الطفلة الصغيرة من الباب. ببطء شديد. خطوة واحدة نحوه، يدها على القضيب الحديدي البارد، كأنها تتأكد أنه لن يعقف مرة أخرى إن ابتعدت يدها عنه.
خطوة واحدة خارج القفص.
أول خطوة لها خارج هذا الحجر في وقت لا تعرف كم امتدّ.
نظرت إلى ألبرت.
“…هل نحن أحرار؟”
ارتعشت عينا ألبرت بعنف لم يُحاول إخفاءه هذه المرة.
لكنه لم يخفض نظره.
انحنى ببطء أمامها — لا كبطل، ولا كمن يقدّم هبةً. بل كشخص يرفض أن يقول الحقيقة وهو ينظر إلى الأعلى.
“…ليس بعد.”
قالها بصدق كامل لا يحتمل التجميل.
ثم رفع رأسه. وكانت في عيونه — تلك العيون التي رأت أشياء كثيرة وفعلت ما لا يُقال بسهولة — عزيمة مختلفة. ليست عزيمة الشخص الذي لا يخاف، بل عزيمة الشخص الذي يخاف ويقرر أن هذا لا يكفي سبباً للتوقف.
“لكننا سنحاول.”